38/03/06


تحمیل

الأستاذ الشيخ باقر الايرواني

بحث الفقه

38/03/06

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع:- مسألة( 27 ) - المكاسب المحرمة.

وقد يشكل على دلالتها:- إنَّ موردها ليس هو الغش فإنَّ الدردي يحصل في أسفل العصير أو بطبيعته لا بغش من البائع بل طبيعة العصير أو غيره أنه بمرور الزمن يجتمع دردي في أسفله فهذا ليس غشاً من قبل البائع أو غير البائع وإنما طبيعة الشيء هي تقتضي ذلك ، وكذلك التمر فالتمر حينما يبقى في الجلّة فبمرور الزمن الأسفل منه سوف يواجه ضغطاً من الأعلى وبسبب هذا الضغط سوف يصير رديئاً ، فهذه الرداءة لم تصِر بسبب غشٍّ من البائع ، فعلى هذا الأساس يكون مورد هذه الروايات ليس هو الغش ، فصحيحٌ أنها أثبتت الخيار ولكن ليس من باب الغش ، فعلى هذا الأساس لا تنفعنا هذه الروايات في اثبات المطلوب ، فنحن نريد اثبات الخيار من باب الغش لأنَّ كلامنا فيما إذا غشّ البائع المشتري ولم يدخل تحت أحد الخيارات المعروفة هنا هل يثبت الخيار أو لا والمفروض أنَّ مورد هذه الروايات ليس هو الغش فهي وإن أثبتت الخيار فلا تنفعنا.

وربما يقال في مقام الدفاع:- إنه بإمكاننا التمسّك بما دلّ على ثبوت الخيار في مورد الغش فإن هذه الروايات التي أثبتت الخيار عند الغش - يعني غير هذه الروايات بل الروايات العامة الواردة في الغش - نقول هي أثبتت الخيار من باب الارفاق بالمشتري وملاحظة صالح المشتري وليس من باب انزال العقوبة على البائع ، فإذا كانت النكتة هي الارفاق بالمشتري فحينئذٍ يثبت الخيار للمشتري حتى إذا لم يصدق الغش ، فعلى هذا الأساس في الموارد المذكورة من قبيل الدردي في العصير وما شاكل ذلك صحيح أنه لم يثبت الغش من البائع لكن يثبت الخيار لأنَّ نكتة ثبوت الخيار هي الارفاق بالمشتري وإن لم يثبت الغش.

ويرد على ذلك:-

أوّلاً:- إنه لو فرض وجود روايات من هذا القبيل تدل على أنه متى ما غش البائع المشتري يثبت الخيار حينئذٍ للمشتري فمن قال إنَّ تمام النكتة هي الارفاق بالمشتري فلعلّ الارفاق هو جزء العلّة والجزء الثاني هو الغش ، لا أنَّ تمام النكتة هي الارفاق حتى نقول يثبت الخيار حتى في مورد عدم صدق الغش من قبل البائع.

ثانياً:- إنه من قال إنه توجد روايات في باب الغش تدل على ثبوت الخيار فإنه لا توجد حتى نتمسّك بها وإنما اثبتنا الخيار في ورد الغش بوسائل أخرى لا لأجل ورود رواية خاصّة في باب الغش تدل على ثبوت الخيار ، فلا توجد رواية تدل على أنَّ الشخص المغشوش له الخيار على البائع وإنما نثبت ذلك بالشرط الضمني أو بأمور أخرى لا بمسألة رواية بعنوان الغش حتى نلغي خصوصية الغش تمسكاً بنكتة الارفاق.

ثالثاً:- لو فرض وجود رواية تدل على ذلك - يعني أنه في مورد الغش تثبت الخيار - فحينئذٍ سوف يصير المدرك لثبوت الخيار بعد إلغاء خصوصية الغش لأجل أنَّ تمام النكتة هي الارفاق هو تلك الرواية لا هذه الروايات الثلاث والمفروض أننا نريد أن نستدلّ بهذه الروايات الثلاث ، وهذه المحاولة في الحقيقة هي اعترافٌ بأنَّ هذه الروايات لا يمكن التمسّك بها ولابدّ من التفتيش عن طريقٍ آخر.

رابعاً:- إنه بناءً على هذه المحاولة سوف يثبت الخيار فقط وفقط في مورد الغش ولكن يقال إنَّ الغش ليس هو تمام النكتة ، فنحن نريد أن نثبت الخيار في مورد الغشّ لأجل عنوان الغش لا لأجل الارفاق ، وبالتالي سوف يثبت الخيار بهذه الطريقة في المورد - يعني مسألة الدردي وغيره - لأجل الارفاق لا لأجل عنوان الغش ونحن نريد أن نثبت الخيار للغش ، فنحن نريد اثبات الخيار في مورد الغشّ ولأجل الغش ويرتبط بالغش لا أن نلغيه تماماً ونثبته من خلال عنوانٍ آخر - وهو أنه من باب الارفاق - ، وهذه المحاولة تريد اثبات الخيار لا لأجل الغش ، بل الغش أصلاً ليست له خصوصيّة ، وإنما لأجل الاثبات هذا لا ينفعنا.

وربما يقول قائل:- توجد محاولة أخرى لإثبات الخيار وهي أنَّ نقول:- إنه توجد عندنا خيارات من قبيل خيار الغبن وخيار التدليس وخيار العيب هذه الخيارات إذا لاحظناها يتمكن العرف أن يلغي الخصوصية ، يعني يلغي عنوان العيب والتدليس وإنما المدار سوف يصير على أنه متى ما وقع المشتري تحت المظلومية لأنه لم يشتره بهذا الشكل الرديء بل المعاملة جرت على الصحيح ، فمادام قد وقع تحت المظلومية فيثبت الخيار سواء كانت المظلومية نشأت من الغبن أخرى وبسبب العيب مرّة ثانية أو بسبب التدليس ثالثة أو بسبب الغش رابعة ، فنلغي خصوصيات هذه الخيارات ، وبالتالي سوف يثبت الخيار في مورد الغش لأنه بسبب الغش سوف يكون المشتري واقعاً تحت المظلوميّة.

ومن الواضح أنه بناءً على هذه المحاولة سوف لا نتمسّك بالروايات وإنما هي محاولة مستقلّة كتلك المحاولة السابقة حيث غضّت النظر عن الروايات وأخذت تتمسّك بطريقٍ آخر وهذه المحاولة كذلك أيضاً إن تمّت.

ويردّه:- إنَّ هذا شيء له وجاهة لو فرض وجود روايات تدل على ثبوت الخيار في مورد العناوين المذكورة - يعني في مورد العيب والتدليس الغبن - ، يعني في مورد الصفات السلبية ووقوع المشتري تحت المظلومية فإذا كانت هناك روايات فهذا مقبول وسوف نلغي خصوصية هذه العناوين ، ولكن لا توجد روايات في هذه الموارد ، بل هي موجودة في باب العيب فقط ، أما في باب الغبن فلا توجد عندنا رواية وإنما حاول الفقهاء من هنا وهناك أن يتمسّكوا لإثبات خيار الغبن أما أنه توجد رواية واضحة تدلّ على ثبوت الخيار للمغبون فلا - كما قرأنا في المكاسب - وهكذا في التدليس ، بل الرواية واردة في باب العيب وفي باب المجلس وفي الحيوان ، ولكن تلك الروايات لا تنفعنا لأنَّ المشتري ليس واقعاًً تحت المظلومية ونحن نريد عناوين توجب مظلومية المشتري فنلغي خصوصيّة هذه العناوين ونتعدّى إلى مورد الغشّ ، والمفروض أنه لا توجد روايات في هذه الموارد أو أنها موجودة فقط في العيب ، فإذا كانت موجودة في العيب فقط فسوف تصير هذه المحاولة نظير المحاولة السابقة التي تمسّكت بخيار الغش وألغت خصوصية الغش وأنَّ المدار على الارفاق بالمشتري.

والأجدر التمسّك بالروايات السابقة ولا نتجاوزها بل نبقى مع تلك الروايات وندفع الاشكال بوجهين:-

الوجه الأوّل:- أن نقول:- صحيحٌ أنَّ مورد تلك الروايات ليس هو الغش وإنما موردها هو اقتضاء الشيء لتكوّن هذه الصفة السلبية - يعني الدردي أو رداءة التمر الأسفل - ، ولكن إذا أثبتت الروايات الخيار في مثل ذلك فبالأولى يثبت الخيار في مورد الغشّ ، فنتمسك بالأولوية حينئذٍ ، فنفس هذه الروايات تكون دالة على ثبوت الخيار في مورد الغشّ من باب التمسّك بالأولوية.

الوجه الثاني:- أن نقول:- إنه وردت تعابير في الروايات ، من قبيل أنَّ الرواية الأولى قالت:- ( إن كان يعلم أن ذلك يكون في الزيت لم يردّه وإن لم يكن يعلم أنَّ ذلك يكن في الزيت ردّه على صاحبه )[1] ، فهي جعلت المدار على عدم العلم ، فمادام المشتري لا يعلم بهذه الصفة السلبية فعلى هذا الأساس يثبت الخيار ، فتمام النكتة هي عدم العلم ، وفي مورد الغش حيث إنّ المشتري لا يعلم بهذه الصفة السلبيّة - وهي أنه يوجد غش - فحينئذٍ يثبت له الخيار في ورد الغش.

وهكذا مثل الرواية الثانية فإنه ورد فيها:- ( فقالت:- يا أمير المؤمنين اشتريت من هذا تمراً بدرهم وخرج أسفله رديئاً ليس مثل الذي رأيت )[2] والامام بعد ذلك أثبت لها الخيار فقال:- ( ردّ عليها ) ، فيستفاد من هذا أنه إذا خرج الجزء الآخر رديئاً لا بالشكل الذي رؤي وتُصوّر ثبت الخيار ، فتمام النكتة هي هذه ، وهذا المعنى موجود في المغشوش فإنه اشتراه لا بعنوان أنه رديء ولا يعلم أنه توجد فيه رداءة ، فحينئذٍ يثبت له الخيار بمقتضى هذه الرواية ، فالرواية جعلت تمام النكتة هي عدم العلم بالرداءة وخروج أسفله رديء ، وهذه النكتة موجودة في مورد الغش أيضاً.

إذن على البيان الأوّل نتمسّك بالأولوية ، وأما بناءً على البيان الثاني فنتمسّك بعموم التعليل - أو عموم النكتة - إن صحّ التعبير ، فيثبت الخيار في مورد الغش.

والنتيجة النهائية من كلّ ما ذكرناه:- إنَّ الخيار في مورد الغش ثابت وإن لم يدخل تحت أحد العناوين المعروفة فقهياً كخيار العيب أو التدليس أو تبعّض الصفقة أو غير ذلك ، بل يثبت في مورد الغش إما لأجل فكرة الشرط الضمين ، أو التمسّك بالروايات المذكورة بعد ضمّ البيانين المذكورين.

قضية ترتبط بالرواية الثالثة:- إنه في الرواية الثالثة الامام عليه السلام ردَّ مقدار الرُّبِّ على البائع وأخذ في مقابله سمناً ، ونحن نعرف في خيار تبعّض الصفقة أنَّ المشتري مخيّرٌ بين أن يقبل بالمبيع وبين أن يفسخ في الكلِّ أما أنه يأخذ السليم ويطلب بدل السقيم فهذا ليس موجوداً في خيار تبعّض الصفقة ، إذن اشتملت هذه الرواية على مطلبٍ لا يلتزم به فقيه فكيف العلاج ؟