37/12/22


تحمیل

الأستاذ الشيخ باقر الايرواني

بحث الأصول

37/12/22

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع: تتمة التنبيه السادس ، الوجوب التخييري.

ثانياً:- إنّنا لو سلّمنا بقاعدة الواحد لا يصدر إلا من واحد حتى في الواحد النوعي نتمكن أن نقول إنك قلت - يا صاحب الكفاية - إنه حتماً سوف يصبّ المولى الوجوب على ذلك الجامع الواحد الماهوي لأنه هو المحصّل للغرض ، ونحن نقول:- نحن نسلّم أنّ المحصّل للغرض هو الجامع الماهوي الواحد ولكن لا يلزم على المولى أن يصبّ الوجوب على الجامع الماهوي فإنه لا دليل على تقييد المولى بل المولى حرٌّ في ذلك ، وأنت الآن افترض نفسك مولىً فكما تتمكن ويحقّ لك جعل الوجوب على ذلك الجامع الواحد يمكنك أيضاً أن تجعل الوجوب على هذا ، وهذا لا يؤثر على هدفك فأنت بالتالي تريد أن يأتي المكلّف بأحد الأفراد ، فكما أنّ هدفي يتحقّق بصبّ الوجوب على الجامع الماهوي تحقّق بصبّه على الأفراد ، فعلى هذا الفرد إن لم تأت ذاك وبذاك الفرد إن لم تأت بهذا الفرد وهذا أيضاً معقول فالمولى يصل بذلك إلى هدفه.

ثالثاً:- سلّمنا أن المولى يلزم أن يصبّ الوجوب على الجامع الماهوي ولكن هذا يتمّ إذا كان الجامع الماهوي جامعاً يفهمه العرف فإذا كان يفهمه العرف فيمكن صبّ الوجوب عليه ، أما إذا كان ذلك الجامع ليس مهضوماً ومفهوماً ويستوعبه العرف فالمولى حينئذٍ يتعيّن عليه أن لا يصبّ الوجوب على الجامع إذ يلزم أن يصبّه على شيءٍ يستوعبه العرف ويفهمه لا على شيء لا يفهمه العرف.

رابعاً:- إنّ الأفراد ربما تكون من مقولات وماهيات متعدّدة كما هو الحال في خصال الكفّارة فإنه ربما يقال هي من مقولات متعدّدة فأحد الخصال هو الصوم والصوم من مقولة كفّ النفس مثلاً فهو عمل نفساني - كفّ النفس عن المفطرات - بينما الاطعام هو من أفعال الشخص أو النفس فأنا أدفع الطعام أو التصدّق أو عتق رقبة فالعتق أيضاً فعل للنفس ، فإذن الصيام من مقولة الكيف النفساني بينما الاطعام وتحرير الرقبة من مقولة الفعل وليس من مقولة الكيف وحيث إنّ المقولات هي أجناس عالية - وإلا لم تصر أجناساً عالية - لا يوجد جنس فوقها فبالتالي حينئذٍ لا يوجد جامع ماهوي حقيقي بين هذه الأفراد ، فإذا أردنا أن نمشي مشياً دقّياً مثل ما مشي صاحب الكفاية فيلزم أن لا يوجد جامع ماهوي حتى يكون هو المؤثّر في الغرض الواحد وبالتالي حتى يكون هذا الجامع الماهوي هو مصبّ للوجوب ، كلا لا يوجد جامع ماهوي ، بل لا يمكن وهو مستحيل لأنّ الأفراد هنا تدخل تحت أكثر من مقولة ، ومادامت تدخل تحت مقولتين فجامع ماهوي لا يمكن لأنّ الجامع الماهوي بين المقولات إذا المقولات هي من الأجناس العالية يعني لا جنس فوقها فإذا كان يوجد جامع ماهوي يجمعها صار ذلك هو الجنس العالي ولم تصر هي أجناساً عالية.

هذا بالنسبة إلى الفرية الثانية وما يرد عليها من الاشكالات الأربعة وبهذا نختم حديثنا عن الفرضية الثانية مع التعليقات عليها.

الفضية الثالثة:- ما نقله الشيخ النائيني(قده)[1] واختاره السيد الخوئي(قده)[2] وحاصله:- إنّ مرجع الوجوب التخييري إلى وجوب العنوان الانتزاعي يعني عنوان أحد الأفراد ، فمرجع ( يجب عليك إن أفطرت متعمداً إما العتق أو ... أو .. ) إلى وجوب الجامع الانتزاعي ، يعني يجب عليك أحد هذه الثلاثة ، وعنوان الأحد وإن لم يكن جامعاً ووجوداً متأصلاً فليس هو من قبيل الانسان والحيوان - ومثال الجامع الذي وجوده متأصّل حقيقي الانسان والحيوان هذه الطبائع فإنسان وحيوان جامع بين أفراده وهو جامع متأصّل وليس انتزاعي فإنه له وجود حقيقي في الخارج فإنه بناءً على أنّ الطبيعي موجود في الخارج ولو بوجود أفراده وليس على رأي الشيخ الهمداني الذي قد ينسب إليه من قبل ابن سينا أن له وجود منحاز عن الأفراد - ، فالطبائع لها وجودات متأصّلة وقد قرأنا في متن حاشية ملا عبد الله ( والحق أنّ الطبعي موجود بوجود أفراده ) ، فهو له وجود لا أنه ليس له وجود أبداً ، فإذا كان له وجود فهذا يعبّر عنه بالجامع المتأصّل أو الأصيل يعني له وجود حقيقي غايته ضمن الأفراد لا منحازاً عنها ، بينما عنوان ( أحد ) هو أيضاً جامع ولكن لا يوجد له وجود متأصّل وإنما هو جامع اعتباري انتزاعي بسبب الانتزاع والاعتبار.

على أيّ حال فهذه الفرضية الثالثة التي نقلها الشيخ النائيني أنّ مرجع الوجوب التخييري إلى وجوب الأحد هذا الجامع الانتزاعي والجامع الانتزاعي وإن لم يكن له وجود متأصّل وإنما وجوده بالانتزاع والاعتبار ولكن لا محذور في أن يتعقل الوجوب الذي هو أيضاً اعتبار يتعلّق بالأحد الذي هو أمر اعتباري ، فلا محذور في أن يتعلّق الاعتبار بالأمر الاعتباري الانتزاعي.

وفيه:- إنه شيءٌ وجيه ولكن لا يمكن أن نجزم به ونقول حتماً - كما جزم السيد الخوئي - مرجع الوجوب التخييري إلى وجوب الأحد الجامع الانتزاعي فهذه الحتميّة من أين أتيت بها ؟ بل لعلّ مرجع الوجب التخييري إلى وجوبات مشروطة وهذا وجيه أيضاً ، فكما أنّ ما تقوله وجيه فهذا وجيه أيضاً فكيف تعيّن هذا في مقابل ذاك ؟!! ، لو كانت فكرة الوجوبات المشروطة مرفوضة وغير معقولة وليست ممكنة فصحيح - يعني هذه الفرضية من قبل السيد الخوئي يكون شيئاًً وجيهاً - ، أما بعدما كانت تلك الفرضية معقولة وهي وجوب كلّ فرد مشروط بترك الفرد الأخر فتعيّن هذه الفرضية الثالثة في مقابل الأولى لا يكون شيئاً صحيحاً.

الفرضية الرابعة:- ما تبناه الشيخ النائيني(قده)[3] [4] وحاصل ما ذكره:- هو أنّ الوجوب التخييري يتعلّق بالواحد المردّد المبهم غير المعيّن ، وكلمة أخرى قل:- مرجع الوجوب التخييري إلى الأحد المردّد لا عينه ، فليس هذا واجباً بشرط ترك ذاك ولا ذاك واجباً يشرط ترك هذا ، كلا بل الأحد غير المعيّن الأحد المردّد هو الذي يكون واجباً.

ثم أشكل على نفسه فقال:- إن قلت:- إنّ الارادة التكوينية لا يمكن أن تتعلّق بالواحد المردّد فإذا لم يمكن فالإرادة التشريعية أيضاً لا يمكن أن تتعلّق بالواحد المردّد ، أما أنّ الارادة التكوينية لا يمكن أن تتعلّق بالواحد المردّد فهذا واضح ، يعني لا يمكنني أن أخرج من البيت فلو قيل لي إلى أين تريد أن تذهب ؟ فأقول إلى مكانٍ مردّد ليس بعينه - ليس الجامع بل المكان فمرّة يقول أنا ذاهب إلى مكانٍ ما فهنا يوجد جامع كلا بل المقصود هو الفرد غير المعيّن فهنا لا يمكن ذلك - فالإرادة التكوينية لا يمكن أن تتعلّق بالواحد المردّد فإذا لم يمكن أن تتعلّق بالواحد المردّد فالإرادة التشريعية المولى أيضاً لا يمكن أن تتعلّق بالواحد المردّد فإنّ الارادة التشريعية هي على وزان الارادة التكوينية غايته في الارادة التكوينية تتعلّق الارادة بفعل نفس المريد ، فإذا أردت أن أشرب الماء فهذه يسمّونها إرادة تكوينية أما إذا كان متعلّق الارادة هو فعل الغير كما لو أردت منك أن تجلب لي الماء فهذا فعل الغير فهذه إرادة تشريعية ، فالإرادة التشريعية هي عين الارادة التكوينية وإنما الاختلاف في أن الارادة التشريعية متعلّقة بنفس فعل المريد والتشريعية متعلّقة بفعل غير المريد ، فإذا لم يمكن تعلّق الارادة التكوينية بالمردّد لا يمكن أن تتعلّق التشريعية بالمردّد أيضاً.

قلت:- هناك فارق في المقام بين الارادتين فإن الارادة التكوينية هي موجدة للمراد وعلّة للمراد ولا يمكن أن يكون الموجد موجداً لغير المعيّن إذ غير المعيّن هو غير معيّن فكيف يمكن إيجاده هذا بخلافه في الارادة التشريعية فإنها ليست علّة وجود المراد ومادامت ليس علّة لوجود المراد - لأنّ هذه الارادة متعلّقة بفعل الغير - فلا محذر أنّ تتعلّق بالواحد غير المعيّن.