38/04/01


تحمیل

الأستاذ الشيخ باقر الايرواني

بحث الأصول

38/04/01

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع: التنبيه السابع - تنبيهات مسألة اجتماع الأمر والنهي.

التنبيه السابع: الاضطرار بسوء الاختيار، ولا بسوء الاختيار.

قد يضطر المكلّف إلى ارتكاب الغصب مثلاً واضطراره تارةً يكون لا بسوء اختباره كما إذا سجن في مكانٍ مغصوب ، وأخرى يكون بسوء اختياره بأن يدخل هو في المكان المغصوب وحينئذٍ لو أراد أن يخرج فحال خروجه مثلاً هذا اضطرار إلى هذا التصرّف لأجل أن يصير خارج الدار المغصوبة ولكن هذا التصرّف الخروجي مضطرٌّ إليه بسوء اختياره.

ونتكلّم الآن عن الأوّل - وهو الاضطرار بسوء الاختيار كما لو زُجَّ في السجن - ونتكلم في مطلبين:-

المطلب الأوّل:- مقتضى القاعدة بلحاظ الصلاة ، فهل القاعدة تقتضي لزوم الاتيان بالصلاة أو لا مادام الاضطرار لا بسوء الاختيار ؟

المطلب الثاني:- كيفية أداء الصلاة ، فهل يأتي بها بالإيماء أو بالركوع والسجود العادي ؟

مقتضى القاعدة للإتيان بالصلاة:- وسؤالنا هو:- إنَّ القاعدة الأوّلية - يعني بقطع النظر عن القاعدة الثانوية وهي ( لا تسقط الصلاة بحال ) - هل المناسب مادام هناك غصب سقوط الأمر بالصلاة والأمر بالباقي يحتاج إلى أمرٍ جديد ، أو أنَّ نفس الأمر الأوّل يكفينا لإثبات وجوب الصلاة بلا حاجة غلى أمر ثاني ؟

وقبل أن نجيب على هذا السؤال نشير إلى قضيّتين:-

القضية الأولى:- إنه في باب الصلاة لا يوجد ما يدلّ على شرطية الصلاة بإباحة المكان ، فلا يوجد عندنا نصّ يقول من شرائط الصلاة اباحة المكان - يعني لا يوجد عندنا نصّ يقول ( لا تصلِّ في المغصوب ) - ، فإذن من أين أتى الفقهاء بهذا الشرط - وهو أنه من شرائط الصلاة إباحة المكان - ؟ إنه لما دلّ على أنَّ كلّ تصرّفٍ غصبي لا يجوز ، فإنه توجد أكثر من رواية في ذلك منها ما ورد في خطبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مسجد الخيف حيث قال:- ( لا يحلُّ دم امرئٍ مسلمٍ ولا ماله إلا بطيبة نفسٍ منه )[1] - وهذا من باب الفائدة الجانبية - وهذا بخلاف بعض الشرائط الأخرى كمثل عدم جواز الصلاة في جزء من أجزاء غير مأكول اللحم ، فإنه توجد أكثر من رواية دالة على ذلك ، منها موثقة ابن بكير:- ( ...... إنَّ الصلاة في وبرِ كلّ شيءٍ حرامٍ أكلُهُ فالصلاة في وبره وشعره وجلده وبوله وروثه وكلّ شيءٍ فاسد )[2] .

القضية ثانية:- إنه لا إشكال في أنه إذا اضطرّ الانسان لا بسوء الاختيار فحرمة الغصب حينئذٍ سوف تسقط لحديث الرفع ( رفع عن أمتي ما اضطروا إليه )[3] ، فهنا صار معلومٌ أنَّ حرمة الغصب تسقط ، وحينئذٍ نأتي إلى سؤالنا ونقول:- مادام حرمة الغصب قد سقطت فهل نتمكن أن نقول يوجد أمر بالصلاة في حقّه فيصلّي - وهل يأتي بها بالإيماء أو صلاة عادية فهذا مركزٌ ثاني من الكلام - أو أنَّ الأمر يسقط ؟

نسب إلى المشهور التفصيل بين ما إذا كان منشأ شرطية الشرط نهياً نفسياً وبين ما إذا كان دليلٌ دلَّ على الشرطية وأن الصلاة مشروطه بهذا الشرط والصلاة مطلوبة به ، ومثال الأوّل الغصب فإنَّ الاباحة شرط ولكن منشأ الشرطية نهي نفسي مستقل وهو ( لا يحلّ دم امرئٍ مسلم ولا ماله إلا بطيبة نفس منه ) ، ومثال الثاني الذي ليس نهياً مستقلاً وإنما الشرطية بعنوانها دلّ الدليل عليها مثل شرطية إباحة لباس المصلّي فإنَّ منشأ الشرطية هو مثل موثقة ابن بكير حيث قالت يلزم في الصلاة أن يكون اللباس مما يحلّ أكله ، فإذن جعل هذه الشرطية بعنوانها وليس المنشأ نهياً تكليفياً ، وإلا لا يوجد نهي تكليفي لأنَّ لبس جلد النمر ليس بحرام سواء كان مذكى أو غير مذكى غايته قد يكون نجساً إذا لم يكن مذكى فلا حرمة فيه ، نعم الصلاة فيه باطلة ولذلك يلزم نزعه في الصلاة.

فإذن المشهور نسب إليهم التفصيل بين ما إذا كان منشأ الشرطية نهياً تكليفياً وبين ما إذا كان هو دليل دلَّ على الشرطية ، فإذا كان منشأ الشرطية هو النهي التكليفي فحيث إنَّ هذا النهي التكليفي قد سقط بالاضطرار فيعود حينئذٍ الأمر الأوّل بالصلاة بلا مقيّد فنأخذ به بلا حاج إلى أمرٍ جديد ، فهو لم يكن يشترط الاباحة ولكن نحن اشترطنا الاباحة بالحرمة التكليفية النفسية والحرمة قد سقطت فيبقى ذلك الأمر على حاله ، وأما إذا كان منشأ الشرطية الدليل قد دلّ عليها كما قلنا بالنسبة إلى شرطية أن لا يكون اللباس مما لا يؤكل لحمه ففي مثل هذه الحالة نحتاج إلى أمرٍ جديد ، لأني وإن اضطررت لا بسوء الاختيار - فإنَّه إن لم ألبس هذه الملابس سوف أمرض فأنا مضطرٌّ لا بسوء الاختيار - فحينئذٍ هنا تقول الأمر بالصلاة يسقط باعتبار أنَّ دليل الشرطية - وهو موثقة ابن بكير - مطلقٌ فالصلاة فاسدةٌ ، ففي موثقة ابن بكير مطلقٌ ولم يفصّل بين ما إذا كان مضطراً وبين ما إذا لم يكن مضطراً وأنَّ الشرطية ثابتة في حالة عدم الاضطرار دون حالة الاضطرار ، فإذا كانت الشرطية مطلقة ثابتة حتى في حالة الاضطرار فالأمر بالصلاة حينئذٍ سوف يسقط فنحتاج إلى أمرٍ جديد.

وقد يقول قائل:- إذا كان مضطراً إلى لبس هذا اللباس فكيف تكون شرطية اللباس مما لا يؤكل لحمه باقية ، بل لابدّ وأن تسقط الشرطية وإلا يلزم التكليف بما لا يطاق ؟

قلت:- إنَّ جوابه واضح ، وهو أنَّ بقاء هذه الشرطية يكون في صالحك وتوسعة لك لا أنه تكليفٌ بما لا يطاق ، لأنه حينما تقول إنَّ الشرطية باقية فالنتيجة تكون أنَّ الصلاة ليست بلازمة ، فلو قلنا شرطية الطهارة من الحدث باقية فلازم بقائها سقوط الصلاة ، وهذا توسعة للمكلف لا أنه تكليف بما لا يطاق ، فليس دائماً بقاء الشرطية يلزم منه التكليف بما لا يطاق ، بل بقاء الشرطية في مثل هذه الموارد يكون في صالح المكلّف.

فالمشهور فصّل كما ذكرت.

ولكن جاء الشيخ النائيني(قده) وقال:- إنه حتى لو كان منشأ الشرطية نهياً تكليفياً فالأمر الأوّل لا يمكن التمسّك به بل هو يسقط ونحتاج إلى أمرٍ جديد ، والوجه في ذلك:- هو أنَّ النهي عن الغصب في حديث النهي عن الغصب ( لا يحلّ دم امرئ مسلم وماله إلا بطيبة نفس منه ) يستفاد منه حكمان الأوّل حرمة الغصب والثاني عدم وجوب الصلاة لو وقعت في المغصوب.

كما أنَّ بين الوجوب وبين الحرمة توجد مضادّة ، وقد قرأنا في باب الضدّ أنّ وجود أحد الضدّين لا يتوقّف على عدم الثاني ، ولا عدم الثاني يتوقّف على وجود الأوّل وهذه قضيّة مسلّمة في باب الضدّ ، فعلى هذا الأساس نقول حينئذٍ إذا فرض أنَّ الحرمة كانت ثابتة فهي نقيض للوجوب فلا تولّد عدم الوجوب حتى نقول إذا زالت يتولّد الوجوب فإنَّ هذا خُلف ما قرأناه في باب الضدّ ، فإذن ليس من الصحيح قولكم أيها المشهور إذا ارتفعت الحرمة سوف يأتي الوجوب فإنَّ هذا مبنيٌّ على أنَّ عدم الوجوب ناشئ ومعلول للحرمة ، وقد عرفنا في باب الضدّ أنه ليس معلولاً للحرمة ، فإذا ارتفعت الحرمة لا يلزم ارتفاع عدم الوجوب وتبدّله إلى الوجوب كما أردتم.