38/03/05


تحمیل

الأستاذ الشيخ باقر الايرواني

بحث الأصول

38/03/05

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع:- تنبيهات مسألة اجتماع الأمر والنهي.

وأما إذا كان جاهلاً بكونه مغصوباً:- فهل الحكم هو هو ، يعني يكون المقدم هو لا تغصب والأمر بالوضوء وبالتالي إذا لم يكن الأمر بالوضوء موجوداً فسوف يصير الوضوء باطرً لنه لا يوجد عنده أمر بالوضوء ؟

والجواب:- نعم يمكن أن يقال إنَّ هذا الحكم الذي ذكرناه يعمّ حالة الجهل ، والسبب في ذلك هو أنَّ التعارض بين الدليلين يوجب تقديم أحدهما واقعاً علم المكلّف أو لم يعلم المكلّف بذلك فأحدهما جزماً هو المقدّم فلا تغصب حتماً يكون هو المقدّم على صلّ وإذا كان مقدّماً فيكون الثابت هو حرمة الغصب ولا يوجد أمر بالوضوء فيقع الوضوء باطلاً.

إن قلت:- إنَّ الجاهل قد رفع عنه الحكم ( رفع عن أمتي ما لا يعلمون ) فالحرمة مرفوعة في حقه ؟

قلت:- إنَّ أرفع ظاهري وليس رفعاً اقعياً وإلا لو كان الرفع واقعياً في حق الجاهل يعني أنَّ الأحكام الواقعية سوف تختص بالعالم دون الجاهل فالجاهل لا حكم في حقه وبالتالي لا يلزم عليه تعلم الواجبات والمحرّمات حتى حينئذٍ لا تتوجه إليه أحكام فإنه لا يحتمل هذا الشي ، فالرفع إذن رفع ظاهري وليس واقعياً ومادام الرفع ظاهرياًً فمعنى ذلك أنَّ حرمة الغصب ثابتة في حقه واقعاً ومادامت ثابتة والمفروض أنَّ الأمر بالوضوء لا يجتمع مع النهي عن الغصب - لآنه هنا يحصل تعارض والتعارض واقعي بين الوجودين الواقعيين - فيتقدم أحدهما وهو لا تغصب تقدّماً واقعياً والتحصيص تخصيصاً واقعياً والتقدّم تقدّماً واقعياً والعلم وعدم العلم لا خصوصية له من هذه الناحية ، ولذلك يمكن أن يقال يحكم ببطلان الوضوء في حق الجاهل بكون هذا الماء مغصوباً أو الجاهل بأنَّ الغصب حرام ، والنكتة هي التي أشرنا إليها وهي أنَّ حديث الرفع يرفع في حق الجاهل رفعاً ظاهرياً فالحكم وهو حرمة الغصب ثابت واقعاً ومادام ثابت واقعاً فحينئذٍ يتعارضان فيتقدّم أحدهما ، والمتقدّم كما قلنا هو ( لا تغصب ) لأنه شمولي فيلزم الحكم ببطلان الوضوء.

وأما بالنسبة إلى الناسي:- يعني أنَّ شخصاً كان يعلم بأنَّ هذا غصبٌ وأنَّ الوضوء بالغصب والتصرّف الغصبي حرام ولكنه نسى أنَّ هذا غصب ، أو نسى أنَّ التصرّف الغصبي محرّم - فهو إما أنه نسي الموضوع أو نسي الحكم - فبالتالي كان شخصاً ناسياً ، فإذا توضأ هل نحكم بصحّة وضوئه أو لا ؟

الجواب:- يمكن الحكم بصحة وضوئه ، وذلك لأنَّ الرفع بلحاظ النسيان رفع واقعي وليس ظاهرياً ، فيوجد فرق بين فقرات حديث الرفع ، فبلحاظ النسيان الرفع يكون واقعياً ، وأما بلحاظ الجهل فيكون ظاهرياً ، بل لعلّ الناسي لا يمكن ثبوت التكليف في حقّه واقعاً.

بل الشيخ الأنصاري(قده) قال في الرسائل إنَّ الناسي لا يمكن توجّه التكليف إليه أصلاً لأننا ماذا نقول له ؟ لابدّ وأن نقول له ( يا أيها الناسي رفع عنك ... ) وهو لم يلتفت إلى أنه ناسي وبمجرّد أن يلتفت فقد دخل تحت العالم ، فإذن لا تستطيع أن توصل إليه هذا الحكم وهو أنَّ الناسي رفع عنه الحكم ، وهذه قضية ثانية .

فالشيخ الأنصاري(قده) ادّعى أنَّ الحكم إذا ثبت في حقّ العالم ثبت في حقّ الناسي ، ولكن هذه قضية ثانية ذكرتها ، ولكن المقصود هو أنه يوجد في حق الناسي رفع واقعي وليس ظاهرياً ، ومادام الرفع واقعياً فحينئذٍ لا يوجد نهي - ( لا تغصب ) -في حقه وإذا كان لا يوجد نهي في حقه فعلى هذا الأساس يبقى أمر صلِّ أو توضأ وحده بلا منازع فنحكم بصحّة الوضوء أو بصحّة الصلاة.

نعم نستثني من ذلك حالة ما إذا كان الناسي هو الغاصب والغاصب هو الناسي ، فهنا إذا نسى الغاصب الغصب فهو نسي أنه غصب الماء أو نسي أنَّ الغصب حرام ، ففي مثل هذه الحالة نحكم ببطلان وضوئه.

ولماذا نحكم ببطلان وضوئه أولستم قلتم قبل قليل إنَّ الرفع في حقّ الناسي يكون واقعياً ؟

نقول:- نعم ولكن نخصّص ونقول ( إلا إذا كان الناسي هو الغاصب والغاصب هو الناسي ) ، فالغاصب أصلاً لا يوجد في حقه رفع لا ظاهري ولا واقعي ، والمدرك هو أنَّ حديث الرفع حديث امتناني ومادام امتنانياً فهو يرفع بمقدار مورد المنّة ، والذي يستحقّ الامتنان هو غير الغاصب إذا نسى أما الغاصب فلا يستحق الامتنان ، فالغاصب لا يليق بالامتنان ، فنفس قرينة الامتنان تصير قرينةً على أنَّ حديث الرفع لا يشمل الغاصب الناسي.

وبهذا يتضح ما نقرأه في الرسالة العملية ، ففي الرسالة العملية في باب اباحة ماء الوضوء أو اباحة مكان المصلّي يقول الفقهاء إذا توضأ في الإناء المغصوب أو صلّى في المكان المغصوب فإنَّ كان جاهلاً حكم بالبطلان - ولا أقول هي مسألة اتفاقية بل غير واحدٍ من الفقهاء قال بذلك - وإن كان ناسياً حكم بالصحّة إلا إذا كان الغاصب هو الناسي أو الناسي هو الغاصب فإنه يحكم في حقّة بالبطلان.

عود إلى صلب الموضوع:- بالتالي عرفنا أنَّ هذا المورد - وهو الضوء أو الغسل - هو مورد لاجتماع الأمر والنهي كما ذكرنا في حقّ العالم ، وقلنا إنه بناءً على الامتناع يحصل تعارض ويقدّم النهي ، وأيضاً عرفنا أنَّ هذا مورد للاجتماع أيضاً في حقّ الجاهل لأنَّ الجاهل موجود في حقّه التكليف - لا تغصب - واقعاً فهو أيضاً مورد لذلك ، نعم هو ليس مورداً للاجتماع في حقّ الناسي إلا إذا كان الغاصب هو الناسي فيكون مورداً للاجتماع أيضاً.

ثم إنَّ هناك قضيّة جانبية:- وهي أنه قد يقول قائل:- إنَّ حديث الرفع يشتمل على فقرات متعددة والرفع فيها يلزم أن يكون إما واقعياً بلحاظ الجميع أو يكون ظاهرياً بلحاظ الجميع ، أما أنه بلحاظ البعض واقعي وبلحاظ البعض الآخر ظاهري فهذا لا يمكن المصير إليه.

قلت:- إذا قامت القرينة على التفكيك فسوف نلتزم بذلك ، والقرينة على التفكيك موجودة فإنَّ مثل ( رفع عن أمتي ما اضطروا إليه ) أو ( رفع عن أمتي ما لا يطيقون ) أو ( ما استكرهوا عليه ) فهنا الرفع لا يمكن أن يكون إلا واقعياً - لا أنَّ الظاهر هو واقعي كلا بل لا يمكن إلا أن يكون واقعياً - ، لأنك تقول هو مضطرّ أو ليس عنده طاقة أو تقول هو مكره فكيف يصير الرفع ظاهرياً ؟!! ، فحتماً مادام أنا مضطرّ إلى أكل الميتة فالرفع سوف يصير حينئذٍ واقعياً ولا يحتمل أن يكون ظاهرياً ، لكن في الجهل لا يمكن أن يكون واقعياً للقرينة وإلا يلزم اختصاص الأحكام بالعالميين ، وإذا لزم اختصاص الأحكام بالعالمين فسوف يلزم مشكلة وهي أنه لا يلزم أن نتعلم حتى لا تثبت أحكام في حقّنا ، وسوف يلزم أن لا يكون هناك عصاة فالذين لا يتعلمون لا يكونون عصاة ، فهذه قرينة على أنَّ الرفع هنا ظاهري ، فمع وجود القرينة على كون الرفع هنا ظاهرياً وهناك واقعي فإذن نفكك لأجل الدليل ، نعم نقول إنَّ التفكيك غير ممكن إذا فرض أنه لا توجد قرينة ، أما مع قيام القرينة الخاصّة فسوف نكون مضطرّين إلى التفكيك.

المصداق الرابع:- وهو الوضوء أو الغسل بالآنية المغصوبة أو بآنية الذهب والفضّة.

فالوضوء أو الغسل منهما نريد أن نلاحظ هل هو مورد لاجتماع الأمر والنهي أو لا ؟

والجواب:- تارة نفترض أن الوضوء أو الغسل ترتيبياً ، وأخرى يكون ارتماسيّاً ، فإذا فرض أنه كان ترتيبياً كما هو العادة بأن نأخذ الماء ثم نصبّه على الوجه مثلاً فهذا سوف يصير ترتيبياً ، وأما الارتماسي فهو أن أدخل وجهي أو يدي في الماء ، فإذا كان ترتيبياً فسوف لا يصير هنا اجتماع أمر ونهي لأجل أنَّ إدخال اليد وأخذ الماء - مع فرض أنَّ الماء مباح لأنه إذا كان الماء مغصوب فقد تقدّم فيما سبق من المصاديق - فإدخال اليد هو تصرف غصبي بالإناء أما الماء بنفسه فهو مباح فأين اجتماع الأمر والنهي ؟! فأنا حينما أريد صبّ الماء على وجهي فلا نهي هنا بل يوجد أمرٌ فقط ، فمورد النهي يغاير مورد الأمر ، فمورد النهي هو إدخال اليد وأخذ الماء ، ومورد الأمر هو أنه بعدما خرجت اليد فالماء الذي هو في اليد يكون هناك أمر بصبّه على الوجه ، فلا يلزم اجتماع الأمر والنهي في موردٍ واحد ، ففي مثل هذه الحالة لا يلزم اجتماع أمر ونهي إذا كان الوضوء أو الغسل بالترتيب.

وهنا قضية جانبية:- وهي أنه هل يقع الوضوء صحيحاً أو لا ؟

ربما يقال:- إنه لا يقع صحيحاً ، لأنه حينما أخذت الماء وكانت يده صغيرة وليست كبيرة ، فإذا كانت يده كبيرة فهو يأخذ مقدار كلّ ماء الوضوء فقسمٌ منه يغسل به وجهه ويحتفظ بالباقي بوسيلة أخرى غير الاناء المغصوب لكي يكمل به وضوئه ، ولكن إذا كانت اليد صغيرة فهو أخذ بمقدار غسل الوجه وتبقى اليد فحينئذٍ لا يتمكن من غسلها ، فإذن لا يوجد عنده أمر بغسل الوجه لأنَّ الأمر بغسل الوجه أمر ارتباطي ، يعني إنما هو مأمور بغسل الوجه إذا كان قادراً على غسل اليد وهو ليس قادراً على غسل اليد إلا بارتكاب الحرام ، فإذن لا توجد قدرة شرعية على غسل اليد ، ومادام لا توجد قدرة شرعية على غسل اليد فلا أمر بغسل الوجه ، فيقع باطلاً ، وهذه القضية قد تقدّمت في مبحث الضدّ وتم حلّها بفكرة الترتّب ، ومن أحد ثمرات فكرة الأمر الترتّبي هو ذلك ولا نكرّر ، حيث قالنا إنه تارةً يأخذ المكلّف الماء من الإناء المغصوب بمقدار كلّ الماء الذي يحتاجه في الوضوء بلا إشكال ومرّة يأخذه غَرفة غرفة فيمكن حلّ هذا بالترتّب.

فإذن إذا كان الوضوء بالترتيب فلا يلزم اجتماع أمر وأنه وإنما يلزم اجتماع أمر أو نهي إذا كان الوضوء أو الغسل بالارتماس كما إذا فرض أني أدخلت وجهي في الماء وقلنا إنَّ إدخال الوجه في الماء كما هو تصرّفٌ في الماء هو تصرّفٌ أيضاً في الإناء المغصوب ، أما إذا بنينا على أنَّ هذا تصرّف في الماء وليس تصرّفاً في الإناء المغصوب - وهذه القضية نرجع فيها إلى العرف والفقيه إذا دخل في هذه القضية فهو يدخل بما هو إنسان عرفي - فإذا قلنا إنَّ العرف يرى أنَّ إدخال الوجه في الماء هو تصرّف في الماء وتصرف في الاماء فيصير حينئذٍ اجتماع أمر ونهي ، لأنَّ هذا الارتماس باعتبار أنه وضوء يكون واجباً وباعتبار أنه تصرّف في الاناء يكون محرّماً ، أما إذا قلنا هو ليس تصرّفاً في الاناء فيوجد أمر فقط من دون نهي ، وهكذا إذا كان من آنية الذهب والفضية ، فإذا قلنا إنَّ ادخال الوجه في الماء الموجود في آنية الذهب والفضة هو تصرّف واستعمال أيضاً للإناء الذهبي أو الفضّي ، فإذا قلنا هو ليس تصرّفاً واستعمالاً للآنية فسوف لا يصير اجتماع أمر ونهي بل يوجد أمرٌ فقط من دون نهي ، أما إذا قلنا هو تصرّف في الإناء الذهبي أو الفضّي وقلنا إنَّ مطلق الاستعمال لهما حرام ، لأنه يوجد كلام في أنَّ الاستعمال المحرّم لأواني الذهب والفضّية هو مطلق الاستعمال أو خصوص الأكل والشرب فيه فإذا قلنا المحرّم هو خصوص الأكل والشرب فيه فأيضاً لا يوجد أمر ونهي فيه بل يوجد أمرٌ فقط من دون نهي ، وأما إذا قلنا أنه مطلق الاستعمال وهذا استعمالٌ فيلزم اجتماع الأمر والنهي.