37/08/23

الموضوع: أدلة حجية خبر الواحد ــ آية النفر

ذكرنا أن بعض المحققين(قده) ذكر أن الآية الكريمة مختصة بالقسم الثاني من الشبهات وهي التي تكون موردا لأصالة الاشتغال والاحتياط ومن هنا يكون الأمر بالإنذار لمجرد التنبيه والتأكيد فإن التحذر موجود في الواقع وهو مطلوب سواء كان هناك إنذار من المنذرين أم لم يكن لأن الشبهة إذا كانت قبل الفحص فهي منجزة ويوجب استحقاق العقوبة على مخالفته ويجب على المكلف الحذر منها وكذلك الشبهة إذا كانت مقرونة بالعلم الاجمالي فإنها منجزة كان هنا إنذار من المنذر أم لم يكن.

والظاهر أنه لا يمكن تطبيق الآية المباركة على ذلك إذ كيف يمكن تطبيق الآية المباركة على هذه الشبهات التي تكون منجزة في نفسها من جهة احتمال التكليف فيها أما من جهة أنها قبل الفحص أو من جهة انها مقرونة بالعلم الاجمالي فإن في صدر الاسلام النافرين بعد تفقههم وتعلمهم الأحكام الشرعية يرجعون إلى بلدهم ويقوموا بالإنذار وبيان الأحكام الشرعية لهم فكيف يكون قومهم ملتفتين للأحكام الشرعية في الشبهات قبل الفحص والمقرونة بالعلم الاجمالي وهذا في نفسه بعيد بل غير معقول لأنهم لا يعلمون من الأحكام الشرعية إلا في الجملة وأما أن هذه الشبهات مقرونة بالعلم الاجمالي أو أن هذه الشبهات قبل الفحص وان احتمال التكليف فيها منجز فهم غافلون عن ذلك ولا يكونوا ملتفتين إلى هذه الشبهات أصلا بل في عصرنا أيضا كذلك فإن هذه الشبهات مقرونة بالعلم الاجمالي أو أن هذه الشبهات قبل الفحص لا يلتفتون إليها إلا أهل العلم وأما العامي فلا يكون ملتفتا الى هذه الجهات فكيف يمكن حمل الآية المباركة على هذه الشبهات أي الشبهات المقرونة بالعلم الاجمالي والشبهات قبل الفحص. بل الآية المباركة مطلقة وأن وظيفة المنذرين والنافرين بعد التفقه بيان الأحكام الشرعية للناس ولقومهم وإنذارهم بالواجبات والمحرمات وسائر الأحكام الشرعية ولا تختص الآية بالشبهات المقرونة بالعلم الاجمالي ولا بالشبهات قبل الفحص. هذا من جهة.

ومن جهة اخرى ما ذكرناه من أن غاية الواجب اولى بالوجوب هذا إنما هو فيما إذا كانت الغاية مقدورة لمن يكون مكلفا بذيها إما بالوسطة أو بالمباشرة وإما إذا لم تكن الغاية مقدورة له بل الغاية فعل شخص آخر ومن الواضح ان فعل شخص آخر خارج عن قدرته فإن زيد لا يقدر على فعل عمرو وبالعكس فمن يكون مكلفا بذي الغاية فالغاية إذا كانت فعل شخص آخر فهي خارجة عن قدرته ولا تنطبق عليه هذه القاعدة. هذا البيان غير صحيح.

فإن ذي الغاية إذا كان واجبا شرعا وسبب وجوبه هو الغاية فإن الغاية هي سبب وجوب ذيها ومنشأ وجوبه وعلة وجوبه ووجوب ذي الغاية كاشف عن ان الغاية محبوبة للشارع وواجبة ومطلوبة له سواء كانت مطلوبة لمن يكون مكلفا بذيها أو مطلوبة لشخص آخر فوجوب ذي الغاية كاشف عن ان الغاية مطلوبة من الله تعالى وواجبة منه تعالى سواء كانت واجبة على من يكون مكلفا بذيها او واجبة على غيره.

نعم انها إذا كانت واجبة على من يكون مكلفا بذيها لا بد أن تكون مقدورة له إما بالواسطة أو بالمباشرة وأما إذا كانت فعل شخص آخر فلا يلزم أن تكون مقدورة له.

وما نحن فيه كذلك فإن علة وجوب إنذار المنذر إذا كان مطلوبية الحذر من المنذرين (بالفتح) فإن مطلوبية التحذر من المنذرين(بالفتح) ووجوب الحذر والخوف من الإدانة والعقوبة إذا كان علة لوجوب الإنذار وسببا لوجوبه وغاية له فوجوب الإنذار كاشف عن أن الحذر مطلوب لله تعالى وواجب عنده غاية الأمر أنه مطلوب من المنذرين (بالفتح) لا أنه مطلوب من المنذرين (بالكسر)

فإذاً ما ذكرناه من الإشكال فهو غير وارد والعمدة أن الآية المباركة لا تدل على وجوب الحذر ولا على وجوده وإنما تدل على الترقب فقط فإن الغاية في الآية المباركة بقرينة كلمة لعل الغاية هي الترقب والرجاء وهذا هو المعنى المتعارف والمستعمل لدى العرف والعقلاء كما هو كذلك في زماننا هذا فإن المبلغ يقوم بتبليغ الأحكام برجاء أنهم قبلوا هذه الأحكام وغاية من هذا التبليغ هو الترقب والرجاء لا القبول الفعلي ولا الحذر الفعلي وهذا واضح إذ وظيفة المبلغ هو التبليغ ووظيفة المنذر هو الإنذار وأما حصول الحذر فعلا منهم أو لم يحصل فهذا ليس وظيفته فإن الغاية من إنذار المنذر هو الترقب والرجاء لا وجود الحذر بالفعل ولا وجوبه بالفعل شيء منهما لا يكون كذلك.

ومن هنا يظهر حال الوجه الثالث وهو انه لو لم يكن الحذر واجبا لكان وجوب الإنذار لغوا وهذا أيضا غير صحيح فإن الغاية لوجوب الإنذار هو الترقب والرجاء لا وجوب الحذر ولا وجوده فإن كلمة لعل تدل على الترقب والرجاء وتدل على ان الغاية من الإنذار هو الترقب والرجاء لا وجوب الحذر ولا وجوده الفعلي في الخارج كما هو الحال في الاستعمالات العرفية فإذا قال أحد: [اشتريت دارا لعلي اسكنها] وبطبيعة الحال أن الغاية من الشراء الترقب والرجاء للسكنى لا أن الغاية منها السكنى الفعلية للفرق بين قولنا: [اشتريت دارا لعلي اسكنها] وبين [اشتريت دارا اسكنها] حيث ان الثاني يدل على ان الغاية السكنى الفعلية وأما الأول فبقرينة كلمة لعل يدل على ان الغاية هي الترقب والرجاء.

هذا تمام كلامنا في هذه النقطة.