38/04/12


تحمیل

آیةالله الشيخ محمداسحاق الفیاض

بحث الأصول

38/04/12

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الموضوع: دليل الانسداد

ذكرنا أن العلم الإجمالي على القول بأنه علة تامة للتنجيز لا يتصور المانع عنه لا الأصول العملية المؤمنة ولا غيرها فإن فرض وجود المانع لا ينسجم مع فرض كونه علة تامة لأن معنى كونه علة تامة أنه لا يوجد مانع في البين، ففرض وجود المانع عن تنجيز العلم الإجمالي على القول بأنه على تامة لا يتصور.

واما على القول بأن تنجيز العلم الإجمالي يكون بنحو الاقتضاء فعندئذ يقتضي العلم الإجمالي تنجيز المعلوم بالإجمال ولكنه مشروط بأن يكون العلم الإجمالي متعلقا بالتكليف الفعلي الموجه إلى المكلف على جميع التقادير أي سواء أ كان في هذا الطرف أو في ذاك الطرف، فإذا فرض خروج بعض أطراف العلم الإجمالي عن محل الابتلاء فعندئذ لا يكون شرط تنجيز العلم الإجمالي متوفرا، لأن العلم الإجمالي وإن تعلق بالتكليف إلا أنه لا يكون موجها إلى المكلف على جميع التقادير فإن الطرف الذي يكون خارجا عن محل الابتلاء إذا كان متعلقا للتكليف فهو غير موجه إلى المكلف.

فالخروج عن محل الابتلاء دخيل في اتصاف العلم الإجمالي بالتنجيز فهو بمثابة الشرط لذلك ومن هنا إذا كان المعلوم بالإجمال تكليفا فعليا وموجها إلى المكلف على جميع التقادير يكون شرط تنجيز العلم الإجمالي متوفرا وحينئذ نرجع لنرى المانع عن تأثير العلم الإجمالي في التنجيز هل يوجد او لا يوجد؟ والمانع المتصور هو جريان الأصول العملية المؤمنة كأصالة البراءة ونحوها فإنْ لم تجر هذه الأصول إما من جهة قصور المقتضي بمعنى أن أدلة هذه الأصول قاصرة الدلالة عن الشمول لأطراف العلم الإجمالي ومنصرفة عنها فعندئذ لا مقتضي لجريان الأصول المؤمنة في أطراف العلم الإجمالي، وأما من جهة سقوطها بالمعارضة فعندئذ يكون تأثير العلم الإجمالي فعلي أي يكون العلم الإجمالي بنحو العلة التامة للتنجيز لأن المقتضي للتنجيز موجود وهو العلم الإجمالي والشرط متوفر وهو تعلق العلم الإجمالي بالتكليف الموجه الى المكلف على كل تقدير والمانع مفقود، وعندئذ يكون تأثيره في تنجيز المعلوم بالإجمال في جميع أطرافه بنحو العلة التامة.

وعلى هذا فلا يعقل التبعيض أي لا يعقل أن لا يكون العلم الإجمالي منجزا للمشكوكات والموهومات ويكون منجزا للمظنونات فقط وإلا لزم انفكاك المعلول عن العلة التامة وهو مستحيل.

فإذاً تنجيز العلم الإجمالي بعد توفر الشرط وعدم المانع يكون بنحو العلة التامة فلا يعقل أن يكون الظن غير المعتبر موجبا لصرف التنجيز عن المشكوكات والموهومات إلى المظنونات.

الوجه الثاني: ــ من التخريج ــ أن أطراف العلم الإجمالي في المقام تنقسم إلى ثلاث فئات:

الفئة الأولى: المظنونات.

الفئة الثانية: المشكوكات.

الفئة الثالثة: الموهومات. غاية الأمر أن الموهومات عدمها مظنون فإن كان الموهوم ثبوت التكليف فعدم ثبوته مظنون وإن كان الموهوم عدم ثبوت التكليف فثبوته مظنون.

والظن من جهة قوة احتماله يكون مرجحا لتقديم الاحتياط في المظنونات على الاحتياط في المشكوكات والموهومات.

والجواب عن ذلك: أن الظن لا يصلح أن يكون مرجحا بحكم العقل أيضا لأن الظن إذا كان حجة شرعا فهو مانع عن تنجيز العلم الإجمالي حكما وموجب لانحلاله بحكم الشارع. واما إذا لم يكن حجة فلا أثر له ومجرد أقوائية كشفه عن الواقع بالنسبة إلى الشك والوهم لا يوجب مزية له لأن الواقع غير المنجز لا أثر له ولا يكون الوصول إليه مطلوبا من الشارع، فشرب الماء المتنجس واقعا والذي لم يقم على نجاسته دليل لا يكون ذا أثر لأنه واقع غير منجز فيكون وجوده كالعدم.

ومن هنا لا يحكم العقل بترجيح الظن غير المعتبر على الشك والوهم بعد كون نسبة العلم الإجمالي إلى الجميع على حد سواء لأن العلم الإجمالي كما يكون منجزا للتكليف المحتمل على نحو الظن كذلك يكون منجزا للتكليف المحتمل على نحو الشك او الوهم فلا فرق في ذلك. هذا مضافا إلى ما ذكرناه من أنه لا يمكن ان يحكم العقل بترجيح الظن فإن معنى حكم العقل بترجيح الظن هو انحلال التنجيز وصرفه من الموهومات والمشكوكات إلى المظنونات وهو غير معقول كما تقدم بعد وجود المقتضي وتوفر الشرط وعدم المانع من تأثير العلم الإجمالي في تنجيز المعلوم بالإجمال.

الوجه الثالث: صلاحية الظن من جهة قوة احتماله للترجيح حيث إنه من احد مرجحات باب التزاحم.

والجواب عن ذلك: واضح..

أما أولاً: فلأنه ليس من مرجحات باب التزاحم إذ هي إما أهمية أحد المتزاحمين على الآخر أو احتمال أهميته ومن الواضح أن قوة الاحتمال لا تكون مساوية للأهمية، لأنها قد تجتمع معه وقد تفترق عنه، فلا يكون المرجح قوة الاحتمال.

وثانيا: المقام لا يكون داخلا في باب التزاحم لأن التزاحم إنما يكون بين حكمين فعليين ثابتين في الشريعة المقدسة في مرحلة الجعل ويكون التزاحم بينهما في مرحلة الامتثال كالتزاحم بين إزالة النجاسة عن المسجد وبين الصلاة في آخر الوقت. وفي المقام يكون التزاحم بين احتمال أن يكون التكليف في المظنونات وبين احتمال أن يكون التكليف في المشكوكات والموهومات فلا يكون المقام داخلا في باب التزاحم.

الوجه الرابع: أن الظن وإن لم يكن صالحا للتنجيز من جهة قوة احتماله إلا أن الأمر في المقام يدور بين خروج المكلف عن عهدة التكليف المعلوم بالإجمال إما من خلال الاحتياط في المظنونات وإما من خلال الاحتياط في المشكوكات والموهومات، والعقل يحكم ببراءة الذمة من خلال الاتيان بالمظنونات وترك المشكوكات والموهومات، كما أن احتمال العكس بان يأتي بالمشكوكات والموهومات بدلا عن الاتيان بالمظنونات مفقود.

وبكلمة: ان المقام من دوران الأمر بين التعيين والتخيير، حيث إن المكلف يعلم أن وظيفته إما الاحتياط في المظنونات تعيينا أو ان وظيفته التخيير بين الاحتياط في المظنونات والاحتياط في المشكوكات والموهومات، وفي دوران الأمر بين التعيين والتخيير يحكم العقل بالتعيين، فيجب الاحتياط في المظنونات دون المشكوكات والموهومات.

والجواب عن ذلك: أن حكم العقل بالتعيين في دوران الأمر بين التعيين والتخيير إنما هو في موردين:

المورد الأول: فيما إذا دار الأمر بين حجية احد الخبرين وحجية الخبر الآخر أي أن المكلف لا يعلم أن حجية هذا الخبر بنحو التعيين أو أنها بنحو التخيير ففي مثل ذلك يحكم العقل بالتعيين لأن ما يحتمل ان تكون حجيته تعيينا فهو حجة قطعا إما تعيينا او تخييرا، وأما ما لا يحتمل حجيته تعيينا فحجيته مشكوكة بالشك البدوي والشك في الحجية مساوق للقطع بعدم الحجية فعلا فمن أجل ذلك يحكم العقل في هذا المورد بالتعيين.

المورد الثاني: ما إذا دار أمر المحصل للواجب البسيط بين الأقل والأكثر ففي مثل ذلك يكون الاتيان بالأكثر موجبا لليقين بتحقق الواجب واما الاتيان بالأقل فلا يعلم معه بتحقق الواجب، وفي مثله يحكم العقل بالإتيان بالأكثر بملاك قاعدة الاشتغال لأن اليقين بالشغل يقتضي اليقين بالفراغ، وحيث إنه يعلم باشتغال ذمته بالواجب فلا بد من تحصيل اليقين بفراغ ذمته منه ولا يمكن ذلك إلا بالإتيان بالأكثر.

والحاصل أن في هذين الموردين يحكم العقل بالتعيين وأما في غيرهما كتردد أمر الواجب بين الأقل والأكثر كما هو الحال في تردد المكلف انه مكلف بالصلاة مع السورة او مكلف بالصلاة من دونها ففي مثله لا يحكم العقل بالتعيين بل هنا تجري البراءة عن التعيين وتكون النتيجة هي التخيير لأن في التعيين كلفة زائدة وهذه الكلفة ترتفع بالبراءة.

وعليه لا يمكن المساعدة على ما ذكر في هذا الوجه من حكم العقل بالتعيين.

هذا مضافا إلى أن حكم العقل بالتعيين مبني على حكم العقل بالتبعيض في الاحتياط وانحلال التنجيز وهو غير معقول.