38/06/15


تحمیل

آیةالله الشيخ محمداسحاق الفیاض

بحث الأصول

38/06/15

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الموضوع: أصالة البراءة

إلى هنا قد تبين أن ما ذكره بعض المحققين من النقض على ما ذكره المحقق الأصفهاني مردود وكان ذكرنا لهذه الأمور بنحو الإجمال، وأما تفصيل ما في هذه الأمور من المناقشة فهو كالتالي:

الأمر الأول: ذكر(قده) أن محل النزاع في حالات احتمال التكليف والشك فيه هو قاعدة حق الطاعة فإن ثبت حق الطاعة في هذه الحالات فتفويته ظلم وتعد على المولى وإن لم يثبت حق الطاعة فيها فلا ظلم في تفويت حق الطاعة وليس مصب النزاع ومحله في أن ترك الطاعة في هذه الحالات ظلم أو ليس بظلم فإن هذا ليس محل النزاع ومصبه.

والظاهر أنه لا فرق بينهما إلا في التعبير واللفظ واما روحهما فواحدة فسواء كان محل النزاع في حالات الشك في ثبوت التكليف واحتماله حق الطاعة أو عدم حق الطاعة أو كان محل النزاع هو ترك الطاعة فإن مآل كليهما إلى واحد فإن ترك الطاعة ظلم إذا كان حق الطاعة ثابتا وليس بظلم إذا لم يكن ثابتا وكذلك حق الطاعة في هذه الحالات إن كان ثابتا فتركه ظلم وإن لم يكن ثابتا فتركه لا يعد ظلما، فلا فرق بينهما في اللب والواقع وإنما الاختلاف بينهما في صيغة النزاع.

الأمر الثاني: ما ذكره(قده) من أن مراد المحقق الأصفهاني من الحجة إن كان المنجزية والمعذرية فتكون الحجة بمعنى مصححة العقاب لأن الحجة منجزة للوجوب فهي مصححة للعقاب على مخالفته وذكر(قده) ان الإشكال على ذلك هو أن لازم كون الحجة بمعنى المنجزية والمعذرية وما يصحح العقاب أن تكون القضية ضرورية بشرط المحمول لأن معناه حينئذ انه إذا قام ما يصحح العقاب يصح عقابه وهي قضية ضرورية بشرط المحمول.

والظاهر ان هذا الإشكال أيضا غير وارد فإن مراد المحقق الأصفهاني(قده) من الحجة هي المنجزة للوجوب فيصح العقاب على مخالفته واما ان الحجة ما يصحح العقاب فهو أمر انتزاعي لا واقع موضوعي له في الخارج وما هو في الخارج هو الحجة والمنجزية والمعذرية للوجوب ومنجزية الوجوب أو الحرمة موجبة لصحة العقاب على المخالفة فما يصحح العقاب امر انتزاعي لا واقع موضوعي له في الخارج فهذا الإشكال أيضا غير وارد.

الأمر الثالث: ذكر(قده) أن ما ذكره المحقق الأصفهاني من عدم صلوح احتمال التكليف لأن يكون بيانا ومحركا ورتب عليه جريان قاعدة قبح العقاب بلا بيان دون قاعدة حق الطاعة هو مصادرة على المطلوب لأنه جعل المدعى عين الدليل والدليل عين المدعى فإن المدعى هو ان احتمال التكليف لا يصلح أن يكون بيانا ومحركا ورتب عليه جريان قاعدة قبح العقاب بلا بيان ولكن علل جريان القاعدة بأن احتمال التكليف لا يصلح أن يكون بيانا فجعل المدعى عين الدليل.

وهذا الإشكال أيضا غير وارد لأن المراد من عدم صلاحية احتمال التكليف لأن يكون بيانا ومحركا هو احراز موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان إذ موضوعها هو عدم صلاحية احتمال التكليف لأن يكون بيانا وحجة ويترتب عليه ان موضوع القاعدة محقق وحينذاك يكون انطباق القاعدة على موضوعها امر قهري فلا يحتاج إلى دليل وعلة حتى يقال ان الدليل عين المدعى فلا موضوع للمصادرة في المقام.

الأمر الرابع: ان ما ذكره(قده) من أن قضية قبح الظلم وحسن العدل قضية ثانوية بحكم العقل العملي وهي في طول قضية أخرى في المرتبة السابقة وهي ثبوت الحق للغير في المرتبة السابقة بحكم العقل العملي وعليه فلا تكون قضية حسن العدل وقبح الظلم من القضايا الفطرية الأولية كما ذكرها المحقق الأصفهاني.

وهذا الإشكال أيضا غير وارد لأن لكل قضية حقيقية مرتبتين: مرتبة الإنشاء والجعل ومرتبة الفعلية، ومرتبة الإنشاء يجعل فيها الحكم للموضوع المقدر وجوده في الخارج سواء كان موجودا ام لم يكن موجودا فالشارع جعل وجوب الحج عل المستطيع وإن لم يكن المستطيع موجودا في الخارج فالجعل ثابت في عالم الجعل ولكنه لا أثر له لأنه ليس بفعلي ولا يكون محركا للمكلف وداعيا في نفس المكلف نعم إذا صار فعليا بفعلية موضوعه في الخارج كأن وجد الشخص المستطيع في الخارج فيصير وجوب الحج عليه فعلي ومحرك للمكلف وداعيا في نفسه على الإتيان به.

وما نحن فيه أيضا كذلك فإن العقل يحكم بقبح الظلم والظلم في مرحلة الإنشاء وفي مرحلة الحكم مفروض الوجود في الخارج أي فرض سلب ذي الحق عن حقه في الخارج وحكم بقبحه وإن لم يكن الحق موجودا في الخارج واما إذا صار هذا الحق فعليا بان ثبت لشخص موجود صار القبح أيضا فعليا لأن تفويت هذا الحق في الخارج ظلم وهو قبيح فكما ان ثبوت هذا الحق وتفويته فعلي فكذلك قبح الظلم فعلي لأن الظلم فعلي بفعلية موضوعه في الخارج فإذا صار الحق فعليا فبطبيعة الحال يكون الظلم فعليا لأن الظلم معناه سلب هذا الحق عن صاحبه وبما ان هذا الحق ثابت فيكون تفويته ظلم.

وما ذكره(قده) من أن الحاكم بثبوت حق للغير في المرتبة السابقة إنما هو بحكم العقل العملي فالأمر ليس كذلك؛ فإن ثبوت الحق تابع لأسبابه ولا صلة له بحكم العقل العملي كثبوت الملك لأحدٍ فإن ثبوت الملك للمالك تابع لأسبابه ولا صلة له بحكم العقل العملي فالعقل لا يحكم بثبوت حق لزيد او عدم ثبوته له فإن ثبوت الحق لزيد يتبع أسبابه وليس بحكم العقل وعليه لا يمكن المساعدة على ما ذكره من ان ثبوت هذا الحق بحكم العقل العملي.

فالنتيجة: ان قضية قبح الظلم وقضية حسن العدل من القضايا الأولية الفطرية بحكم العقل العملي وجميع القضايا ترجع إليه والظلم علة تامة للقبح فلا يعقل صدق الظلم على فعل ولا يكون قبيحا وكذلك حسن العدل، بينما سائر الأشياء ليس كذلك لأن الصدق مثلا حسن ولا شبهة في حسنه ولكن قد يكون مبغوضا وقبيحا كما إذا ترتب عليه قتل مؤمن أو اتلاف ماله او تعدٍ على عرضه فإن مثل هذا الصدق يكون قبيحا رغم أنه صدق والكذب في نفسه قبيح ولكن قد يكون حسنا كما إذا كان لإنقاض مؤمن أو ماله او عرضه فإن هذا الكذب يحكم بحسنه مع أنه كذب وهذا لا يتصور في الظلم فلا يمكن ان يقال عن فعل ما أنه ظلم ولا يكون قبيحا.

وعلى هذا فجميع القضايا ترجع على قضيتي التحسين والتقبيح العقليين وما ذكره الأشعري من الإنكار مبني على مذهبه من ان الأفعال الصادرة من الناس ليست أفعالا اختيارية فالإنسان كالآلة غير الواعية بالنسبة إلى صدور الأفعال.

واما ما ذكره بن سينا من ان حكم العقل بالحسن او القبح إنما هو ببناء العقلاء على ذلك وان سيرة العقلاء قد جرت على حسن العدل وقبح الظلم فيحكم العقل بحسن العدل وقبح الظلم لبناء العقلاء على ذلك ولولا بناء العقلاء لا يحكم العقل فهو أيضا مما لا يمكن المساعدة عليه بل هو خلاف الضرورة والوجدان؛ لأنا إذا فرضنا عدم وجود عاقل على سطح الكرة الأرضية فالمفروض على هذه القول ان لا يدرك العقل قبح الظلم وهو كما ترى إذ إدراك قبح الظلم أمر فطري وجبلّي كان هنا بناء للعقلاء أم لم يكن.

هذا تمام كلامنا في الوجه الثاني.