37/08/16


تحمیل

هذا وربما توحي بعض كلمات الشيخ النائيني(قده) بذلك - يعني وجه اجتماع الأمرين الترتبيّين هو اختلاف الرتبة - حيث قال:- ( إن الخطابين وإن كانا فعليّين حال العصيان معاً إلا أن اختلافهما في الرتبة أوجب عدم لوزم الجمع من فعليتهما .... )[1] ، إنّ العبارة المذكورة واضحة في الإيهام لأنه عبّر وقال:- ( إلا أن اختلافهما في الرتبة أوجب عدم لوزم الجمع من فعليتهما ).

وجزم السيد الخوئي(قده)[2] بنسبة ذلك الى الشيخ النائيني(قده) وأن مقصوده هو هذا وهو أن اختلاف الرتبة يوجب ذلك.

ولكن نقول:- إن كلام الشيخ النائيني(قده) بعد ذلك يوضح أن مقصوده من اختلاف الرتبة ليس ما فهم وإنما المقصود من اختلاف الرتبة هو أنه أخذ الأمر بالمهم مشروطاً بعدم الاشتغال بالأمر بالأهم إن هذا يوجب أيضاً اختلاف الرتبة لكن الذي يدفع الاشكال ليس مجرّد اختلاف الرتبة وإنما لأجل ما أشرنا إليه من أنه بالتالي لو اجتمعا ولو من باب فرض المحال لا يكونان مطلوبين معاً ، ولو كان مقصود الشيخ النائيني كما فهم السيد الخوئي فلا داعي الى مقدّماتٍ خمس بل يقول رأساً إنّ وجه الامكان اختلاف الرتبة ، نعم اختلاف الرتبة يحتاج الى بيان أما أكثر من هذا فلا يحتاج.

وبالجملة:- من يقرأ كلام الشيخ النائيني يفهم أن مقصوده ليس مجرّد اختلاف الرتبة بشكله البدوي كما أراد السيد الخوئي(قده) وإنما بشكله المعمّق الذي نحن أشرنا إليه والأمر ليس بمهم من هذه الناحية.

هذا وربما ينسب الى الميرزا محمد حسن الشيرازي(قده) أنه ذكر في وجه إمكان اجتماع الأمرين الترتبيّين أنّ ذلك بسوء اختيار المكلّف ، فهو ترك الأهم فتوجه له كلا الأمرين الاهم والمهم ولو لم يترك الأهم لكان المتوجه إلية فقط الأمر بالأهم دون والأمر بالمهم ، فإذن بسوء اختياره حينما ترك الأهم توجه إليه كلا الأمرين إذ الأمر بالأهم مطلق حسب الفرض والأمر بالمهم مشروط بعدم الاتيان بالأهم ، فإذن كلا الأمرين يتوجّه إليه عند عدم الاشتغال بالأهم ، فإذن بسوء اختياره حصل طلب الجمع بطلب الضدّين.

وجوابه واضحٌ:- فإن المحال محالٌ سواء كان لا بسوء الاختيار أم كان بسوء الاختيار ، فلو فرض أني قلت لشخص اجلس واسكت في هذا المكان وإذا تكلمت فاجمع بين النقيضين ، وهل يجوز هذا المعنى وهل يمكن أن يصدر هذا الشيء من العاقل ؟! كلا ثم كلا ، فلا يمكن الأمر بالمحال بالضدّين حتى إذا كان بسبب سوء الاختيار وهذا شيء واضح وقد أشار إليه صاحب الكفاية في كفايته[3] . وعلى أي حال نسبة هذا الشيء الى السيد الشيرازي شيء بعيد.

ثم إنه قد ذكرنا سابقاً أن الأمرين الترتبيين ليس هما ممكنين فقط بل هما واقعان ومثلنا لذلك ببعض الأمثلة فيما سبق ولكنها كانت أمثلة عرفية ، وربما تصاف أمثلة شرعية الى العرفية من قبيل أنه نذر شخص أن يقيم عشرة أيام في مشهد الامام الرضا عليه السلام فهنا النذر لازم فيؤمر هذا الشخص بالوفاء بالنذر وبالتالي يؤمر بأداء الصوم وأداء الصلاة تماماً ، فلو فرضنا أنه عصى حين وصوله الى مشهد وقبل أن يصلّي رباعيةً صار بناءه أن يترك الاقامة عشرة أيام والبقاء خمسة أيام فقط ففي مثل هذه الحالة يؤمر بالصلاة قصراً ويؤمر بالإفطار ، هنا في مثل هذه الحالة اجتمع عليه أمران الأول يلزمك الوفاء بالنذر يعني بتعبيرٍ آخر يجب البقاء عشرة أيام فإن عصيت ولم تنوِ البقاء عشرة فصلّ قصراً ولا يجوز لك الصوم وهذا الأمر الثاني مشروطٌ بترك امتثال الأمر الأول وهذا هو روح الترتّب ، فالأمر بالصلاة قصراً معلّق على عصيان الأمر الأول وهذا أمرٌ وجداني ، وكل فقيه تعرض عليه هذه المسألة فسوف يجيبك بأنه يجب عليه القصر مادام لم يؤدّ صلاة رباعية - أما إذا أديتها فعليك أن تصوم وتصلي تماماً وعدولك لا يؤثر نعم أنت عاصٍ فقط من باب أنك تركت الاقامة عشرة أيام - ، فالأمر بصلاة القصر معلّق على عصيان النذر.

إن قلت:- هذا المثال فيه تأمل باعتبار أنه يشترط في الأمرين الترتبيّين أن يكونا مطلقين ثم بعد ذلك نخرم اطلاق الأمر بالمهم ، وهنا لا يوجد أمران مطلقان إذ الأمر بالوفاء بالنذر ليس أمراً مطلقاً ولو كان مطلقاً فالأمر الثاني يعني بالقصر ليس مطلقاً - يعني سواء عصيت ذلك الأمر النذري أم لم تعصه - فإنه لا توجد عندنا رواية تدلّ على هذا الأمر بنحو الاطلاق كما لا توجد رواية تدلّ على الحكم الثاني بنحو الاطلاق ، فلا يوجد إطلاق الدليلين ، وإذا لم يكن هناك إطلاق فهذا خارجٌ عن محلّ الكلام.

وجوابه:- صحيحٌ أنه لا يوجد اطلاق فلا توجد رواية تدلّ على ثبوت هذا الحكم بنحو الاطلاق وتدلّ على ثبوت ذاك الحكم بنحو الاطلاق كما تقول ، لكن عدم ثبوت هذا الاطلاق لا يؤثر على الاستشهاد بهذا المثال ، فالاستشهاد بهذا المثال تام لأنه بالتالي الأمر بالقصر جاء مترتباً على عصيان الأمر بالوفاء بالنذر ، ففكرة الترتّب موجودة ٌ، فلو فرض أن الترتّب لم يكن ممكناً فكيف عند عصيان الأمر بالأهم يتوجّه الأمر بالمهم ؟! إنه يلزم أوجه كلا الأمرين أمرٌ بالمهم يعني بأداء الصلاة قصراً لأنه لم تنوِ البقاء عشرة أيام وأمرٌ آخر وهو أنه يلزمك أن تنوي العشرة وأن تبقى عشرة وأن تصوم وأن تصلي تماماً ، فذاك الأمر موجود حتى في حال عصيانه ، فذاك الأمر موجودٌ ولكن حيث أني لم أقصد العشرة فيأتي الأمر بالقصر ويتوجه إليّ فاجتمع كلا الأمرين في حقّي غايته لا اطلاق للأمر بالمهم في حقّي - أي الأمر بالقصر - وعدم ثبوت الاطلاق لا يؤثر شيئاً بعدما كانت روح الترتّب موجودة ، فالمثال مثالٌ جيدٌّ وإن كان لا يوجد اطلاق الدليلين فهذا لا يؤثر بعدما كانت روح الترتّب موجودةٌ في البين ، فإن أمكنت روح الترتّب هنا يلزم أن تصير ممكنة في سائر الموارد فإنه في هذا المثال بالتالي يتوجّه كلا الأمرين ، يعني حينما أنا لم أنو اقامة العشرة يتوجْه إليّ أمران أمر صلّ قصراً لأنه لم ينو العشرة وأمرٌ ثانٍ وهو عليك الوفاء بنذرك فعليك أن تنوي العشرة وصلّ تماماً بعد نيّة العشرة ، فكلا الأمرين موجودٌ ، فإذا قبلنا بهذا في هذا المورد فلنقبله في الموارد الأخرى.

إمكان الترتّب يلازم وقوعه:- من خلال ما تقدّم أثبتنا أن فكرة الترتّب فكرة ممكنة ولكن رب قائل يقول:- نحن قرأنا ونعرف أن امكان الشيء لا يلازم وقوعه ، فلو فرض أنه في مثال الأمر بالإزالة والصلاة يمكن أن يأمرنا الشارع بالصلاة على تقدير عدم الاشتغال بالإزالة وتوجه كلا الأمرين حين عدم الاشتغال بالإزالة ولكن بالتالي لا يمكن أن نصحّح الصلاة لأن صحّة الصلاة فرع وجود أمرٍ بالصلاة بالعفل ومجرّد إمكان وجود الأمر بالصلاة مترتباً على عصيان الأمر بالإزالة لا يثبت تحقّق الأمر ووقوع الأمر بالصلاة.

وجوابه:- نحن قد فرضنا من البداية وجود أمرين مطلقين ، يعني يوجد في الشريعة الاسلامية أمرٌ أنه متى ما تنجّس المسجد وجبت ازالة النجاسة وهذا أمرٌ مطلقٌ وليس مقيداً بعدم وجود أمرٍ بالصلاة ، ويوجد أمرٌ ثانٍ وهو إذا دخل وقت صلاة الظهر فتجب صلاة الظهر ، وهذا مطلقٌ أيضاً سواء كانت هناك نجاسة في المسجد أو لم تكن ، فكلاهما مطلق ، وما دمنا قد فرضنا أن كلا الأمرين مطلقان فحينئذٍ نقول إنه حينما اجتمعا حيث دخلت المسجد ودخل وقت الصلاة ورأيت النجاسة في المسجد فحينئذٍ إما أن نقول إن كلا الأمرين يسقط وهذا لا مبرّر له ، وأما أن نقول كلاهما يبقى على اطلاقه وهذا ليس ممكناً لأنه طلب الجمع بين الضدين في عرضٍ واحدٍ ، أو نقول الأمر بالصلاة يسقط رأساً لا أنه يسقط اطلاقه ويقيّد بعدم الاشتغال بالأهم وهذا لا داعي له فإن الضرورة تقدّر بقدرها فإنه بعد وجود الاطلاق كيف تترك الاطلاق وتسقط الدليل رأساً مادام يمكن إعماله في مساحةٍ ضيّقة وهي عند عدم الاشتغال بالأهم فلابد من تقييد هذا الاطلاق بعدم الاشتغال بالأهم ، فإذا قلنا هو ممكنٌ فيقيّد بذلك فيبقى ذلك على اطلاقه - يعني الأمر بالأهم - وهذا يكون مقيّداً ، فإذا كان ممكناً إذ قد فرضنا من البداية وجود روايتين تدلّان على وجود حكمين مطلقين فيقيّد أحدهما وهو المهم بعدم الاشتغال بالآخر ، فصار الامكان ملازماً للوقوع بعد فرض وجود اطلاقين.