37/08/08


تحمیل

 

الموضوع: الأصول العمليّة / شرائط جريان الأصول العملية/ قاعدة لا ضرر

في الدرس السابق ذكرنا أنه قد يقال في مقام تقريب الوجه الأول من الوجوه الثلاثة الأخيرة الذي يؤدي إلى الالتزام بما ذهب إليه الشيخ الأنصاري(قدّس سرّه) والمحقق النائيني(قدّس سرّه) وكان تقريبه على أساس الكناية، قد يقال في مقام تقريب هذا الوجه أنّه وجه عرفي كنائي متعارف وليس معلوماً أنّ المخالفة فيه للظهور هي أشد من المخالفة الموجودة في سائر الوجوه؛ فحينئذٍ يُلتزم به والقرينة عليه هي القرينة المتقدّمة وهي أنّ الأضرار التكوينية موجودة في الخارج والكلام صادر من الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بما هو مقنن ومشرّع. هذان الأمران يقتضيان الالتزام بأنّ المراد الجدّي للمتكلّم ليس هو نفي الضرر التكويني، وإنّما المراد الجدّي له هو نفي مقتضي الضرر التكويني، فبالتالي يكون معنى الحديث هو نفي الأحكام الضررية، وهو رأي الشيخ الأنصاري(قدّس سرّه) والمحقق النائيني(قدّس سرّه).

لكن أشرنا في الدرس السابق إلى أنّه قد يمكن التأمّل في هذا الكلام، وادعاء أنّ نفس هذه القرينة لا تعيّن هذا الوجه؛ وذلك لأنّ هذه القرينة تنسجم معه ومع الوجوه الأخرى، هذه القرينة لوحدها لا تعيّن الحمل على الكناية والحمل على أنّ المقصود هو نفي المقتضي للضرر التكويني حتى يكون مفاده هو نفي الأحكام الضررية، وإنما هي تنسجم مع الوجه الأخير، وتنسجم مع الوجه الثالث؛ بل قد يقال أنّ هذه القرينة هي أكثر انسجاماً مع الوجه الثالث منها مع الوجه الأول، يعني الحمل على المعنى الكنائي، والسر في هذا هو أنّ غاية ما يثبت بالقرينة هو أنّ المتكلم عندما ينفي الصرر هو ليس ناظراً إلى الأضرار التكوينية الغير المرتبطة به، إذا ضممنا هذا إلى الظهور الأول الذي كررناه مراراً وهو نفي الضرر التكويني، ورفع اليد عن هذا الظهور بلا موجب، إلاّ بقرينة، وهذا معناه أنه ناظر إلى الضرر التكويني المرتبط به وهو معنى الوجه الثالث الذي يقول نحمل الحديث على نفي الضرر التكويني الناشئ من الشريعة، يعني نفي الضرر التكويني المرتبط بالشارع، فهذه القرينة هي أكثر انسجاماً مع الوجه الثالث، وعلى ضوء هذه القرينة إذا كان الكلام عن القرائن، هذه القرينة تعيّن الوجه الثالث وتجعله هو الأقرب من جميع الوجوه السابقة، فيكون مفاد الحديث بناءً على هذا هو نفي الضرر التكويني الناشئ من الشريعة، وأي ضرر تكويني يقع في الخارج هو ليس ناشئاً من الشريعة حتى إذا فرضنا أنّ المكلف عصى وارتكب، فهذا الضرر لم ينشأ من الشريعة، وإنّما هو عصى التكليف. نعم، قلنا أنّ لازم هذا الكلام هو نفي الحكم المسبب للضرر؛ لأنّه مع وجود الحكم المسبب للضرر معناه أنّ الضرر التكويني الحاصل في الخارج ناشئ من الحكم الشرعي، والمفروض أنّ الحديث ينفي وجود ضرر خارجي ينشأ من الشريعة، فإذن: لازمه أن نقول بعدم وجود حكم يستلزم إيقاع المكلّف في الضرر، فكل حكمٍ يكون سبباً للضرر يكون منفياً، وهذا بخلاف الوجه السابق الذي قربناه الذي هو الحمل على الكنايات، حيث أنّ ذاك الوجه فيه مشكلة إلغاء الظهور الذي حافظنا عليه في الوجه الثالث وهو ظهور أنّ لا ضرر لها ظهور في نفي الضرر الخارجي، لكن الضرر الخارجي المنفي هو الضرر الخارجي الناشئ من بالشريعة، بينما الوجه الذي يقول بالحمل على الكنايات يقول: أصلاً ليس المقصود هو نفي الضرر الخارجي، هذا مقصود استعمالي، والمقصود الحقيقي هو نفي مقتضيه، يعني نفي الحكم المسبب للضرر، فمعناه أنّه بلحاظ المدلول الجدّي والمدلول التصديقي لم نحافظ على هذا الظهور الذي هو أنّ المقصود هو نفي الضرر الخارجي، فكأنّ هذا إلغاء لهذا الظهور، أنّ لا ضرر حتى على مستوى المدلول التصديقي التفهيمي ظاهرة في نفي الضرر الخارجي، بينما حافظنا على هذا الظهور بالاحتمال الثالث، هي في مقام نفي الضرر الخارجي، لكن ليس كل ضرر خارجي، وإنما الضرر الخارجي المرتبط بالشريعة. ومن هنا يكون هذا الاحتمال أقرب من الاحتمال السابق.

نعم، يبقى شيء واحد وهو أنه قد يقال: إذا قبلنا النكتة التي اعتُمد عليها لإثبات الوجه الثاني، والتي كانت هي أنّ الضرر معنى اسم مصدري يشير إلى النقص النازل بالمتضرر، وهذا عادة أمر مرغوبٌ عنه لا يكاد يصدر من المكلّف إلاّ بتحميلٍ من قبل الشارع، فيكون نفي الضرر ظاهراً في نفي التحميل الشرعي، وعلى أساس هذه النكتة ثبّت رأي الشيخ الأنصاري(قدّس سرّه) ورأي المحقق النائيني(قدّس سرّه) وهو أنّ الحديث ظاهر في نفي الحكم الضرري اعتماداً على نكتةٍ، وهي أنّ الضرر غير الضرار، الضرار والإضرار يصدر من الإنسان ولو لا بتحميل من قبل الشارع، نتيجة قوة غضبية أو شهوية يضر الإنسان بغيره، فيصدر الضرر من الإنسان حتى بقطع النظر عن التحميل الشرعي، لكن الضرر ليس هو إنزال الضرر بالغير، وإنّما الضرر نازل بنفس المتضرر، هذا لا يكاد يقدم عليه المتضرر إلا بتحميل من قبل الشارع، فنفيه من قبل الشارع يكون ظاهراً في نفي التحميل الشرعي، يعني نفي الحكم المسبب للضرر، فيرجع إلى ما قاله الشيخ الأنصاري(قدّس سرّه) والمحقق النائيني(قدّس سرّه)، لكن بهذه النكتة.

قد يقال: أنّ هذه النكتة إذا قبلناها؛ حينئذٍ تكون قرينة على إرادة نفي الحكم الضرري لا نفي الضرر التكويني الناشئ من قِبل الشريعة، يعني تعيّن الاحتمال الذي ذهاب إليه المعظم في قبال الاحتمال الأخير الذي هو نفي الضرر الخارجي الناشئ من الشريعة؛ لأنّ هذه النكتة تقول أنّ الضرر أمر مرغوب عنه لا يقدم عليه المكلّف إلا بتحميل من الشارع، فيكون نفيه من قبل الشارع ظاهراً في نفي التحميل، ونفي التحميل معناه نفي الحكم الضرري. وبهذا يكون هذا الاحتمال أرجح من الاحتمال الثالث.

لكن يمكن التأمّل في ذلك، باعتبار أنّ كون الضرر أمراً مرغوب عنه لا ينافي الوجه الثالث، بمعنى أنّ مجرّد كون الضرر أمراً مرغوباً عنه لا يقدم عليه الإنسان بطبعه وعادة، هذا ليس قرينة على رفع اليد عن ظهور النفي في الحديث في كونه نفياً للضرر التكويني، وهذا الظهور هو المُرتكز عليه لترجيح الاحتمال الثالث، أنّ لا ضرر له ظهور في نفي الضرر التكويني، وهذه القرينة لا تنافي هذا الظهور، يمكن الجمع بينهما، نلتزم بهذا الظهور ونقول أنّ النفي نفي للضرر التكويني مع كون الضرر أمراً مرغوب عنه، وليس هناك ـــــ بحسب الفرض ــــــ قرينة أخرى تعيّن هذا الاحتمال؛ فحينئذٍ لابدّ من المحافظة على هذا الظهور، يعني لا موجب لرفع اليد عن هذا الظهور، فيبقى هذا الظهور على حاله وهو أنّ الحديث ظاهر في نفي الضرر التكويني، هذا لابدّ من المحافظ عليه، لا نقول بأنّ المقصود هو نفي الضرر التكويني، وإنما المقصود هو نفي الضرر الخارجي مع كون الضرر أمراً مرغوب عنه، وكون الضرر أمراً مرغوب عنه ليس قرينة على نفي هذا الظهور، فلابدّ من المحافظة على هذا الظهور، إذا حافظنا على هذا الظهور بالرغم كون الضرر أمراً مرغوب عنه، الحديث ناظر إلى نفي الضرر التكويني الخارجي، فتأتي القرينة المتقدمة التي تقول أنّ الأضرار التكوينية موجودة في الخارج، والمتكلّم يتكلّم بما هو مشرّع ومقنن، وهذه القرينة تقتضي أنّ الحديث وإن كان ينفي الضرر التكويني الخارجي، لكنّه ليس كل ضرر خارجي هو ينفيه، وإنّما هو ينفي الضرر الخارجي الغير المرتبط به؛ لأنّ الأضرار المرتبطة به كثيرة الموجودة في الخارج. كما أنّ الحديث صدر من المتكلّم بما هو مقنن ومشرّع. إذن: هو ينفي الأضرار الخارجية المرتبطة به، فلا ضرر في الخارج ينشأ من الشريعة، وهذا هو ما يقوله الاحتمال الثالث، وهذا نشأ من المحافظة على هذا الظهور. كون الضرر أمراً مرغوب عنه ليس قرينة على رفع اليد عن هذا الظهور، فإذا لم يكن قرينة على رفع اليد عن هذا الظهور وليس هناك قرينة أخرى أيضاً توجب رفع اليد عن هذا الظهور، فإذن: المحافظة على هذا الظهور لابدّ منه، فقط تبقى مسألة تقييد الضرر التكويني الخارجي المنفي بما إذا كان ناشئاً من الشريعة، وهذه القرينة السابقة تدل عليه، وكون الكلام صدر من المتكلّم بما هو مشرّع ووجود الأضرار التكوينية الخارجية الغير ناشئة من الشريعة.

أمّا الوجه الرابع والأخير الذي ذكرناه في الدرس السابق، ففيه عدّة ملاحظات، الأدلة الثلاثة التي ذكرناها في الدرس السابق كلها يمكن التأمل فيها، بالنسبة إلى الوجه الأول المشكلة في الوجه الأول أنه اعتمد على روايات العامّة، قال في روايات العامّة عُبّر بقضى رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلم) بلا ضرر ولا ضرار، وقال أنّ هذا يناسب أن يكون الحكم المقضي به هو حكم ولائي، أو سلطاني؛ لأنّ(قضى) ظاهرة في هذا، أو على الأقل ليس لها ظهور في أنه حكم إلهي، وأنّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلم) بلغه، وهو واسطة في التبليغ، وليس في رواياتنا أنّه قضى رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلم) بلا ضرر ولا ضرار، وإنما هي موجودة في روايات العامّة، قضى بكذا وقضى كذا .....وواحدة منها أنّه قضى بلا ضرر ولا ضرار، روايات غير تامة سنداً ولا يمكن الاعتماد عليها لإثبات هذا الرأي.

مضافاً إلى أنّ التعبير بـــ(قضى) عن أحكام إلهية لعلّه كثير، (قضى) يُعبّر به عن أحكام إلهية، ولعل الباحث يعثر على الكثير من الموارد التي عُبّر عن الحكم الإلهي بقضى رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلم)، أو قضى أمير المؤمنين(عليه السلام)، يعني أنّ فيها معنى يتسع حتى للأحكام الإلهية ولا يختص بخصوص الأحكام الولائية.

وأمّا الدليل الثاني الذي ذكره، والذي كان حاصله تطبيق كبرى لا ضرر ولا ضرار على قضاء رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلم) بقلع النخلة يناسب أن تكون الكبرى أيضاً ولائية وحكم سلطاني ولا يناسب أن تكون الكبرى إلهية وحكم إلهي، الصغرى قضاء أمر بقلع النخلة، المناسب أن تكون الكبرى لهذا التطبيق أيضاً حكماً قضائياً، أنّ المناسب أن تكون الكبرى حكماً سلطانياً ولائياً لا حكماً إلهياً.

ما يلاحظ على هذا الكلام، هو أنّ تعليل الحكم القضائي بحكم آخر ليس دليلاً على أنّ الحكم الآخر لابدّ أن يكون قضائياً، حكم ولائي يعلل بحكمٍ آخر، حكم قضائي يُعلل بحكم آخر، هذا ليس قرينة على أنّ الحكم الآخر لابدّ أن يكون قضائياً، ما أكثر الأحكام القضائية في باب القضاء والمنازعات التي تعلل بأحكام إلهية، دور رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلم) بالنسبة له دور المبلغ وليس دور الصادرة منه بما هو ولي للمسلمين، فرضاً في باب القضاء قد يستند الحكم القضائي إلى الإقرار، وقد يستند إلى قاعدة أنّ اليد إمارة على الملكية، وقد يستند إلى الاستصحاب في بعض الأحيان، الأحكام القضائية في أغلب الأحيان إلى الأحكام الإلهية، مجرّد أنّ هذا حكم قضائي عُلل بحكم، فهذا الحكم الذي بمنزلة العلة لابدّ أيضاً أن يكون مثله، حكماً قضائياً لا إلهياً، هذا ليس قرينة على هذا؛ لأنّ الأحكام القضائية كثيراً ما تعلل بإحكام إلهية. هذا أولاً.

ثانياً: ما ذكره من عدم وجود نزاع بين سمرة وبين الأنصاري في مالٍ أو حقٍ، وإنّما القضية هي أنه ليس هناك شبهة حكمية أي أنه ليس هناك نزاع في حكم، وكذلك ليس هناك نزاع في شبهة موضوعية، وإنّما غايته أنّ الأنصاري جاء واستنجد برسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلم) لمنع الظلم عنه، ومن وظيفة النبي(صلّى الله عليه وآله وسلم) باعتباره حاكماً وولياً لأمر المسلمين أن يمنع من وقوع الظلم، فالقضية لا علاقة لها بالأحكام الإلهية. يمكن استفادة كون النزاع بين سمرة وبين الأنصاري في الحكم، وكأنّ الشبهة شبهة حكمية، يمكن استفادة ذلك من الروايات التي تتحدث عن هذه القضية، وهي الروايات الواردة من طرقنا وليس من طرق العامّة، هي ظاهرة في وجود نزاع بين سمرة وبين الأنصاري، الروايات تقول أنّ سمرة مصرّ على أنّه من حقّه أن يدخل إلى عذقه بلا استئذان، ويتعجب ويقول: (أستأذن للدخول على ملكي) فكان يرى أنّ له هذا الحق، الأنصاري يرى أنّه ليس له هذا الحق، فهذا نزاع في حكم شرعي حول ثبوت هذا الحق وعدم ثبوته، وليكن ما قاله الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) هو لحل هذه الشبهة الحكمية، فيكون حكماً إلهياً لحل شبهةٍ حكمية، فنستطيع أن نصوّر النزاع؛ بل ظاهر الرواية التي تتحدث عن هذه القضية هو وجود نزاع في حكم في ثبوت الحق لسمرة في الدخول إلى عذقه بلا استئذان، أو عدم ثبوته، أحدهما يقول له الحق والثاني يقول ليس له الحق، فهذا النزاع في حكم يمكن تصوّره في محل الكلام.

أمّا الأمر الثالث الذي هو المهم في المقام، وكان هو عبارة عن أنّ تطبيق الحديث لا ضرر ولا ضرر على الأمر بقلع الشجرة لا يصح إلاّ إذا قلنا أنّ المراد بالحديث هو الحكم الولائي السلطاني، وأمّا إذا كان المقصود به هو النهي عن الضرر والضرار كما يقول شيخ الشريعة(قدّس سرّه)، أو كان المقصود به هو نفي الأحكام الضررية، فالتطبيق لا يكون صحيحاً؛ لأنّ الحديث إذا فُسّر بالنهي الإلهي عن الضرر والضرار لا ينتج الأمر بقلع النخلة، وهكذا إذا فسّرناه بنفي الأحكام الضررية، لا يكون سبباً للأمر بقلع النخلة، وكما ذكرنا أنّ قلع النخلة هو إضرار بالغير، و الأمر بقلع النخلة حكم ضرري، فلا يصح أن يُعلل الأمر بقلع النخلة بلا ضرر ولا ضرار إذا اريد من لا ضرر ولا ضرار ما قالوه من أنّه في مقام النهي الإلهي عن الضرر والضرار، أو أنها تدل على نفي الأحكام الضررية. هذا الإشكال أثاره الشيخ الأنصاري(قدّس سرّه)، وهو أيضاً متوقف في كيفية تطبيق قاعدة لا ضرر وتعليلها للأمر بقلع النخلة، يقول هذا التعليل ليس واضحاً. الشيخ الأنصاري(قدّس سرّه) تجاوز هذا الإشكال وقال أننا لا نفهم التطبيق وهذا ليس مشكلة، لكن هذا لا يمنع من الأخذ بالقاعدة الكلية التي هي لا ضرر ولا ضرار، نحن نفسّر لا ضرر ولا ضرار كما نفهمه، وهو يفسّرها بنفي الأحكام الضررية، لكن تطبيقها كيف انتج الأمر بقلع النخلة ؟ يقول هذا لا نفهمه، ولكنّ هذا لا يشكّل مشكلة. يقول: إنّ هذا الإشكال لا يمكن رفع اليد عنه إلاّ إذا التزمنا بأنّ مفاد الرواية هو حكم سلطاني، الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) حكم من باب الولاية بلا ضرر ولا ضرار. إذا فسّرناها هكذا؛ فحينئذٍ نستطيع أن نفسّر الأمر بقلع النخلة ويكون على القاعدة، أي من باب الولاية، فهو مسئول عن منع الضرر والضرار، وعن منع الظلم، وأن لا يعتدي أحد على أحد، فحتى يقطع مادة الفساد أساساً يأمر بقطع النخلة منعاً للضرار والإضرار من باب الولاية والسلطنة.

أمّا إذا قلنا أنّ المقصود بها هو تحريم الضرر والضرار تحريماً إلهيا، فيقول أنّ هذا لا علاقة له بالأمر بقلع النخلة، أيضاً هو يقول لسمرة الضرر حرام والإضرار بالغير حرام حرمة إلهية، لكن هذا لا ينتج الأمر بقلع النخلة، وإنّما يحتاج إلى تعليل آخر، خصوصاً إذا التفتنا إلى أنّ الضرر النازل بالأنصاري ليس ناشئاً من بقاء النخلة في مكانها، نفس بقاء النخلة في مكانها لا يلحق الضرر بالأنصاري، وإنّما الذي يلحق الضرر بالأنصاري هو دخول سمرة إلى عذقه بلا استئذان، وإلاّ تفس بقاء النخلة في مكانها ليس فيه ضرر، لا معنى لأن نقول لا ضرر ولا ضرار ينهى عن الضرر والضرار، فبالتالي يأمر بقلع النخلة، والحال أنّ بقاء النخلة ليس فيه ضرر على الأنصاري. أو نقول أنّ الحديث في مقام نفي الأحكام الضررية، هذا أيضاً لا ينتج الأمر بقلع النخلة، جواز بقاء النخلة في مكانها ليس حكماً ضررياً حتى يأتي لا ضرر يدفع هذا الجواز، وبالتالي يجوّز قلع النخلة. ليس حكماً ضررياً؛ لأنّ الضرر لا ينشأ من بقاء النخلة في مكانها، وإنّما ينشأ من شيءٍ آخر.

إذن: هذا الحديث إذا فُسّر بالتفسيرات الأخرى يقول لا يكاد يصح أن يُجعل علّة للأمر بقلع النخلة، بينما على ما اخترناه يصح هذا التعليل. هذا هو الدليل الثالث.

التأمل في هذا الدليل هو أنه لو فرضنا أننا حملنا النهي في الحديث الشريف ــــــ لأنّه يلتزم بأنّ مفاد لا ضرر هو النهي، لكنه يقول النهي ليس نهياً إلهيا، وإنمّا هو نهي ولائي ـــــــ على كونه حكماً ولائياً، هذا أيضاً لا يبرر الأمر بقلع النخلة في مقابل النهي الإلهي، يقول إذا قلنا أنّ مفاد الحديث هو النهي الإلهي، فهذا لا يبرر الأمر بقلع النخلة، لكن إذا قلنا أنّ مفاده هو النهي الولائي فأنه يبرر الأمر بقلع النخلة.

الجواب هو: هذا لا يبرره أيضاً؛ لعدم الفرق بينهما من هذه الجهة، فكلاهما يقولان بالنهي، لكن ما هو مصدر النهي ؟ هل هو الله(سبحانه وتعالى) في الأحكام الإلهية، أو الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في الأحكام الولائية ؟ الظاهر عدم الفرق بينهما من هذه الجهة. النهي الإلهي إذا كان لا يبرر الأمر بقلع النخلة لكونه إضراراً بالغير، النهي الولائي أيضاً لا يبرر الأمر بقلع النخلة لكونه أيضاً إضراراً بالغير.

وبعبارةٍ أخرى: إنّ الحديث إذا كان منطبقاً على هذا المورد ويصح تعليل المورد (الأمر بقلع النخلة) به، فهو صحيح ومنطبق على مورده سواء قلنا بأنّ النهي نهي إلهي، أو قلنا بأنّه نهي ولائي، وإذا كان لا ينطبق، فهو أيضاً لا ينطبق، سواء كان النهي إلهياً، أو كان النهي ولائياً، اختلاف جهة صدور النهي، إن كانت جهة صدوره هو الله(سبحانه وتعالى) لا يصح تطبيقه على هذا المورد، لكن إن كانت جهة الصدور هو الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) يصح تطبيقه على هذا المورد، هذا الاختلاف لا يكاد يكون موجباً للفرق بينهما من هذه الجهة. كلٌ منهما نهي صدر من هذا أو صدر من هذا؛ فحينئذٍ إمّا أن ينطبق على مورده، أو لا ؟ إن كان ينطبق، فكل منهما ينطبق، وإن كان لا ينطبق، فكل منهما لا ينطبق، ليس هناك فرق بين النهي الإلهي وبين النهي الولائي بهذا المعنى، بمعنى أنه يجوز قلع النخلة بحيث يأمر بقلع النخلة، النهي الإلهي لا يبرره كما يقول، وكذلك النهي الولائي أيضاً لا يبرره.