37/12/03


تحمیل

آیةالله الشيخ محمداسحاق الفیاض

بحث الأصول

37/12/03

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الموضوع: أدلة حجية خبر الواحد ـــ السنة.

كان كلامنا في الاستدلال بالسنة على حجية خبر الواحد، وذكرنا أنه لا يمكن الاستدلال بخبر الواحد على حجيته لأنه غير معقول.

وأما إذا كان الخبر متواترا اجمالا فإذا كانت الأخبار الاجمالية عبارة عن أصناف متعددة وفيها صنف أخص من سائر الأصناف وواجد لتمام خصوصيات سائر الأصناف زائدا على خصوصيته ففي مثل ذلك نعلم أن هذا الصنف قد صدر من المعصوم(ع) إما بلفظه أو بمضمونه فعندئذ يمكن الاستدلال به على حجية خبر الواحد.

ولكن هذا الاستدلال بهذا النحو يتوقف على تمامية مقدمات:

المقدمة الأولى: أن تكون الأخبار متواترة إجمالا.

المقدمة الثانية: ان تكون الروايات التي استدل بها على حجية أخبار الآحاد تامة دلالة.

المقدمة الثالثة: ان تكون النسبة بين أصناف الروايات المتواترة عموما وخصوصا مطلقا لا عموما وخصوص من وجه ولا بنحو التباين، لأن الأخص مطلقا واجد لصفات جميع الأصناف وخصوصياتها فكل صنف صدر من الإمام(ع) فالصنف الأخص واجد لخصوصيته ومضمونه فعندئذ نعلم إجمالا أن الأخص قد صدر من المعصوم(ع) إما بلفظه أو بمضمونه.

وعلى هذا: فما ذكرناه من الأصناف للروايات التي المتواترة إجمالا نعلم بأن الصنف الرابع وهو الرواية التي كان راويها عدلا إماميا قد صدر من المعصوم(ع) إما بلفظه او بمضمونه فعندئذ يمكن الاستدلال به على حجية خبر الواحد لأنه ليس من قبيل الاستدلال على حجية خبر الواحد بخبر الواحد بل من قبيل الاستدلال على حجية خبر الواحد بخبر مقطوع الصدور إما مضمونا أو لفظا.

ثم أنه إذا كانت بين أفراد هذه الأصناف رواية تدل على حجية خبر الثقة فعندئذ تثبت حجية خبر الثقة وإن لم يكن إماميا بل إذا كان ثقة ولم يكذب فتكون روايته حجة وإن كان فاسقا.

فإذا وجد في أفراد الرواية التي يكون راويها عدلا فرد يدل على حجية خبر الثقة ثبتت حجيتها وإن لم يكن الثقة إماميا ولا عدلا بهذا الطريق.

والمقدمات التي ذكرت بحاجة إلى إثبات تماميتها.

اما المقدمة الأولى: فالروايات المتواترة على أقسام:

القسم الأول: التواتر اللفظي. بأن يكون شخص اللفظ الصادر من المعصوم(ع) قد وصل إلينا بطرق قطعية في جميع الطبقات بتمام خصوصياته وألفاظه كماً وكيفاً بدون أي زيادة، وهذا النوع من التواتر قليل جدا وشاذ في جميع الروايات التي استدل بها على المسائل الفقهية، بل معدوم. نعم توجد هذه الروايات في العقائد كحديث الثقلين وحديث من كنت مولاه وما شاكل ذلك، واما الروايات المتكفلة للأحكام الشرعية فالتواتر اللفظي فيها نادر جدا بل معدوم.

القسم الثاني: التواتر المعنوي، ونقصد به أن هذا المعنى قد صدر عن المعصوم(ع) أو هو ممضا من قبله (عليه السلام) ولكن بأي لفظ صدر من المعصوم أو بأي لفظ أمضاه فهو مجهول لدينا فلا ندري صيغة معينة لهذا المعنى فكل ذلك مجهول لدينا ولكن نعلم أن هذا المعنى المشترك بين الروايات قد صدر عن المعصوم أو كان قد أمضاه.

هذا هو التواتر المعنوي.

القسم الثالث: التواتر الإجمالي، وهو على أقسام:

القسم الأول: أن هذه الروايات روايات كثيرة تبلغ من الكثرة حد التواتر الاجمالي ولهذا تكون ذات أصناف متعددة وحينئذ قد تكون النسبة بين أصنافها عموما وخصوصا مطلقا، وقد تكون النسبة التباين وعدم الاشتراك لا في اللفظ ولا في المعنى. وقد تكون النسبة عموم وخصوص من وجه بأن يكون لكل منهما مادة اجتماع ومادة افتراق.

فالتواتر الاجمالي إنما يفيد في المقام إذا كانت النسبة بين أصنافها عموما وخصوصا مطلقا بأن يكون بين الروايات صنف خاص هو أخص الأصناف فيكون واجد لتمام صفات الأصناف الأخرى وشريك مع سائر الأصناف في المضمون ويتميز عنها بخصوصية زائدة، وحينئذ نعلم إجمالا بأن هذا الصنف قد صدر من المعصوم إما بلفظه الخاص أو بمضمونه المخصوص فيجوز الاستدلال به على حجية أخبار الآحاد.

واما النسبة بين الأصناف إذا كانت هي التباين فلا يجوز الاستدلال بها لأننا لا نعلم تفصيلا صدور أي صنف من أصنافها فكل صنف منها مشكوك الصدور ولا اشتراك بينها لا في اللفظ ولا في المضمون فكل صنف مباين لصنف آخر فلا نعلم بصدور أي صنف من الأصناف بالخصوص.

نعم.. نعلم إجمالا بصدور صنف خاص من هذه الأصناف عن المعصوم ولكن كل واحد منها بنفسه وبحده مشكوك الصدور ولهذا لا يمكن الاستدلال بشيء من أصنافه على حجية خبر الواحد لأنه من الاستدلال على حجية خبر الواحد بخبر الواحد وهذا غير معقول.

وكذلك الحال في الصنف الثالث أي فيما إذا كانت النسبة بين الروايات عموما من وجه فإنها وإن اشتركت في مادة الاجتماع إلا أنها افترقت في مادة الافتراق فلا نعلم بصدورها في مادة الاجتماع لاحتمال انها صدرت في مادة الافتراق فقط فمن أجل ذلك لا علم وجداني بصدور بعضها.

نعم نعلم أجمالا بصدور واحد منها من المعصوم(ع) وأما صدور واحد منها معين فليس لنا علم وجداني فكل واحد من هذه الأصناف مشكوك الصدور فلا يمكن الاستدلال بشيء من هذه الأصناف على جية خبر الواحد.

فالنتيجة: ان الأخبار المتواترة إجمالا إذا كانت النسبة بين أصنافها عموما مطلقا يجوز الاستدلال بالأخص منها لأنه قد صدر عن المعصوم يقينا إما مضمونا أو لفظا دون ما إذا كانت النسبة بين أصنافها التباين او العموم من وجه لعدم العلم بصدور بعضها المعين.

هذه هي المقدمة الأولى.

واما المقدمة الثانية: فقد استدل بالروايات الكثيرة على حجية خبر الواحد إلا أن دلالة أكثرها غير تامة، ويمكن تقسيمها إلى مجموعات:

المجموعة الأولى: روايات الترجيح وهي التي تدل على أن الخبرين المتعارضين يمكن ترجيح أحدهما على الآخر بموافقة الكتاب او بمخالفة العامة[1] فإذا فرضنا أن أحد الخبرين المتعارضين موافق للكتاب والآخر مخالف فهذه الروايات تدل على تقديم الموافق على المخالف والأخذ بالموافق وطرح المخالف وان الموافق حجة دون المخالف او إذا كان أحدهما مخالفا للعامة والاخر موافقا لهم فهذه الروايات تدل على حجية الخبر المخالف للعامة فتقدمه على الخبر الموافق للعامة وحمله على التقية، فروايات الترجيح والروايات العلاجية تدل على حجية خبر الواحد بالالتزام لأنها تدل بالمطابقة على الترجيح وبالالتزام على حجية خبر الواحد لأنه لو لم يكن حجة فلا معنى لترجيح أحدهما على الآخر.

ولكن الاستدلال بها غير صحيح لأن الأخبار العلاجية واخبار الترجيح أخبار آحاد وليس أخبار متواترة فلا يمكن الاستدلال بها على حجية أخبار الآحاد لأنه من قبيل الاستدلال على حجية خبر الواحد بخبر الواحد وهو مستحيل.

وأيضا ان هذه الروايات لا تدل على حجية أخبار الآحاد بالالتزام فإن هذه الروايات إنما تدل على حجية أخبار الآحاد بالالتزام إذا كان مفادها ترجيح أحد المتعارضين على الآخر بموافقة الكتاب ومخالفة العامة.

ولكن كما يحتمل ذلك يحتمل أن يكون مفاد هذه الروايات في مقام تمييز الحجة عن غير الحجة وتمييز الخبر الصادق عن الخبر الكاذب مع أن سند كلا الخبرين المتعارضين قطعي ولكن لا نعلم أن احدهما كاذب قطعا إذ لا يتصور التعارض بين الخبرين القطعيين فوقوع التعارض دليل على أن احدهما كاذب والآخر صادق وهذه الروايات في مقام تمييز الصادق عن الكاذب فالروايات الموافقة للكتاب صادقة والرواية المخالفة للكتاب كاذبة والرواية المخالفة للعامة صادقة والرواية الموافقة لهم كاذبة.

وكلا الاحتمالين في هذه الروايات موجود فكما يحتمل أن تكون هذه الروايات في مقام علاج الخبرين المتعارضين كذلك يحتمل أن تكون هذه الروايات في مقام التمييز للخبر الصادق عن الخبر الكاذب، وحينئذ تكون هذه الطائفة من الروايات مجملة فلا يمكن الاستدلال بها على تقدير التسليم انها متواترة سندا ولكنها مجملة دلالة