38/01/14


تحمیل

آیةالله الشيخ محمداسحاق الفیاض

بحث الأصول

38/01/14

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الموضوع: أدلة حجية خبر الواحد ــــــ السيرة العقلائية

كان كلامنا في الاستدلال بالسيرة العقلائية على حجية خبر الثقة وظواهر الالفاظ فإنه لا شبهة في أن السيرة العقلائية قد جرت على العمل بأخبار الثقة، كما أنه لا شبهة في أنها ممضاة شرعها فإن هذه السيرة قد أصبحت مرتكزة في أذهان الناس وثابتة في أعماق نفسوهم ويعملون على طبقها بطبيعتهم بدون أدنى منبه وتذكير فإن الناس في صدر الإسلام يعملون بأخبار الثقة بدون ان يلتفتوا إلى احتمال أن السيرة مردوعة من قبل الشارع فإنهم يعملون على طبق ارتكازهم طبعا بدون أدنى منبه فلو كانت هذه السيرة مخالفة للأغراض التشريعية وفيها مفاسد فبطبيعة الحال كان على الشارع أن يردع عنها ويمنع عن العمل بها وبيان مفاسدها. فسكوت الشارع عن ذلك وعدم صدور الردع كاشف عن أنها لم تكن مخالفة للأغراض التشريعية ولم يكن في العمل بها مفاسد، فيكون سكوت الشارع كاشف قطعي عن إمضاء هذه السيرة.

ولكن قد يقال كما قيل إن هذه السيرة مردوعة بالآيات الناهية عن العمل بالظن كقوله تعالى: (إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا)[1] وهكذا سائر الآيات الناهية عن العمل بالظن فهي بإطلاقها تشمل أخبار الثقة أيضا لأنها أخبار ظنية وليست بقطعية والعمل بها عمل بالظن، فيكون العمل بها مشمول للآيات الناهية عن العمل بالظن وهذه الآيات تصلح أن تكون رادعة عن العمل بهذه السيرة.

وقد أجيب عن ذلك بوجوه:

الوجه الأول: ما ذكرته[2] مدرسة المحقق النائيني(قده) من أن سيرة العقلاء حاكمة على الآيات الناهية، لأن هذه السيرة تدل على أن المجعول في باب الأمارات هو طريقية أخبار الثقة أي أن أخبار الثقة علم تعبدا، فالعمل بأخبار الثقة ليس عملا بالظن بل هو عمل بالعلم فمن أجل ذلك تكون السيرة حاكمة على الآيات الناهية ورافعة لموضوعها تعبدا.

ولكن ذكرنا أنه لا جعل ولا مجعول في باب الأمارات، والسيرة العقلائية لا تدل على الجعل فإن السيرة عبارة عن عمل خارجي للعقلاء بأخبار الثقة ولا لسان للعمل لا لسان الجعل ولا لسان التنزيل.

ومع الإغماض عن ذلك فجعل الطريقة والعلم التعبدي لأخبار الثقة لا يمكن ثبوتا؛ لأنه إن أريد بالطريقية المجعولة الطريقية التكوينية فجعلها غير معقول لأن الجعل الشرعي الاعتباري لا يعقل أن يتعلق بالطريقية التكوينية لأن الجعل عين المجعول فالمجعول إذا كان أمرا تكوينيا فالجعل لا بد أن يكون امرا تكوينيا ولا يعقل أن يكون الجعل أمرا اعتباريا والمجعول أمرا تكوينيا، ففي الإيجاد والوجود لا يعقل أن يكون الإيجاد أمرا اعتباريا والوجود أمر تكويني مع أن الإيجاد عين الوجود في الخارج ولا اختلاف بينهما إلا بالاعتبار. هذا بحسب مقام الثبوت.

وأما في مقام الإثبات فلا دليل على أن المجعول في باب الأمارات هو الطريقية فإن عمدة الدليل على حجية الأمارات كأخبار الثقة وظواهر الالفاظ السيرة القطعية من العقلاء والسيرة عبارة عن عمل العقلاء والعمل لا يدل على جعل شيء، فالسيرة العقلائية لا تدل على أن المجعول في باب الأمارات هو الطريقية والكاشفية والعلم التعبدي.

ومع الإغماض عن ذلك وتسليم ان المجعول في باب الأمارات هو الطريقية والكاشفية مع ذلك لا تكون السيرة حاكمة على الآيات الناهية، لأن حكومة السيرة عليها مبنية على أن يكون مفاد الآيات الناهية حرمة العمل بالظن حرمة تكليفية مولوية، إلا أن مفاد الآيات ليس الحرمة التكليفية المولوية، بل مفادها إرشاد إلى أن الظن ليس بحجة فالأمارات الظنية ليست بحجة، فتقع المعارضة حينئذ بين الآيات الناهية وبين السيرة العقلائية، فالسيرة تدل على حجية أخبار الثقة بمعنى الطريقية والآيات الناهية تدل على نفي الحجية عن الظن وبإطلاقها تشمل أخبار الثقة أيضا.

فالظن لا يكون حجة بأي معنى كان سواء كان معنى الحجية الطريقية والكاشفية أو معنى الحجية المنجزية والمعذرية أو معنى الحجية جعل الحكم المماثل أو معنى الحجية تنزيل الأمارات منزلة العلم الوجداني فالآية تنفي حجية الظن بأي معنى كان للحجية، وحينئذ تقع المعارضة بين سيرة العقلاء وبين الآيات الناهية فإن السيرة تدل على حجية الأمارات كأخبار الثقة والآيات المباركة تدل على نفي حجيتها فإذن لا حكومة في البين.

ومع الإغماض عن ذلك ايضا فإن مفاد الآيات المباركة وإن كان الحرمة التكليفية إلا أنها حرمة تشريعية وليس بحرمة ذاتية أي حرمة مستندة إلى التشريع وليست مستندة إلى المفاسد الذاتية، فالآيات تدل بالمطابقة على حرمة العمل بالظن تشريعا وبالالتزام على عدم حجية الظن، فتقع المعارضة بين المدلول الالتزامي للآيات الناهية والمدلول المطابقي للسيرة العقلائية.

فالنتيجة ان ما ذكرته مدرسة المحقق النائيني ومنهم السيد الاستاذ(قده) من الحكومة لا وجه له وأن السيرة لا تصلح أن تكون حاكمة على الآيات الناهية.

هذا من جانب.

ومن جانب آخر: أن هنا إشكالا آخر وهو أن السيرة العقلائية لا تصلح أن تكون حاكمة على الآيات الناهية إذ معنى الحكومة ان الدليل الحاكم يتصرف في مدلول الدليل المحكوم سعة او ضيقا حيث أن الدليل الحاكم ناظر إلى مدلول الدليل المحكوم سعة كقولنا: الطواف في البيت صلاة، والفقاع خمر استصغره الناس وما شاكل ذلك، أو إلى نفي الموضوع كقولنا لا ربا بين الوالد والولد، ولا ضرر ولا ضرار في الإسلام وما شاكلهما، فالدليل الحكام ناظر إلى مدلول الدليل المحكوم سعة أو ضيقا.

والمعتبر في الحكومة أن يكون الدليل الحاكم والدليل المحكوم صادرين من متكلم واحد أو ما كان بحكم المتكلم الواحد واما إذا كان الدليل الحكام صادرا من متكلم ودليل المحكوم صادر من متكلم آخر فلا معنى للحكومة بينهما.

وبكلمة أن المعتبر في شرائط التعارض بين الدليلين ــــ سواء كان التعارض مستقرا أم كان غير مستقر كما في موارد الجمع الدلالي العرفي بين العام والخاص او المطلق والمقيد وبين الظاهر والأظهر أو الظاهر والنص وبين الحاكم والمحكوم وبهذا لجمع يرتفع التعارض بينهما ـــــ أن يكون الدليلان المتعارضان صادرين من متكلم واحد أو ما كان بحكم متكلم واحد فعندئذ يقع التعارض بينهما تارة بنحو التعارض المستقر وتارة بنحو غير المستقر.

واما إذا صدر العام من متكلم والخاص من متكلم أخر فلا ارتباط بينهما حتى يحمل العام على الخاص، او صدر ما دل على وجوب شيء من متكلم وصدر ما دل على إباحة ذلك الشيء من متكلم آخر فلا معنى للتعارض بينهما لأن مقصود المتكلم الأول الوجوب ومراد المتكلم الثاني الإباحة فلا تنافي بينهما.

وحديث الأمة الأطهار مع النبي الأكرم(ص) بمثابة المتكلم الواحد بالنسبة إلى الشريعة المقدسة، فإن جميعهم يخبرون عن الشريعة الواحدة ولهذا يقع التعارض بين ما صدر من الإمام الباقر(ع) وما صدر عن الصادق(ع) فإنهما بمثابة متكلم واحد وكلاهما يخبر عن الشريعة الواحدة فلأجل ذلك يقع التعارض بينهما إما بنحو المستقر أو بنحو غير المستقر، كما إذا صدر من أحدهما عام وصدر من الآخر خاص فإنه يحمل العام على الخاص فيجعل الخاص قرينة على تخصيص العام.

وفي المقام حيث أن السيرة من العقلاء والآيات من الشارع فلا ارتباط بينهما حتى تكون السيرة حاكمة على الآيات الناهية وتتصرف في مدلولها سعة وضيقا نعم لو أمضى الشارع هذه السيرة فتصبح هذه السيرة دليلا شرعيا بعد الإمضاء فعندئذ تصلح أن تكون حاكمة وتعارض الآيات ولكن الكلام إنما هو في إمضاء هذه السيرة فمع وجود هذه الآيات لم نحرز إمضاء هذه السيرة لاحتمال أن هذه الآيات تكون رادعة عن العمل بالسيرة والسيرة لا نحرز إمضائها وحينئذ نشك في حجية الأمارات كأخبار الثقة والشك في الحجية مساوق للقطع بعدمها فعلا أي عدم ترتيب آثار الحجية عليها قطعا، لأن الآثار المترتبة على حجية شيء هي الاستناد إلى الحجة في مقام العمل الخارجي او في مقام الإفتاء وإسناد مؤداها على الشارع، فالشك في إمضاء السيرة يوجب الشك في حجية الأمارات كأخبار الثقة وهو مساوق للقطع بعدمها.

هكذا قيل ولكن للمناقشة فيه مجال.