37/12/23


تحمیل

آیةالله الشيخ محمداسحاق الفیاض

بحث الأصول

37/12/23

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الموضوع: أدلة حجية خبر الواحد ـــــ السيرة

الوجه الثالث: أنّا نعلم وجدانا أن سيرة الأصحاب في زمن الرسول الأكرم(ص) وفي زمن الأئمة(ع) جارية على العمل بأخبار الثقة، والنكتة في ذلك أنه لا يمكن لكل فرد الوصول إلى النبي الأكرم(ص) أو إلى أحد من الأئمة الأطهار(ع) وأخذ الوظائف الدينية منهم مباشرة؛ إذ ليس ذلك ميسورا لكل فرد من الأصحاب الموجودين في المدينة المنورة فضلا عمن كان في البلاد البعيدة، وحينئذ يكون بطبيعة الحال جريان سيرتهم على العمل بأخبار الثقة في ذلك، وهذه هي سيرة المتشرعة الثابتة بين أصحاب الأئمة الأطهار(ع) ونحن نعلم بهذه السيرة وجدانا.

والجواب عن ذلك: ان هذا الوجه وإن كان صحيحاً ولا شبهة فيه؛ لأن ليس لكل فرد من الأفراد الموجودين في المدينة المنورة تيسر الوصول إلى النبي الأكرم(ص) أو أحد الأئمة الأطهار(ع) وأخذ معالم الدين والوظائف الدينية منهم(ع) مباشرة ومن هنا جرت سيرتهم على العمل بأخبار الثقة.

إلا أن هذه السيرة ليست سيرة متشرعية حادثة بين أصحاب الأئمة(ع) بل هذه السيرة سيرة العقلاء الثابتة قبل وجود الشرع والشريعة، وبعد وجود الشرع يعمل الناس بحسب ارتكازاتهم بأخبار الثقة من دون الالتفات إلى أن هذا العمل صحيح شرعا أم لا.

نعم سكوت النبي الأكرم(ص) والأئمة(ع) وعدم منعهم عن العمل بهذه السيرة إمضاء لها فإذا كانت ممضاة من قبل الشرع فهي سيرة شرعية بعد الإمضاء.

والفرق بين سيرة العقلاء وبين سيرة المتشرعة أن سيرة المتشرعة مستندة إلى الشرع وليست لها سابقة وأمر مستحدث ومستند إلى وجود الشرع وأما سيرة العقلاء فهي مستندة على المصالح العامة لدى العقلاء المرتكزة في أذهانهم وموجودة قبل وجود الشرع ولا تكون مستندة إلى الشرع.

هذا هو الفارق بين السيرتين.

وإلى هنا قد تبيّن أنه لا يمكن الاستدلال على حجية خبر الواحد بالسيرة المتشرعة فإن هذه السيرة لا دليل على ثبوتها في زمن الأئمة(ع) والثابت إنما هو سيرة العقلاء.

وينتهي الكلام إلى سيرة العقلاء.

ولا شبهة في أن سيرة العقلاء جارية على العمل بأخبار الثقة في الأحكام المتشرعة الموجودة بين الموالي والعبيد سواء كانوا الموالي من الموالي الحقيقية أم كانوا من الموالي العرفية، وحيث أن هذه السيرة هي عبارة عن عمل العقلاء، ولا يمكن أن يكون عملهم بدون مبرر وسبب ونكتة؛ لأن كل إنسان واعي وعاقل لا يمكن ان يعمل تعبدا وجزافاً وبدون سبب وداع ومبرر، فلا محالة يكون كل فاعل صادر من الإنسان الواعي والعاقل ذا سبب وله مبرر ولا يمكن أن يكون تعبدا وجزافاً، إذ التعبد أنما يتصور في الأحكام الشرعية بين المولى والعبيد، لأن العبد لا بد له من العمل بالأحكام الصادرة من الشرع تعبدا أدرك مصلحتها أو لم يدركها ويعلم ملاكها أو لم يعلم فيجب عليه امتثال أوامر المولى والاجتناب عن نواهيه، فالتعبد إنما يتصور في الأحكام الشرعية بين الموالي والعبيد واما في الأفعال الخارجية التي لا ترتبط بالشرع فلا يمكن صدور عمل من الإنسان الواعي العاقل المختار تعبدا وجزافا بدون أي مبرر، فسيرة العقلاء هي عملهم فلا يمكن أن تكون بدون مبرر وسبب ونكتة تبرر هذه السيرة. هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى الإنسان بحكم علاقته بالآخرين ــــ سواء كانت هذه العلاقة من نوع العلاقة بين الموالي والعبيد (الموالي الحقيقة أو من الموالي العرفية) أم كانت هذه العلاقة من نوع العلاقة بالمجتمع بكافة طبقاته من الطبقات العرضية والطولية ــــ لا يمكن له العمل بالعلم الوجداني في ميادين هذه العلاقات وحينئذ لا يكون له إلا العمل بالأمارات الظنية الكافية في إشباع حاجة الإنسان، وهي أخبار الثقة، وأخبار الثقة لا شبهة في حجيتها في ميادين العلاقات فيما إذا لم يكن المطلوب فيها الوصول إلى الواقع، كما هو الحال في الأحكام الشرعية بين المولى والعبيد، فإن هَمّ العبد في هذه الموارد تحصيل الأمن من الإدانة والعقوبة لا الوصول إلى الواقع، فعمله بخر الثقة من حيث أنه حجة سواء طابق الواقع أم كان مخالفا للواقع باعتبار أن عمله به يوجب له الأمن من الإدانة والعقوبة وإن كان مخالفا للواقع.

واما في موارد علاقته بالمجتمع فيختلف الحال فإن في هذه الموارد قد لا يكون خبر الثقة حجة والناس لا يعملون به وإنما يعملون بالعلم والاطمئنان فقط كما في التاجر فإنه لا يتاجر في شيء إلا بعد حصول الاطمئنان بالنفع وعدم الضرر ولا يكون خبر الثقة حجة إلا إذا أفاد الاطمئنان وحينئذ يكون العمل بالاطمئنان لا بخبر الواحد، لأن معنى حجية خبر الثقة هو العمل به وإن كان لا يفيد الظن بل وأن كان الظن غير المعتبر على خلافه فمع ذلك يكون خبر الثقة حجة ومؤمن من الإدانة والعقوبة.

وكذلك في الأسواق المالية؛ فالتبادلات والتعاملات في هذه الأسواق كلها مبنية على العلم والاطمئنان ولا يعتمد على أخبار الثقة بما هي أخبار الثقة إلا إذا أفادت الاطمئنان.

والنتيجة أن أخبار الثقة في الموضوعات الخارجية وفي علاقة الإنسان بالمجتمع بتمام أصنافه وطبقاته لا يكون حجة.

نعم هو حجة في بعض الموارد في الموضوعات الخارجية، وقد لا يكون حجة وإنما الحجة هو البينة دون خبر الثقة كما في الأعراض.

وكيف ما كان فخبر الثقة إنما يكون حجة في الأحكام الشرعية التي لا يكون المطلوب فيها الوصول إلى الواقع بل تحصيل الأمن من العقوبة والانقياد إلى المولى وطاعته، والانقياد والطاعة يحصلان وإن لم يكن العمل بخبر الثقة مطابق للواقع، وأما فيما كان المطلوب فيه هو الوصول إلى الواقع فقد يكون خبر الثقة حجة وقد لا يكون حجة، والوصول إلى الوقع إما بالعلم الوجداني أو بالاطمئنان والمفروض أن خبر الثقة ليس علما وجدانيا وليس اطمئنانا. نعم قد يفيد الاطمئنان فعندئذ يكون الاطمئنان هو الحجة لا خبر الثقة.

هذا من ناحية ثانية.

ومن ناحية ثالثة ان كل أمارة محفوفة بنقطتين مضعفتين:

النقطة الأولى: احتمال الكذب، أي ان هذه الأمارة كاذبة وليس مطابقة للواقع.

النقطة الثانية: احتمال الخطأ والاشتباه في المخبر.

وفي حال كونها من الثقة فتسقط كلتا النقطتين.

أما النقطة الأولى وهي احتمال كذب الأمارة فهو مدفوع بوثاقة المخبر، لأن المخبر إذا كان ثقة فهو لا يكذب.

وأما النقطة الثانية وهو احتمال الاشتباه والخطأ فهو مدفوع بأصل عقلائي، وهو ان كل فعل صادر عن إنسان عاقل ومختار لا يمكن حمله على أنه صدر اشتباها أو خطأً لأن مقتضى أصالة عدم الخطأ والاشتباه هو عدم خطأه واشتباهه وهو أصل عقلائي ثابت بالسيرة العقلائية الجارية على العمل به.

فيكون خبر الثقة حجة من هذه الناحية لسقوط كلتا النقطتين المضعفتين.

ثم أن سيرة العقلاء سيرة مرتكزة في الأذهان وثابتة في أعماق نفس الإنسان لأنه يعمل بخبر الثقة بدون أي تأمل وتوقف على أي مقدمة خارجية أو نكتة كذلك فإذا علم أن المخبر ثقة فهو يعمل بخبره من دون أي التفات لشيء آخر، وقد ورد في جملة من الروايات ما يؤكد ذلك ففي الوسائل هكذا: (قال : قلت :لا أكاد أصل إليك أسألك عن كلّ ما أحتاج إليه من معالم ديني ، أفيونس بن عبد الرحمن ثقة ، آخذ عنه ما أحتاج إليه من معالم ديني ؟ فقال : نعم. [1] ( فإنه يدل على أن حجية خبر الثقة أمر مفروغ عنه ولهذا يكون السؤال عن وثاقته لا عن حجية خبره، فهذه الروايات تدل على أن حجية خبر الثقة أمر مرتكز بين العقلاء وجارية بين الناس ومستمرة بعد الشرع والشريعة والناس يعملون بها من دون الالتفات إلى أي شيء آخر، فلو كان العمل بخبر الثقة مخالفا للأغراض الشرعية لكان على النبي(ص) والأئمة الأطهار(ع) الردع عن ذلك والمنع منه صراحة بل في كل مناسبة وفي كل اجتماع حتى يذهب هذا الارتكاز من أذهان الناس مع أنه لم يصدر منهم(ع) ردع عن العمل بهذه السيرة.


[1] وسائل الشيعة، الحر العاملي، ج27، ص147، أبواب صفات القاضي، باب11، ح33، ط: آل البيت.