38/04/17


تحمیل

آیةالله الشيخ محمداسحاق الفیاض

بحث الأصول

38/04/17

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع: دليل الانسداد

ذكر صاحب الكفاية(قده) أن الاضطرار إلى غير المعين يوجب انحلال العلم الإجمالي وحيث أن المكلف مضطر إلى ترك الاحتياط في بعض أطراف العلم الإجمالي كما في المشكوكات والموهومات فهذا الاضطرار يوجب انحلال العلم الإجمالي إلى علم تفصيلي برفع التكليف عن موارد الاضطرار والشك البدوي في موارد غير الاضطرار فإذا فرضنا أن موارد ترك الاحتياط من جهة رفع الاضطرار تنطبق على الموهومات والمشكوكات فعندئذ ينحل العلم الإجمالي إلى علم تفصيلي برفع التكليف في المشكوكات والموهومات على تقدير ثبوته وشك بدوي في المظنونات فعندئذ لا مانع من الرجوع إلى البراءة العقلية في المظنونات. ولازم ذلك عدم وجوب الاحتياط على المكلف في حال انسداد باب العلم والعلمي من جهة ان الاضطرار يوجب انحلال العلم الإجمالي فيكون المكلف مطلق العنان يفعل ما يشاء ويترك ما يشاء وهو خلاف الضرورة من الدين إذ لا شبهة في تكليف الإنسان بالأحكام المجعولة في الشريعة المقدسة ولا طريق لنا إلى تلك الأحكام إلا الظن فيحكم العقل بحجية الظن وانه منجز لتلك الأحكام على تقدير الإصابة ومعذر على تقدير الخطأ وهذا هو معنى حجية الظن في باب الانسداد.

والجواب عن ذلك بوجوه:

الوجه الأول: أن الاضطرار إلى غير المعين لا يوجب انحلال العلم الإجمالي لا في مرحلة الاضطرار ولا في مرحلة التطبيق فإذا فرضنا ان المكلف يعلم إجمالا بحرمة شرب أحد الإناءين الإناء الشرقي والإناء الغربي وفرضنا اضطراره بسبب من الأسباب إلى شرب أحدهما لا على التعيين فمثل هذا الاضطرار لا يعقل أن يكون رافعا للتكليف لأن الاضطرار تعلق بغير ما تعلق به التكليف فالحرمة تعلقت بشرب الإناء الشرقي على تقدير ثبوت حرمته وتعلقت بشرب الإناء الغربي بعنوانه الخاص والاضطرار لم يتعلق لا بالإناء الشرقي بعنوانه الخاص ولا بالإناء الغربي بعنوانه الخاص وإنما تعلق بالجامع والمفروض ان الجامع لم يكن متعلقا للحرمة. فما تعلق به التكليف لم يتعلق به الاضطرار وما تعلق به الاضطرار لم يتعلق به التكليف فلا يعقل رفع هذا الاضطرار للتكليف وموجبا لانحلال العلم الإجمالي بل هو باق على حاله وهو منجز بينما الاضطرار على المعين ليس كذلك لأنا إذا فرضنا في نفس المثال أن المكلف اضطر إلى شرب الإناء الشرقي فقط فهذا الاضطرار يوجب انحلال العلم الإجمالي فالحرمة إذا كانت متعلقة بشرب الإناء الشرقي فهي ترتفع بالاضطرار واقعا بمقتضى (( رفع ما اضطروا إليه)) فإنه ظاهر في رفع الاضطرار للتكليف عما تعلق به ومن هنا ينحل العلم الإجمالي إلى علم تفصيلي بانعدام التكليف في الإناء الشرقي وشك بدوي في الإناء الغربي ولا مانع من الرجوع إلى البراءة العقلية او الشرعية فيه وهذا هو الفارق بين الاضطرار إلى المعين وبين الاضطرار إلى غير المعين فإن الاضطرار إلى المعين تعلق بنفس ما تعلق به التكليف وحينئذ يكون رافعا للتكليف واقعا فينحل العلم الإجمالي واقعا بانعدام التكليف في المضطر إليه على تقدير كونه متعلقا للتكليف والشك البدوي بالنسبة إلى الطرف الآخر فيجري الأصل المؤمن في الطرف المشكوك.

فما ذكره صاحب الكفاية من انحلال العلم الإجمالي بالاضطرار إلى غير المعين لا يمكن المساعدة عليه.

واما في مرحلة التطبيق: فإن المكلف لا يتمكن من الموافقة القطعية العملية ولا من المخالفة القطعية العملية إذا كان الاضطرار إلى غير المعين لفرض ترخيصه في تطبيق المضطر إليه على أي طرف من أطراف العلم الإجمالي شاء، ففي المثال يكون المكلف مخير في تطبيق المضطر إليه على أي واحد من الإناءين فإذا اختار الإناء الشرقي فيجوز له شربه وكذا لو اختار الإناء الغربي ولكن هذا التطبيق لا يرفع الحرمة غاية الأمر أنه على تقدير مصادفته للحرمة الواقعية فإنه يعذر المكلف من جهة الاضطرار.

وعلى هذا لا يكون الاضطرار إلى غير المعين رافعا للحكم لا في مرحلة الاضطرار ولا في مرحلة التطبيق.

فمن هنا إذا طبق المكلف المضطر إليه على أحد الإناءين وارتكب ذلك الإناء فلا يجوز له ارتكاب الإناء الثاني بل يجب عليه الاجتناب عنه لأن العلم الإجمالي منجز وهو باق ولا يرتفع هذا العلم الإجمالي بهذا الاضطرار وبتطبيقه على أحد طرفيه.

هذا ما يرد على صاحب الكفاية(قده).

وللمحقق العراقي[1] (قده) كلام وحاصله:

إن الاضطرار إلى غير المعين ابتداءً يرجع في نهاية المطاف إلى الاضطرار إلى المعين، فاضطرار المكلف إلى ترك الاحتياط في بعض أطراف العلم الإجمالي من جهة لزوم العسر والحرج فهذا الاضطرار في نهاية المطاف يرجع إلى الاضطرار إلى المعين. وعلل ذلك بأن أطراف هذا العلم الإجمالي مختلفة ومتفاوتة فإن فئة من أطراف هذا العلم الإجمالي مظنونة وفئة ثانية مشكوكة وفئة ثالثة موهومة وعلى هذا يدور الأمر بين تطبيق المضطر إليه على الفئة المظنونة او تطبيقه على الفئة الموهومة مع المشكوكة او بدونها، ولا شبهة في تعين تطبيق الاحتياط وهو المضطر إليه على الموهومات دون المظنونات وإلا لزم ترجيح المرجوح على الراجح وهو لا يمكن فالعقل يحكم بوجوب العمل بالفئة المظنونة وترك الاحتياط في الفئة الموهومة مع المشكوكة او بدونها من جهة انه ترجيح من غير مرجح.

والجواب عن هذه المحاولة: أن هذا منه(قده) غريب جدا فإن الخروج عن عهدة التكليف المعلوم بالإجمال من خلال العمل بالظن وترك الاحتياط في الفئة الموهومة مع الفئة المشكوكة او بدونها معلول لتنجيز العلم الإجمالي وفي طوله مع أن الاضطرار يوجب اسقاط العلم الإجمالي وانحلاله فكيف يكون وجوب العمل بالظن والخروج عن عهدة التكليف المعلوم بالإجمال مستند إلى تنجيز العلم الإجمالي لا أنه مسقط للعلم الإجمالي وموجب لانحلاله. وبيانه(قده) واضح في أن العلم الإجمالي باق وهو منجز للعمل بالمظنونات فلا بد للخروج عن عهدة التكليف المعلوم بالإجمال من خلال العمل بالظن لا بالوهم والشك وهذا معناه أن العلم الإجمالي منجز وغير ثابت، وهذا تهافت في كلامه(قده) وغريب أن يصدر مثل ذلك من مثله(قده).

وبكلمة أن الاضطرار إلى غير المعين يرجع إلى الاضطرار إلى المعين وهذا معناه انطباق المضطر إليه - وهو ترك الاحتياط - على الموهومات مع المشكوكات او بدونها وحينئذ يوجب انحلال العلم الإجمالي إلى علم تفصيلي برفع التكليف في الموهومات مع المشكوكات والشك البدوي في بقاء التكليف في المظنونات فعندئذ لا مانع من الرجوع إلى البراءة العقلية في المظنونات.

ومن حق المحقق العراقي أن يقول بان الاضطرار يوجب انحلال هذا العلم الإجمالي ويوجب رفع التكليف عن موارد الاضطرار والشك البدوي في موارد غير الاضطرار فينحل العلم الإجمالي إلى علم تفصيلي برفع التكليف في موارد الاضطرار وشك بدوي في موارد غير الاضطرار.

إلا أن هذا البيان في المقام أيضا غير صحيح ؛ لأن موارد الظن موارد كثيرة ويوجد لدينا علم إجمالي بثبوت احكام إلزامية في موارد الظن غاية الأمر بان هذا الاضطرار - على القول بانه يوجب انحلال العلم الإجمالي - يوجب انحلال العلم الإجمالي الكبير- الذي تكون أطرافه جميع الشبهات من المظنونات والمشكوكات الموهومات - إلى علم تفصيلي برفع التكليف في موارد الاضطرار وإلى علم إجمالي في موارد آخر في موارد المظنونات لأن المكلف يعلم بثبوت أحكام إلزامية فيها.

وعليه: لا ينحل هذا العلم الإجمالي إلى علم تفصيلي وشك بدوي بل ينحل إلى علم تفصيلي وعلم إجمالي آخر تكون دائرته أضيق من دائرة العلم الإجمالي الأول.