1439/10/09


تحمیل

الأستاذ الشيخ باقر الايرواني

بحث الأصول

39/10/09

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع:- مبحث حجية الظواهر.

والكلام في ذلك يقع في نقاط ثلاث:-

الأولى:- اثبات حجية الظواهر في الجملة.

الثانية:- تفاصيل في حجية الظواهر.

الثالثة:- كيف نثبت معاصرة الظهور في زماننا وعصر صدور النص.

هذه ثلاثة ابحاث في مسألة حجية الظواهر.أما حجية الظواهر في الجملة:-

فقبل أن نستدل على حجية الظواهر نشير إلى قضية نافعة:- وهي أنَّ الفقيه إذا اراد أن يستنبط حكماً من النص سواء كان آية أو رواية - والمهم نحن من حيث الروايات - فلابد لابد له من اجتياز أربع مراحل حتى يتمكن من استنباط الحكم الشرعي:-

المرحلة الأولى:- اثبات أصل الصدور ، يعني إذا كان النص رواية فلابد من ثبات أنَّ هذه الرواية صادرة ، إذ لو لم تكن صادرة فماذا يريد أن يستفيد منها ؟!! ، والذي يتكفل ثبوت صدور الرواية تعبّداً هو مبحث حجية الخبر ، فإذا قلنا بحجية الخبر يعني حينئذٍ نحكم بصدور الرواية إذا كانت الشروط موجودة فبها ، كأن كان الراوي ثقة مثلاً ، فبناء على حجية خبر الثقة تثبت حجية الرواية وبذلك يثبت الصدور.

المرحلة الثانية:- اثبات الظهور والدلالة ، يعني أنَّ هذه الرواية تدل على هذا المعنى وظاهرة فيه ، إذ لو لم تثبت الدلالة والظهور حينئذٍ لا يتمكن أن يستنبط شيئاً ، لا يوجد بحث أصولي يتكفل اثبات ذلك فإنَّ هذا لا يمكن ، نعم هذا يرجع فيه إلى العرف بالاستعانة بالتبادر مثلاً وما شاكل ذلك ، وإلا فلا يوجد بحث معيّن ومسألة معينة يمكن من خلاله أن تثبت دلالة هذه الرواية على هذا المعنى وتلك الرواية على ذاك المعنى بل لا يمكن ذلك ، بل يرجع به إلى العرف ، وأنت واحد من العرف ، فمن خلال التبادر الذي يحصل عندك أو صحة السلب أو عدم صحة السلب أو القرائن الخاصة أو غير ذلك يمكن اثبات الدلالة وإذا لم يمكن اثبات دلالتها فسوف يصير النص مجملاً.

المرحلة الثالثة:- اثبات حجية الظهور والدلالة ، يعني الآن إذا اثبتنا الدلالة فمن قال إنَّ هذه الدلالة حجة ؟! فهي ليست دلالة صريحة وإنما أقصى ما هناك يوجد ظهور ، فلابد من اثبات حجية الظهور ، والمتكفل لإثبات ذلك هو مسألتنا هذه ، لأنَّ هذه المسألة هي مسألة حجية الظواهر ، ونحن نريد أن نبحث فيها عن هذه القضية وهي أنه إذا ثبت ظهور النص في معنىً معيّن فهل هذا الظهور حجة أو لا ؟

المرحلة الرابعة:- اثبات جهة الصدور ، وأنَّ هذه الرواية هي صادرة لبيان الحكم الواقعي ولم تصدر تقيةً أو لدواعٍ أخرى ، وما هو المثبت لها ؟ ، يعني كيف نثبت أنَّ هذا المعنى الظاهر مراد للمتكلم حقيقةً لا من باب التقية أو الامتحان أو غير ذلك ؟ إنه لا توجد مسألة في علم الأصول تتكفل هذا المطلب ، نعم هناك كلمات عابرة لا أنه توجد مسألة معقودة في علم الأصول لذلك وإنما يذكر كإشارة فيقال ( الأصل أنَّ المتكلم في مقام البيان الجدّي وهذا مما تبانا عليه العقلاء ) ، فأقصى ما هناك أنه يذكر هذا المقدار لا أكثر.

إذن توجد أربع مراحل يحتاج إليها الفقيه إذا أراد أن يستنبط حكماً شرعياً.ونلفت النظر إلى أنَّ المهم من هذه المراحل الأربعة مرحلتان ، وهما المرحلة الأولى ، لأنه إذا لم نكن قد أثبتنا الصدور فعلى ماذا نبني البناء ؟!! ، وكذلك المرحلة الثالثة ، لأنه إذا لم تثبت حجية الظواهر أيضاً فلا يمكن أن ننتفع شيئاً من خلال النص ، فهاتان المرحلتان هما العمود الفقري في عملية الاستنباط للفقيه ، وإلا فالثانية - وهي اثبات أصل الظهور - فهي يحتاج إليها الفقيهة ولكنها قضية أمرها سهل ، فالفقيه يقرأ الرواية ويلاحظ ماذا يستفيد منها ولو بالاستعانة بالآخرين ، فإذا حصل له استظهار وتبادر فيأخذ به ، فهذه المرحلة يحتاج إليها الفقيه ولكنها ليست هي العمود الفقري في عملية الاستنباط ، وإنما العمود الفقري هما المرحلة الأولى والثالثة ، ومن أنكرهما أو أنكر واحدةً منهما صار انسدادياً ، يعني يرى أنَّ باب العلم والعلمي منسدٌّ ، وإذا صار منسداً يصير المصير إلى حجية كلّ ظن ، فيصير المدار على كلّ ظن ، فيقال بحجية الظن من باب الانسداد ، فمن يرفض حجية الخبر - يعني يقول لا يوجد علمي - أو ينكر حجية الظواهر حتماً يكون مصيره إلى حجية الظن من باب الانسداد ، فمن أراد أن يصير انسدادياً فلابد أن ينكر أحد هذين الأمرين المهمين أو كلّيهما.وباتضاح هذه المقدمة نعود إلى صلب الموضوع وهو اثبات حجية الظواهر.

وفي مقام الاستدلال على ذلك نقول:- إنَّ سيرة العقلاء وأهل اللسان والعرف قد جرت على التمسّك بالظواهر ، فنحن الآن طريقتنا في فهم المطالب هي من خلال الظواهر ، وليس المدار على النصوص الصريحة ، وهذ السيرة يحتمل أن يسحبها العقلاء في يومٍ من الأيام إلى ظواهر النصوص الشرعية فيعملون بتلك الظواهر ، فإذا كان الشارع لا يرضى بالعمل بالظواهر لقال للعقلاء لا تسحبوا سيرتكم هذه إلى ظواهر النصوص الشرعية وإنما ابقوا عملكم بالظواهر في مجالكم الخاص ، فلابد وأن ينهى عن ذلك ، فعدم نهيه يدل على رضاه بهذه السيرة وتطبيقها حتى في النصوص الشرعية ، ولو لم تكن هذه السيرة حجة وممضية منه قبله لنصب بديلاً عنها وقال فقط وفقط تمسكوا بالنص الصريح أو أنصب لكم بديلاً آخر ، فسكوت الشرع دليل على الرضا بتطبيق هذه السيرة العقلائية في مجال النصوص الشرعية.

وهذا دليل لا بأس به لإثبات حجية الظواهر.هذا وقد يتمسّك بوجوه أخرى غير سيرة العقلاء:-

الوجه الأول:- ما ذكره السيد الشهيد(قده)[1] ، وهو التمسّك بشيرة المتشرعة ، فهو تمسّك بوجهين بسيرة العقلاء وبسيرة المتشرعة وجعل سيرة المتشرعة وجهاً ثانياً مقابلاً لسيرة العقلاء.

وتقريب سيرة المتشرعة أن يقال:- إنَّ المتشرعة كأصحاب الامام العسكري والجواد والهادي عليهم السلام واجهوا كمّاً هائلاً من النصوص التي وصلتهم من الصادق والباقر والكاظم عليهم السلام فماذا كان موقفهم ازاء تلك الروايات - فإنَّ الأصول الأربعمائة قد وصلت إليهم - ؟ إنه يوجد احتمالان ، الأول هو الأخذ بظواهر تلك النصوص والعمل بها بعد فرض أنَّ الصريح يكاد يكون معدوماً وهو المطلوب ، والثاني هو الرفض ، والثاني باطل فيتعيّن الأوّل.والوجه في بطلان الثاني: هو أنهم لو كانوا حقاً يرفضون العمل بظواهر النصوص لشكّل ذلك ظاهرة غريبة ينبغي أن تسجّل في التاريخ وتنقل بشكلٍ واضح ويقال إنَّ أصحاب الأئمة الهادي والجواد والعسكري عليهم السلام رفضوا العمل بالروايات الواردة من الامام الصادق عليه السلام مثلاً ، فإنَّ هذه ظاهرة مهمة وملفتة للنظر ، والحال أنه لم ينقل ذلك ، وعدم النقل دليل على أنَّ القضية كانت مألوفة ، يعني أنهم كانوا يعملون بالظهور ولا يوجد شيء ملفت للنظر حتى يُنقَل ، والذي لا يستحق النقل ولا توجد حاجة إلى نقله هو عملهم بالظواهر ، فإذن عدم نقل الرفض دليل يكشف عن أنهم كانوا يعملون بالظواهر.

وفيه:- صحيح أنَّ المتشرعة قد عملوا بالروايات الصادرة من الامام الصدق والباقر والكاظم عليهم السلام بلا إشكال ولكن نحتمل أنهم عملوا بها من حيث أنهم عقلاء لا من حيث أنهم متشرعة ، فبالتالي لا تكون لدينا سيرة متشرعة في مقابل سيرة عقلاء ، فإذن لا معنى لأن نقول يوجد عندنا دليلان على حجية الظواهر هما سيرة العقلاء وسيرة المتشرعة بعد احتمال رجوع سيرة المتشرعة إلى سيرة العقلاء.

إن قلت:- لعل مقصود السيد الشهيد(قده) هو أنه حتى لو قطعنا النظر عن سيرة العقلاء مع ذلك تبقى سيرة المتشرعة ثابتة ، ومن أجل هذا ذكرناها وجهاً آخر في مقابل سيرة العقلاء.

قلت:-

أوّلاً:- إنه لو قطعنا النظر عن سيرة العقلاء فقد لا نجزم بأنهم قد عملوا بظواهر النصوص الشرعية بل لعلّهم يرفضون ذلك ، فلا نجزم بأنه إذن على تقدير غض النظر عن سيرة العقلاء هم رغم ذلك يعملون بظواهر النصوص الشرعية فإنَّ هذا لا يمكن الجزم به.

ثانياً:- إنَّ المفروض هو أنَّ سيرة العقلاء ثابتة جزماً ، ومادامت ثابتة جزماً فعلى هذا الأساس لا يمكن أن نقول توجد إلى جنبها سيرة متشرعة مقابلة لها ، يعني الذهن العقلائي يقضي بلزوم الأخذ بالظواهر فإنَّ هذا دائماً موجود ، فعلى هذا الأساس المتشرعة حينما عملوا بالظواهر فنحن نحتمل أنهم قد عملوا به من جهة هذه الحيثية الارتكازية العقلائية الثابتة عندهم والتي هي ثابتة ولا تزول عن أذهانهم ، نعم لو فرض أنها زالت فربما يقال هم يعملون ، ولكن قلنا إنَّ هذا لا مثبت له هذا أولاً ، وثانياً بالتالي إنَّ سيرة العقلاء هي ليست زائلة بل هي ثابتة في الأذهان ، فإذن لا توجد سيرة متشرعة في مقابل سيرة العقلاء ، نعم إذا كان الهدف ليس علمياً وإنما كان الهدف دعوى أنَّ المتشرعة أيضاً عملوا كالعقلاء لكن من باب عدّ سيرة المتشرعة شيئاً مقابلاً لسيرة العقلاء فلا بأس بذلك ، ولكن المفروض أنَّ السيد الشهيد يجعل سيرة المتشرعة في مقابل سيرة العقلاء ، فهو يجعلهما دليلان ، وهذا غير تام ، فإنه لا يمكن جعلهما دليلان ، لأنه من المحتمل أن تكون سيرة المتشرعة ناشئة من سيرة العقلاء.

فإذن المناسب عدّ الدليل واحداً وهو سيرة العقلاء من دون ضمّ سيرة المتشرعة.

 


[1] دروس في علم الأصول ( الحلقة الأولى)، السيد الشهيد محمد باقر الصدر، ج1، ص265.