37/08/08


تحمیل

الموضوع:- النقطة الثالثة ( مبحث الترتب ) - مبحث الضد.

النقطة الثالثة:- مبحث الترتّب.

المقصود من فكرة الترتّب هو أنه أحياناً يوجد تكليفان متعلّقان بعنوانين ولا ربط لأحد العنوانين بالآخر ولكن من باب الصدفة قد يجتمع التكليفان في وقتٍ واحد ، كالمثال المعروف فإنّ الازالة عنوان غير عنوان الصلاة ولا منافاة بين أن يقول المشرّع صلِّ وبين أن يقول أزِل فإنّ كلّ تكليفٍ هو ثابتٌ لموضوعه ولكن قد يجتمعان اتفاقاً حينما يحين وقت الصلاة ويفترض وجود نجاسةٍ في المسجد فهنا سوف يجتمع التكليفان ، وقد وقع الكلام بين الأصوليين بأنه هل يسقط أحدهما رأساً ، يعني بأن نقول إنَّ الأمر بالصلاة يسقط رأساً مادام النجاسة موجودة فأمر بالإزالة يكون ثابتاً أمّا الأمر بالصلاة فيسقط رأساً وهذا ما ذهب إليه المنكرون لفكرة الترتّب كالشيخ الأعظم والشيخ الخراساني حيث قالوا هو يبقى ساقطاً إلى أن تُزال النجاسة فإذا أزيلت النجاسة فحينذاك يتوجّه الأمر بالصلاة لكن مادام توجد نجاسة فالأمر بالصلاة يكون ساقطاً ولا يكون ثابتاً ، بينما القائلون بفكرة الترتّب يقولون إنّ الأمر بالصلاة يبقى والمفروض في البداية أنّ كلا الأمرين مطلقٌ لأنّ دليل صلِّ لم يقل إن لم تكن هناك نجاسة ودليل أزل لم يقل إن لم يكن وقت الصلاة قد حلّ بل كلاهما مطلق ونحن نثلم إطلاق المهم والمهم هنا هو الصلاة وإنما كانت مهم وليست بأهمّ رغم أنها عمود الدين لأنّه توجد سعة في الوقت فنحن الآن نفترض وجود سعة في الوقت أو لا أقل لها بديل وهو القضاء أمّا الازالة فليس لها بديل فلأجل هذا تصير الصلاة مهم ، فالأمر بالصلاة لا يسقط رأساً بل يسقط إن اشتغل المكلّف بالإزالة فيكون الأمر بالصلاة ساقطاً ، وإذا لم يشتغل بالإزالة يكون ثابتاً يعني صلِّ إن لم تشتغل بالإزالة ، فثبوت صلِّ مقيّد بعدم الاشتغال بالإزالة ، فإذا اشتغل بالإزالة لا توجد فعلّية لأمر صلٍّ ، بخلاف أمر أَزِل فإنه مطلقٌ وثابتٌ على الاطلاق حتى لو اشتغل المكلّف بالصلاة لفرض أنه أهم ، ومادام أهم فسوف يبقى على إطلاقه في مثل ذلك.

هذه حصيلة فكرة الترتّب ، فإذن فكرة الترتّب تعني وجود تكليفين مطلقين كلّ منهما ثابتٌ لموضوعٍ وقد اجتمعا اتفاقاً ففي مثل هذه الحالة لا يقال بسقوط المهم سقوطاً مطلقاً بل مشروطاً بعدم الاشتغال بالأهم.

وماذا تنفع هذه الفكرة ؟

والجواب:- إننا نصحّح بها الصلاة ، فمثل الشيخ الأنصاري(قده) سوف تكون الصلاة عنده وقت وجود النجاسة باطلة أو محلّ إشكال ولا يمكن تصحيحها بالأمر الترتّبي إلا بالملاك والملاك غير محرز ، إلا اللهم يقول مثل صاحب الكفاية(قده) في بعض كلماته حيث قال إنَّ الملاك موجودٌ فإنّّ المانع قد أسقط الأمر ولم يُزِل الملاك ، ولكنّ هذه دعوى لا مثبت لها . فالمقصود أنه بالأمر الترتبي نصحّح المهم وتقع الصلاة صحيحة.

ومن جملة ثمرات هذه المسألة مسألة قضاء الدين كما سيأتي عن المحقّق الكركي(قده) وكما تقدّم ، فإذا كنت مديوناً لشخصٍ وحلّ وقت الدين والدائن يريد أمواله وأنا مشتغل بالصلاة فعلى رأي الشيخ الأنصاري(قده) تكون باطلة أو محلّ إشكال ، أما على رأي القائلين بفكرة الترتّب تكون صحيحة.

وهكذا لو فرض أني رأيت شخصاً على وشك الغرق فتركته وصلّيت فمثل الشيخ الأنصاري(قده) يقول إنّ الصلاة إما باطلة أو محلّ إشكال ، أما على فكرة الترتّب فهو قد عصى ولكن صلاته صحيحة ، فهو تقبل منه الصلاة ولكنه يعاقب على عصيان الأمر بالأهم ، فهو من جهةٍ يقال له إنّ عملك هذا صحيح ومن جهة ثانية يقال له أنت عصيت الأمر بالأهم فحينئذٍ يعاقب.

إذن فكرة الترتّب لها نتائجها وآثارها ، لكن أبقى أأكد أنّ شرط فكرة الترتب هو وجود تكليفين مطلقين.

وبهذا يندفع هذا الإشكال:- وهو أنّه إذا فرض أنّ شخصاً كان يضرّه الماء وكانت وظيفته الانتقال إلى التيمّم ، فإذا فرض أنه توضأ فهنا قال الفقهاء بأنّ صلاته باطلة ، أو أنه كان في ضيق الوقت فتوضأ فهنا قد يحكم ببطلان صلاته ، فلماذا لا نصحّح صلاته بفكرة الأمر الترتّبي فنقول لهذا المكلّف ( تيمم فإن عصيت ولم تشتغل بالتيمّم فتوضأ وصلِّ أو ائت بالصلاة الوضوئية ) فيصير الأمر الترتّبي موجوداً ، فلماذا لا نطبّق فكرة الأمر الترتّبي في هذا المورد ؟

والجواب:- إنه يوجد في حقّ المكلّف أمرٌ واحدٌ ولا يوجد أمران ، فأنت إما أن تكون قادراً على الصلاة الوضوئية أو ليس بقادرٍ عليها - والمقصود من القدرة في الآية الكريمة التي تقول ﴿ فلم تجدوا ﴾[1] والمقصود من الوجود وعدم الوجود هو القدرة بالمعنى الوسيع وأنت يضرّك الماء فلست بقادر - ، فإن لم تكن قادراً فالأمر فالموجود هو الأمر بالتيمّم ولا يوجد أمرٌ بالوضوء ، وإن كنت قادراً فيوجد أمرٌ واحدٌ وهو أمرٌ بالصلاة الوضوئية ولا يوجد أمرٌ بالتيمم ، إذن لم يمرّ عليك آنٌ وقد اجتمع كلا الأمرين حتى نقول لنجعل هذا مترتّباً على عدم الاشتغال بذاك كما في الصلاة والازالة فإنه هناك يوجد أمران لأنه توجد نجاسة في المسجد فأمر أزِل موجود وكذلك دخل وقت الصلاة فأمرٌ بالصلاة موجودٌ فكلا الأمرين ثابتٌ بدليله فتأتي حينئذٍ فكرة الترتّب فنقيّد المهم بعدم الاشتغال بالأهم ، أما هنا فأصلاً لا توجد لحظة تمرّ ويوجد فيها أمران بل الثابت هو أمرٌ واحدٌ ، فلا يوجد أمران كي يقيّد أحدهما بعدم الاشتغال بالآخر.

وهكذا أقول لو فرض أن أحد الحكمين هو الإجماع - أي دليل لبّي - فأيضاً لا تأتي فكرة الترتب لأنّه إذا كان المدرك هو الاجماع فالقدر المتيقّن منه عادةً هو حالة عدم المزاحمة بالآخر ، فحالة المزاحمة أصلاً هي أمرٌ ليس موجوداً في البين لأنّ الاجماع ليس بثابتٍ على وجود الأمر بشكلٍ مطلق ، يعني لو فرضنا أنّ مدرك وجوب إزالة النجاسة عن المسجد هو الاجماع ولا يوجد عندنا دليل لفظي فالقدر المتيقّن من الاجماع هو حالة عدم المزاحمة بالصلاة أمّا حالة المزاحمة بالصلاة نقول لا يوجد إجماعٌ على وجوب الإزالة فيكون عندنا الأمر بالصلاة فقط . إذن يلزم أن نفترض أنّ مدرك كلا التكليفين هو مدركٌ لفظيٌّ حتى ينعقد له إطلاقٌ لحالة وجود الآخر وعدمه ، وهذه نكتة يلزم الالتفات إليها.

وعلى أيّ حال لعلّ أوّل من التفت إلى فكرة الترتّب هو جامع المقاصد في العبارة التي أشرنا إليها فيما سبق في مسألة من عليه دين وحلّ وقت الدين ويتمكن أن يؤديه ولكن حلّ وقت الصلاة وأراد أن يشتغل بالصلاة ثم بعد ذلك يذهب ويدفع الدين إلى صاحبه ، فإذا أنكرنا فكرة الترتّب فسوف تقع الصلاة باطله وهو(قده) يصحّحها ، فهو أوّل من التفت إلى ذلك حيث ذكر(قده) أنّ العلامة في القواعد حكم بالبطلان ووجّه المحقّق الثاني البطلان بأنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه ، ثم ردّ على العلامة بأنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه العام دون الخاص كالصلاة ، ثم أشكل على نفسه بأنّ لازم بقاء طلب قضاء الدين وطلب الصلاة التكليف بما لا يطاق ، واجاب بما نصّه:- ( قلنا لا نسلّم لزوم تكليف ما لا يطاق إذ لا يمتنع أن يقول الشارع أوجبت عليك كلا الأمرين لكن أحدهما مضيّق والآخر موسع فإن قدّمت المضيّق فقد امتثلت وسلمت من الإثم وإن قدّمت الموسّع فقد امتثلت وأثمت في المخالفة في التقديم )[2] ، فهو(قده) أشار إلى روح فكرة الترتّب ولكنه لم يوضّحها.

وجاء بعده الشيخ جعفر كاشف الغطاء(قده) حث نقل الشيخ الأعظم(قده)[3] عنه أنه يقول بفكرة الترتّب.

وجاء الدور بعد ذلك إلى السيد محمد حسن الشيرازي(قده) الذي نقل عنه صاحب الكفاية(قده) في كفايته ( أنا كنّا نورد عليه حينما كان بصدد تشييد أركان فكرة الترتّب ) بأنّ المكلّف سوف يعاقب بعقابين – أي إنّ الذي لا يفعل الصلاة ولا الازالة لازمه أن يعاقب بعقابين - وكيف يعاقب بعقابين على شيئين لا يمكن الجمع بينهما ؟!!

وجاء الدور بعده إلى السيد محمد الفشاركي اليزدي(قده) أستاذ الشيخ النائيني(قده) ، ويقال إنّ له اليد الطولى في هذا المجال.

ثم وصلت النوبة إلى الشيخ النائيني(قده) فأبدع في هذا المجال ولم يبق أشكالاً على فكرة الترتب ، ولكنه ابتلى بداء التطويل حيث ذكر خمس مقدّمات لإثبات إمكان فكرة الترتّب ولكنه أخذ يتكلّم كثيراً وطوّل في ذلك فهو ذكر بما يقارب أربعين صفحة وهذه طريقة متعبة.

وفي المقابل لذلك العلمان حيث قالا إنّ فكرة الترتّب باطلة؛ إذ يلزم من ذلك التكليف بالضدّين ، فحين عصيان الأهم - يعني الإزالة - سوف يتوجّه أمران وهما أزِل وصلِّ لأنهما مطلقان وكيف يكون هذا فإنه مستحيل ؟!! والشيخ الأنصاري(قده) صرح في الرسائل[4] وقال هو ممتنع ، وصاحب الكفاية أيضاً قال هو ممتنع[5] .

دليل إمكان فكرة الترتّب:-

ونبيّن ذلك بشكلٍ مختصرٍ فنقول:- إنّ المانع الذي يتصوّر من إمكان فكرة الترتّب أحد أمورٍ ثلاثة:-

الأوّل:- أن نقول إذا لم يشتغل المكلف بالإزالة فسوف يتوجه إليه أمران أمرٌ بالإزالة لأنه مطلقٌ وأمر بالصلاة لأنّ الصلاة مشروطة بعدم الاشتغال بالإزالة والمفروض أني لم أشتغل بالإزالة ، فتوجه إليّ كلا الأمرين أحدهما يقول أزِل والثاني يقول صلِّ وهذا أمرٌ بالضديّن.

وجوابه واضح:- فإن الأمر بالضدّين ليس مستحيلاً مادام لا يؤدي إلى طلب الجمع بين الضدّين ، فإذا أدى إلى طلب الجمع بين الضدّين فهذا مستحيل ، أمّا مجرد أمر بالضدّين من دون طلب الجمع فحينئذٍ لا يلزم من ذلك محذور ، وهنا نقول:- صحيحٌ أنه يوجد هنا أمران أمرٌ بالإزالة وأمرٌ بالصلاة ولكنه لا يوجد طلبٌ للجمع بينهما كما سنوضح في المحذور الثاني.

الثاني:- أن نقول:- إنّ اجتماع هذين الأمرين يؤدي إلى طلب الجمع بين الضدّين لا أنه يلزم وجود أمرين في زمانٍ واحدٍ فقط ، كلا بل يلزم وجود أمرين مع وجود إضافة وهي طلب الجمع بين الضدّين وهذا شيءٌ مستحيل.