1440/04/09


تحمیل

الأستاذ الشيخ باقر الايرواني

بحث الأصول

40/04/09

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع:- حجية خبر الواحد.

انتهى حديثنا إلى هذه القضية وبها ختام بحثنا عن خبر الواحد ، وهي أنه هل أخبار الكتب الأربعة معتبرة بأجمعها إما بنحو القطع بالصدور أو لا أقل القطع بالاعتبار ، وقد قلنا إنه توجد دعويان ، دعوى أنَّ كل ما في الكتب الأربعة معتبر ولا أقل كتاب الكافي ، وقد ذهب الشيخ النائيني(قده) إلى ذلك[1] ، والدعوى الثانية هي أنَّه لا نقول بأنَّ الكتب الأربعة معتبرة بأجمعها وإنما يقول باعتبارها بصورةٍ أخف ، فطرق المحمدون الثلاثة إلى الأصول التي ينقلون منها أو عنها ، فمثلاً الشيخ الطوسي يبتدئ السند الطوسي فيقول ( محمد بن علي بن محبوب ... ) ، فهو حينما يقول هكذا يعني أنه أخذها من أصله ، لأنه قال في المقدمة ( إني ابتدئ بصاحب الأصل لأنه إذا لم أفعل ذلك فسوف يطول السند ).

ونذكر فائدة جانبية:- وهي أنَّ الشيخ الطوسي(قده) قال في مقدمة التهذيب ( إني أذكر كل الطريق منّي إلى صاحب الأصل ومن صاحب الأصل إلى الامام عليه السلام ) ، ثم قال ( لكن هذه الطريقة متعبة وسوف أتركها ) فتركها ، ولعله الجزء الأوّل من التهذيب كلّه أو أغلبه كان يذكر الطريق بالكامل ، ثم ترك هذه الطريقة وقال ( سوف ابتدئ بصاحب الأصل وإذا أردت أن تعرف طريقي إلى صاحب الأصل فراجع المشيخة ) ، فكتب المشيخة.

فالدعوى الثانية تقول نحن لا نحتاج إلى طريق من الشيخ الطوسي إلى صاحب الأصل ، لأنَّ هذه الأصول مشهورة معروفة لا كلام فيها ، وبناءً على هذا سوف تكون مراجعة المشيخة ليست بلازمة ، والكلام في الاستبصار هو نفس الكلام.

وهكذا الشيخ الصدوق(قده) في الفقيه ، فأيضاً لا نحتاج إلى المشيخة التي ذكرها ، لأنه ينقل من الأصول أيضاً ، وقد ذكر ذلك في مقدمة كتابه ، خصوصاً وأنه قال:- ( من كتب مشهورة عليها المعوّل ).

فخلاصة الدعوى الثانية:- هي أننا لا نحتاج إلى طريقٍ من الشيخ الطوسي أو الصدوق مثلاً إلى هذه الأصول ، يعني لا نحتاج إلى المشيخة والفهرست ، نعم نحتاج إلى طريقٍ معتبر من صاحب الأصل إلى الامام عليه السلام.وهذا الكلام نقوله بالنسبة إلى الشيخ الطوسي والشيخ الصدوق ، ولا نقوله بالنسبة إلى الشيخ الكليني ، لأنه لم يقل إني أنقل من الأصول بهذه الطرق ، بل عادته أنه من البداية يذكر اسم أستاذه كأحمد بن إدريس أو حميد بن زياد ثم يكمل السند ، فعادته هي على ذكر السند بكامله في كل رواية ، أما أنَّ بعض الروايات لم يذكر فيها السند بكامله فهذه قضية شاذّة ، ولكن طريقته العامة أنه من البداية حتى النهاية يذكر السند بكامله ، ولذلك هو لا يحتاج إلى مشيخةٍ ، ولم يضع لنفسه مشيخة ، وهذا فرقٌ بين الكافي من جانب وبين الفقيه والتهذيب والاستبصار من جانب آخر.

أما الدعوى الأولى[2] :- فلو ثبتت هذا الدعوى فهي مهمة جداً ، ولكن ما هو سندها وما هو التوجيه العلمي لها ؟

يمكن أن يقال في توجيهها العلمي:- إنَّ هؤلاء الأعلام الثلاثة ذكروا في مقدمة كتبهم مثل الشيخ الكليني(قده) حيث ذكر إني لا أذكر إلا الآثار الصحيحة ، فهو قال ( الصحيحة ) وبعد شهادته بهذا فماذا تريد بعد ذلك ؟!! ، وكذلك الشيخ الصدوق(قده) قال لا أذكر إلا ما أحكم بصحته ، وقريب من ذلك ذكر الشيخ الطوسي(قده) في مقدمة الاستبصار ، وننقل عبارات هؤلاء الأعلام لنلاحظ هل يستفاد منها هذا المعنى أو لا وكيف مناقشتها.

قال الشيخ الكليني(قده) في مقدمة الكافي بعد أن ذكر أنَّ البعض قد طلب منّه تأليف كتاب:- ( قلتَ أنك تحب أن يكون عندك كتاب يجمع فيه من جميع فنون علم الدين ما يكتفي به المتعلم ويرجع إليه المسترشد ويأخذ منه من يريد علم الدين والعمل بالآثار الصحيحة عن الصادقين علهم السلام ........ وقد يسّر الله وله الحمد تأليف ما سألت )[3] .

فالعبارة واضحة في أنَّ شخصاً طلب منه تأليف كتابٍ يحتوي على الآثار الصحيحة وهو يقول ( وقد يسَّر الله ..... ) ، كما أنَّ هذه العبارة أيضاً يستفاد منها أنَّ هذه المقدمة قد كتبها بعد أن أتمَّ الكتاب ، ولماذا نريد الـتأكيد على هذه القضية ؟ لأنه في بعض الأحيان إذا أراد شخص أن يكتب كتاباً فيصير بناءه على أن يكتبه بهذا الشكل وبهذاك الشكل ولكن بعد ذلك قد لا يحصل كما أراد ، أما هنا فالشيخ الكليني(قده) يقول: ( وقد يسرّ الله ) لا أنه قال ( اسأل الله أن ييسر ) وهذا معناه أنه قد كتب هذه المقدمة بعد أن أتمّ الكتاب ، فإذاً هذه الكلمات التي ذكرها يمكن الاعتماد عليها ، يعني هو وعدٌ قد تنجَّز ووفى به وإلا إذا لم تكن عبارة ( وقد يسّر الله ) موجودة فتأتي هنا مناقشة وهي أنَّ الشيخ الكليني صحيح أنه كان يريد أن يكتب كتاباً يجمع فيه الآثار الصحيحة ولكن ليس من المعلوم أنه تحقق له المراد ؟ ، أما بعد أن فرض أنَّ هذه المقدّمة قد كتبت بعد أن أنجز الكتاب لهذه القرينة فحينئذٍ هذا وفاءٌ بوعده.

وأما عبارة الشيخ الصدوق في الفقيه فهي:- ( ولم أقصد فيه قصد المصنّفين في إيراد جميع ما رووه بل قصدت إلى إيراد ما أفتي به وأحكم بصحته وأعتقد فيه أنه حجة فيما بيني وبين ربي تقدس ذكره وتعالت قدرته وجميع ما فيه مستخرج من كتبٍ مشهورة عليها المعوّل وإليها المرجع )[4] ، فهو يصرّح بأنه يحكم بصحته ، ثم قال ( وجميع ما فيه مستخرج من كتب مشهورة عليها المعوّل وإليها المرجع ) ، فإذاً جميع روايات الفقيه معتبرة.

أما كتابي الشيخ الطوسي(قده) فإنه ذكر في مقدمة الاستبصار[5] كلاماً وأنا لا أنقل نصّ عبارته لأنها عبارة مفتوحة ، ولكن يمكن أن تلخَّص ، كما صنع الحر العاملي حيث لخّصها ، حاصلها أن يقال:- إنه ذكر في مقدمة الاستبصار إنَّ الخبر على ثلاثة أنحاء ، فإما أن يكون متواتراً ، أو يكون مقروناً بالقرينة القطعية ، أو لا هذا ولا ذاك ، وهذا الثالث ينقسم إلى قسمين ، فمرَّة أُجمِع على نقله بلا معارض ، وأخرى أُجمِع على صحته ، ثم قال:- إنَّ كل خبرٍ في كتابيه لا يخلو من أحد هذه الأقسام المذكورة[6] .

والخلاصة:- إنه من خلال هذا أنَّ مستند من يقول باعتبار كل ما في الكتب الأربعة لابد أنه اعتمد على هذه العبارات المذكورة في مقدّمة الكتب الأربعة.

ولكن ريد على ذلك:-

أوّلاً:- نحن نسلّم أنَّ الشيخ الكليني عبّر بـ( الآثار الصحيحة ) ، والصدوق قال ( ما أحكم بصحته ) ، ولكنا نقول: إنَّ الصحّة في المصطلح القديم تغاير الصحّة في المصطلح الجديد ، فمصطلح الصحة من زمن العلامة وابن طاووس يطلق على الخبر الذي كان رواته امامية عدول ، أما في المصطلح القديم فلم يثبت اطلاقه على هذا أيضاً ، وإنما كل خبرٍ يجب العمل به فهو صحيح.

وقد تقول:- ما هو المثبت لما تقوله ؟

والجواب:- إنه يكفيني أن أقول إنَّ هذا التقسيم الرباعي ليس بثابت في الزمن القديم ، فإنه ليس من المعلوم أنه ثابت فذ ذلك الزمان ، بل ينسب إلى ابن طاووس أو العلامة ، ولذلك يتحاملون الاخباريون على ابن طاووس أو العلامة في أنه أحدث حدثاً ، فمعنى الصحيح عندهم ليس هذا المصطلح ، وإنما هو ذاك المعنى ، ويكفينا الاحتمال ، ونحن لا نريد أن نستظهر بل يكفينا أن نقول إنه لم يثبت أن عنوان الخبر الصحيح يقصد منه ما كان رواته امامية عدول ، وكيف يقصد منه هذا المعنى والحال أنَّنا إذا رجعنا إلى الكافي مثلاً فسوف نجد الكثير من الأخبار التي لا يمكن الحكم بصحتها ، فمثلاً لو رجعت إلى الجزء الأوّل من الكافي تجد فيه أخباراً كثيرة يقول في أثناء سندها ( فلان عن فلان رفعه عن الامام ) ، ومعنى ( رفعه ) يعني حذف الوسائط ونسبه إلى الامام عليه السلام ، مثلما نحن نقول في بعض الحالات ( قال الامام عليه السلام ) فهذا رفعٌ إلى الامام ولم نذكر الوسائط ، وهذا المعنى موجود في الكافي كثيراً[7] ، كما أنه يوجد عنده تعبير آخر وهو ( عمّن ذكره عن الامام عليه السلام )[8] ، وأحياناً يقول ( عن بعض أصحابنا ) ولم يذكر الاسم[9] .

فإذاً لا يمكن أن يكون المقصود من كلمة ( الصحيح ) هو الصحيح بالمعنى المعروف عندنا مادام يوجد في الروايات هذا الرفع الذي أشرنا إليه.

وإذا قلت:- إنَّ الصدوق(قده) قال ( لا أذكر إلا ما كان حجة بيني وبين ربي ) ؟

فجوابه:- إنه باعتقاده أنه حجة بينه وبين ربّه ، ولكن نحن لو عرض علينا الخبر أو شاهدناه فقد لا نراه حجَّة بيننا وبين ربّنا ، نعم لو كان الصدوق يقول ( لا أذكر إلا ما تراه الطائفة حجية بينها وبين ربها أو يحكم بصحته ) فهذا لا بأس به ، ولكنه ينسبه إلى نفسه لا إلى الطائفة.

والخلاصة:- إنَّ لفظ ( الصحيح ) لا يراد منه المصطلح الجديد ، وإنما يراد به - إما جزماً أو احتمالاً - ما يُعمَل به ، ولعل العمل به هو لقرائن ، ولعل تلك القرائن لو اطلعنا عليها فسوف لا نرتضيها.


[1] الآن هو معتبر بنحو القطع أو مجرّد اعتبار فهذا نغض النظر عنه فالمقصود أنهها معتبرة.
[2] وهي أنَّ جميع ما في الكتب الأربعة معتبرة ولا يحتاج إلى بالبحث عن سندها لا من الشيخ إلى صاحب الأصل ولا من صاحب الاصل إلى الامام عليه السلام.
[7] فمثلاً في الجزء الأول الصفة الحادية عشر الحديث الثالث وفي الصفحة الثاني عشر الحديث الحادي عشر والصفحة الثالثة عشر الحديث الثاني عشر وفي الصفحة عشرون الحديث الثالث عشر وفي الصفحة الخامسة والعشرون الحديث الثالث والعشرون والصفحة السادسة والعشرون والحديث الثامن والعشرون والتاسع والعشرون، والصفحة السابعة والعشرون الحديث الثلاثون، والصفحة الثلاثون الحديث الخامس، والصفحة الحادية والثلاثون الحديث التاسع، والصفحة الثانية والثلاثون الحديث الرابع ... وهكذا فلاحظ أن الصفحات متقاربة وهو يذكر فيها تعبير ( رفعه )يعني أن الوسائط محذوفة.
[8] مثل ما ذكره في الجزء الأول من الوسائل، ص37 ح7 و ح1، ص38 ح6، ص40 ح5، ص44 ح3، ص49 ح7 و ح8 ... وهكذا.
[9] وهو مثل ما كره في الجزء الأول من الوسائل، ص40 ح1، ص41 ح8، ص42 ح4، ص45 ح7، ص47 ح6 .... وهكذا.