1440/01/16


تحمیل

الأستاذ الشيخ باقر الايرواني

بحث الأصول

40/01/16

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع:- مبحث حجية الظواهر.

إن قلت:- نحن نقبل أنَّ المدار في فهم النص هو على الظهور في عصر صدور النص لأنَّ الامام عليه السلام يتكلم مع الناس على طبق الظواهر الموجودة للكلام في تلك الفترة الزمنية ولا يلاحظ الظهور الذي يحصل بعد ألف سنة وهذا شيء صحيح ونقبل أيضاً ما ذكر من أنَّ الظهور في زماننا يكون أمارة - إن صح التعبير - على الظهور في عصر صدور النص ، ولكن الذي نقوله من قال إنَّ هذا الظهور في زماننا لم يتأثر بالمحيط والظروف الخاصة والمجتمع الضيق وبكلمة أخرى لو كان الظهور في زماننا ناشئاً من ظروف موضوعية وليس من ظروف مجتمعية ضيقة ومن اعراف ضيقة فصحيح هذا الظهور يصير أمارة على أن الظهور في عصر النص هو هذا وهو كلام وجيه أما ما دمنا نحتمل أن هذا الظهور في زماننا ناشئ من المحيط الضيق خصوصاً بعض العلوم الحديثة تثبت أن اللغة ومعاني الألفاظ تتغير أيضاً بتغير الزمن فالزمن يؤثر فيها ، وعلى هذا الأساس كيف يكون الظهور في زماننا أمارة على الظهور في عصر صدور النص ؟

قلت:- صحيح أنَّ الظواهر قد تتغير بمرور الزمن وباختلاف المجتمع ، ولكن نقول إنَّ الفقيه لو جرّد نفسه عن الظرف الخاص والمحيط الخاص والمجتمع الخاص وأخذ يتعامل مع النص ومن دون وجود مؤشرات على حصول تغير في الظهور وفي معاني الألفاظ إنه لو صنع ذلك فهذا المقدار يكفيه في الاستفادة من النص والأخذ بظاهر النص ، وإلا إذا لم يكفه ذلك يلزم من ذلك محذور اللغوية ، وبالتالي سوف يكون الاحتفاظ بالنصوص لغواً وبلا فائدة ، فليقل الأئمة عليهم السلام الاحتفاظ بكتبكم والأحاديث ليس بلازم ، لا أنهم يقولون احتفظوا بكتبكم فإنكم سوف تحتاجون إليها ، فبالتالي الأحاديث وغيرها حينئذٍ لا حاجة إلى الاحتفاظ بها ، وبالتالي يلزم أصحاب الأئمة المتشرعة في زمان الامام العسكري عليه السلام أن لا يعملون بالنصوص الصادرة من النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأجل هذا المحذور الذي ذكرناه ، وبالتالي يلزم تعطيل تلك النصوص.

فإذاً سيرة المتشرعة وسيرة العقلاء ومحذور اللغوية تلك الأدلة الثلاثة التي ذكرناها لإثبات أنَّ المدار في باب الظهور على الظهور في عصر المكلف بمعنى أنه يكون أمارة على كونه نفس ذلك الظهور السابق تلك الدلة الثلاثة تأتي وإلا إذا أردنا أن نقول للفقيه إنَّ هذا الظهور الذي استفدته ناشئ من عوامل المحيط الضيقة فيقول ثم ماذا فهل أغلِق وسائل الشيعة والكتب الأربعة والقرآن الكريم وبالتالي نسد باب النظر في الأحاديث ؟!! وهذا يلزم محذور اللغوية وخلاف سيرة المترعة وسيرة العقلاء وهذا لا يمكن أن يتفوه به أحد ، فعلى هذا الأساس الشارع عبّدنا وقال إنه مادام عندك ظهور في عصرك فنتعبّد به ولا تدقق أكثر وتقول لعل هذا الظهور ناشئ من المحيط الضيق ومن الظروف الخاصة ، كلا بل لا تقل ذلك مادام لا توجد مؤشرات على تغيّر معاني الألفاظ ، فإذا لم تكن هناك مؤشرات على التغير فالسيرة بقسميها ومحذور اللغوية يعبّدوننا بلزوم الأخذ بالظاهر الثابتة في زماننا.

إن قلت:- هناك رأي جديد يقول بمسألة القراءات ، بمعنى أنَّ كل ما نفهمه من النص هو قراءة من النص فأنا عندي قراءة وأنت عندك قراءة والثالث عنده قراءة ، وبالتالي لا يمكن أن نقول أن قراءتي هي الواقع وهي الحق ، كلا بل كل هذه قراءات والحق لا يُعلَم مع هذه القراءة أو مع تلك ولعل كل هذه القراءات باطلة والواقع شيء آخر.

قلت:- إنَّ النص على ثلاثة انحاء:-

النحو الأول:- أن يكون صريحاً ونصّاً في معناه لا أنه ظاهر ، فهو أكثر من ظاهر وإنما هو نصّ ، ومثل هذا لا معنى لتعدد القراءات فيه لأنه نصّ صريح.

النحو الثاني:- أن يفترض أنه ظهور كما هي الحالة العامة والغالبة ، والظهور مادام ثابتاً يكون طريقاً عقلائياً لتشخيص المراد ، والشارع أمضى هذه الطريقة العقلائية ولم يردع عنها ، فيلزم إن نأخذ بالظهور مادام ثابتاً ، ومن خالف الظهور نقول له أنت مخطئ ولا يصحّ أن يتشبث بفكرة تعدد القراءات ، نعم قد يناقش في الصغرى - يعني في أصل الظهور - ولكن هذه قضة ثانية أما إذا سلّمنا بأنه ظاهر في معنى فلا معنى حينئذٍ للتمسك بفكرة تعدد القراءات.

النحو الثالث:- أن يفترض أنه حمّال وجوه من قبيل ( لا ضرر ولا ضرار ) ، فبعضٌ فسّره بالنهي يعني لا تضر ، كشيخ الشريعة الشيخ فتح الله الأصفهاني ، وبعضٌ فسّره بأنه نفيٌ للحكم بلسان نفي موضوعه يعني لا حكم ضرري ، فمتى ما فرض أن الحكم يسبب ضرراً فهو مرفع فإذا كان وجوب الوضوء يسبب ضرراً للمكلف فهو ، وربما فسّره ثالث بتفسير آخر ، فمثل هذا قابل لأن نطبق فكرة القراءات عليه ، لأنه لا يوجد ظهور واضح يمكن التمسّك به ، وهذا خارج عن محل الكلام ، فنحن الآن محل كلامنا فيما إذا فرض أنه في عصرنا يوجد ظهور واضح حينئذٍ نحمل النص على هذا الظهور الواضح ونقول هذا الظهور في زماننا هو عين الظهور في زمن صدور النص لا أنه يوجد بينهما تغاير ، وفكرة تعدد القراءات لا معنى لها في باب الظهورات.

وبهذا ننهي حديثنا عن مبث الظواهر.