38/07/01


تحمیل

آیةالله الشيخ محمداسحاق الفیاض

بحث الأصول

38/06/30

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الموضوع: أصالة البراءة – الاستدلال بالكتاب

كان كلامنا في قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [1] وتقريب الاستدلال بهذه الآية انها دالة على ان الله تعالى لا يقوم بإضلال قوم وإدانتهم وعقوبتهم قبل إتمام البيان والحجة عليهم، وعلى هذا تكون الآية دالة على أصالة البراءة وحيث إن البيان في الشبهات الحكمية سواء كانت وجوبية ام تحريمية إذا لم يتم بعد الفحص ولم يجد الدليل والحجة على الحكم من الوجوب أو الحرمة فلا يعاقب الله تعالى على الفعل أو الترك لأنه عقاب قبل إتمام الحجة والبيان عليه وهو لا يصدر من الله تعالى.

ودعوى ان مفاد الآية الكريمة رفض الإضلال عن الأمم السابقة ولا صلة لها بنفي العقوبة الأخروية وذلك بقرينة الفعل الماضي في الآية ﴿ وما كان ﴾ فإنه قرينة على أنه الله تعالى لا يضل قوما من الأمم السابقة قبل البيان عليهم فلا صلة لها بأصالة البراءة الشرعية في الشبهات الحكيمة من الوجوب او الحرمة.

هذه الدعوى مدفوعة: بأنه لا توجد قرينة لا في الآية الكريمة ولا من خارجها على نظر الآية إلى الأمم السابقة بل جملة ﴿ ما كان ﴾ شاهدة على عدم اختصاص نفي الإضلال والعقوبة بالأمم السابقة لأن المتفاهم العرفي من هذه الجملة كما تقدم هو أنه ليس من شانه تعالى ولا يليق به ان يضل قوما ويعاقبهم قبل إتمام الحجة عليهم وقبل البيان فهي إذاً دالة على نفي الشأنية وحينئذ لا فرق فيه بين نفي العقوبة عن الأمم السابقة ونفي العقوبة عن الأمم اللاحقة ولا بين نفي العقوبة الدنيوية ونفي العقوبة الأخروية لأن كلا منهما لا يليق بشأنه تعالى وتقدس معاقبة قوما أو طائفة او شخصا بدون بيان وحجة.

ودعوى اختصاص الآية ببعض العقوبة دون جميعها لأن الآية مختصة بالإضلال وهو الانحراف إما في العقيدة أو في العمل الخارجي ولا تعم العقوبات الأخروية وما شاكل ذلك من العقوبات الأخرى.

هذه الدعوى مدفوعة: فإن هذه الجملة تدل عل أنه ليس من شأنه تعالى ذلك وحينئذ لا فرق بين أن يكون المذكور في الآية عقوبة خاصة او لا يكون ذلك مذكورا طالما أن الآية تدل على أنه ليس من شان الله تعالى أن يعاقب من دون إتمام الحجة بلا فرق بين العقوبة الدنيوية والعقوبة الأخروية فهذه الجملة تدل على عدم الفرق وإن كان المذكور في الآية عقوبة خاصة.

فالنتيجة: أنه لا إشكال من هذه الناحية في الآية الكريمة.

هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى أن المراد من الموصول في قوله تعالى: ﴿ وما يتقون ﴾ هو الأحكام الشرعية ولكن هل المراد منه خصوص الأحكام الشرعية الواقعية أو المراد منه ما هو الأعم من الحكم الواقعي والظاهري كإيجاب الاحتياط؟ فهنا وجهان:

الوجه الأول: ان المراد منه في الآية خصوص الأحكام الواقعية لا الأعم منه ومن الأحكام الظاهرية وذلك بقرينة أن ظاهر الآية المباركة إنما هو العقوبة على مخالفة الموصول نفسه بعد البيان وهذا يشكل قرينة على أن المراد من الموصول هو الحكم الواقعي فإن مخالفة الحكم الواقعي بنفسه توجب استحقاق العقوبة وإما وجوب الاحتياط الذي هو حكم ظاهري فقد ذكرنا غير مرة أنه وجوب طريقي وليس له شأن غير تنجيز الواقع عند الإصابة والتعذير عند الخطأ ولهذا لا عقوبة على مخالفته بنفسه إلا على مخالفة الواقع ولا مثوبة على موافقته بنفسه إلا على موافقة الواقع فمن أجل ذلك الموصول لا يشمل الحكم الظاهري كوجوب الاحتياط وحجية الأمارات وما شاكلهما لأنها احكام طريقية لا شان لها إلا تنجيز الواقع عند الإصابة والتعذير عند الخطأ وهذا قرينة على ان المراد من الموصول هو الحكم الواقعي لأن ظاهر الآية هو أن العقاب إنما هو على مخالفة الموصول بنفسه بعد البيان وإتمام الحجة مع أنه لا عقوبة على مخالفة نفس وجوب الاحتياط ولا مثوبة على موافقة نفس وجوب الاحتياط كما هو الحال في حجية الأمارات فإنه لا عقوبة على مخالفة نفس الأمارة إلا العقوبة على التسبب بضياع مصلحة الواقع عند عدم الإصابة ولا مثوبة على موافقة نفس الأمارة إلا المثوبة على تحصيل مصلحة الواقع عند الإصابة.

وعلى هذا يكون المراد من الموصول في الآية المباركة هو الحكم الواقعي لا الأعم منه ومن الحكم الظاهري.

الوجه الثاني: ان المراد منه ما هو أعم من الحكم الواقعي والظاهري فإن الحكم هو المعنون بعنوان التقوى والسبب لحصول التقوى ولا فرق من هذه الناحية بين الحكم الواقعي والحكم الظاهري فكما ان الحكم الواقعي سبب للتقوى فكذلك الحكم الظاهري فإن إيجاب الاحتياط أيضا سبب للتقوى لأن الاحتياط من اظهر وأرقى مراتب العبودية ولهذا يكون سببا للتقوى فكما ان امتثال الحكم الواقعي سبب للتقوى كذلك موافقة الاحتياط سبب للتقوى وظاهر الآية الكريمة أن نفي العقوبة ونفي الإدانة والإضلال إنما هو بعد البيان فما لم يبين سبب التقوى فلا عقوبة ولا إدانة ولا إضلال وسبب التقوى يشمل الحكم الواقعي والحكم الظاهري معا.

وعلى هذا فالآية الكريمة تدل بنفسها على إيجاب الاحتياط في الشبهات الحكمية الوجوبية والتحريمية وروايات الاحتياط رغم اختصاصها بالشبهات التحريمية ولكن مع ذلك لا تصلح أن تكون مقيدة للإطلاق الآية المباركة لما ذكرناه في بحث المطلق والمقيد من أن حمل المطلق على المقيد إنما هو في موردين:

أحدهما: فيما إذا كان الحكم المجعول فيهما واحدا وهو إما ثابت للمطلق أو ثابت للمقيد كما إذا قال المولى: (صل) وبعد ذلك قال: (صل مستقبل القبلة) فإنه لا بد من تقيد المطلق بالمقيد فإن الحكم المجعول فيهما واحدا وهو إما ثابت للمطلق او للمقيد فلو كان ثابت للمطلق لكان القيد لغوا وجزافا وهذا لا يمكن صدوره من المولى الحكيم ولهذا لا بد من التقييد وأن الحكم ثابت لحصة خاصة وهي الحصة المقيدة.

ثانيهما: فيما إذا كان التنافي بينهما بالإيجاب والسلب وإن كان الحكم المجعول فيهما انحلاليا كما إذا قال المولى أكرم العلماء ثم قال لا تكرم الفساق منهم فإنه لا بد من حمل المطلق على المقيد، فإن كان المطلق والمقيد كلاهما مثبتين والحكم المجعول فيهما انحلاليا فلا وجه لحمل المطلق على المقيد كما إذا قال المولى أكرم العلماء ثم قال أكرم العلماء العدول فالمقيد أيضا مثبت كالمطلق فلا وجه لحمل المطلق على المقيد والحكم المجعول فيهما انحلالي ثابت لكل فرد من أفراد العلماء بل يحمل المقيد في مثل هذه الموارد على أفضل الافراد ويبقى المطلق على حاله غاية الأمر ان إكرام العلماء العدول أظهر من إكرام مطلق العلماء.

وما نحن فيه كذلك فإن الآية المباركة تدل على إيجاب الاحتياط في مطلق الشبهات أعم من أن تكون وجوبية أو تحريمية وروايات الاحتياط تدل على وجوب الاحتياط في الشبهات التحريمية فقط فعندئذ لا وجه لحمل الطلق على المقيد باعتبار أن الحكم المجعول فيهما وهو إيجاب الاحتياط انحلالي وثابت لكل فرد من أفراد الشبهة غاية الأمر يحمل المقيد على أفضل الأفراد ويبقى المطلق على حاله.

وعلى هذا تكون الآية دالة على إيجاب الاحتياط في الشبهات الحكمية ولا تدل على أصالة البراءة الشرعية بل يكون مفادها أصالة البراءة العقلية أي قاعدة قبح العقاب بلا بيان ولكن هذه القاعدة مرفوعة بقاعدة الاحتياط لأن أصالة الاحتياط واردة على هذه القاعدة ورافعة لموضوعها وجدانا لأن موضوع هذه القاعدة عدم البيان ولا شبهة في أن إيجاب الاحتياط بيان فأصالة الاحتياط واردة على هذه القاعدة.

إلى هنا قد تبين عدم تمامية دلالة شيء من الآيات على أصالة البراءة الشرعية إلا في بعض الفروض.

هذا تمام الكلام في الاستدلال بالآيات الكريمة.

وبعد ذلك يقع الكلام في الاستدلال بالروايات على أصالة البراءة الشرعية.