38/06/16


تحمیل

آیةالله الشيخ محمداسحاق الفیاض

بحث الأصول

38/06/16

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الموضوع: أصالة البراءة

الوجه الثالث: ما ذكره المحقق الأصفهاني[1] (قده) وحاصل هذا الوجه أن التكليف على نوعين:

النوع الأول: التكليف الإنشائي وهو التكليف في مرحلة الجعل والاعتبار فإن المولى يجعل التكليف للموضوع المقدر وجوده في الخارج سواء كان الموضوع موجودا في الخارج او لم يكن موجودا كما إذا جعل وجوب الحج على المستطيع وإن لم يكن المستطيع موجودا في الخارج فالحكم في مرحلة الجعل والإنشاء موجود ولكن لا أثر له ولا يكون محركا للمكلف ولا داعيا له للإتيان بالمأمور به فإنْ لم يكن الشخص مستطيعا في الخارج فلا أثر لوجوب الحج المجعول على المستطيع في عالم الاعتبار والجعل ولا يكون وجوده في هذا العالم محركا وداعيا في نفس المكلف.

النوع الثاني: التكليف الحقيقي ويقصد به التكليف الفعلي وفعلية التكليف إنما هي بفعلية موضوعه في الخارج فإذا تحقق موضوعه في الخارج تحقق الحكم وصار فعليا فزيد اذا صار مستطيعا صار وجوب الحج عليه فعليا وإذا دخل على المكلف الوقت صار وجوب الصلاة عليه فعليا وكذا إذا بلغ فإن فعلية التكليف إنما هي بفعلية موضوعه في الخارج وإذا علم بهذا الحكم صار الحكم منجزا أي موجبا لاستحقاق العقوبة على مخالفته والمثوبة على موافقته ومن هنا ذكر(قده) أن التكليف الحقيقي متقوم بالوصول بنحو من انحاء الوصول سواء كان وصوله بالوجدان أو بالتعبد وهو محرك للمكلف وداعيا في نفس المكلف إلى الطاعة والعبودية فمورد الطاعة والعبودية هو التكليف الواصل.

فإذاً فرق بين عدم العقاب وعدم التكليف الحقيقي فإن عدم العقاب حينئذ سالبة بانتفاء الموضوع لأنه لا تكليف حتى يعاقب على مخالفته والتكليف في مرحلة الجعل لا أثر له فوجوده وعدمه سيان وأما عدم العقاب من جهة عدم وصول التكليف بالعلم الوجداني او بالعلم التعبدي فهو الموضوع لقاعدة قبح العقاب بلا بيان فإذا لم يقم بيان لا وجدانا ولا تعبدا فالمرجع هو هذه القاعدة.

فالنتيجة أن ما ذكره المحقق الأصفهاني أن التكليف الواصل الى المكلف بالعلم الوجداني او بالعلم التعبدي هو المحرك للمكلف واما التكليف الواصل بالاحتمال فهو غير محرك وغير منجز والمرجع فيه قاعدة قبح العقاب بلا بيان لا قاعدة حق الطاعة.

وقد اشكل عليه بعض المحققين[2] (قده) ان التكليف الحقيقي وإن كان متقوما بنحو من انحاء الوصول ولكن لا ينحصر الوصول بالعلم الوجداني او بالعلم التعبدي بناء على سعة دائرة حق الطاعة بل الوصول بجميع انحائه مقوم للتكليف الحقيقي وإن كان الوصول بالاحتمال فهو أيضا محرك للمكلف والمرجع فيه حينئذ قاعدة حق الطاعة والعبودية.

نعم بناء على ما ذكره المحقق الأصفهاني من ضيق دائرة حق الطاعة والعبودية فالوصول الاحتمالي لا يكون محركا ولا يكون منجزا إلا انه قد اشكل عليه انه مصادرة على المطلوب فإنه علل جريان قاعدة قبح العقاب بلا بيان بان الوصول الاحتمالي للتكليف لا يكون بيانا ومحركا ومنجزا وجعل نفس هذا مدعاه فيكون المدعى عين الدليل ولكن تقدم الجواب عن ذلك وقلنا عن المحقق الأصفهاني ليس في مقام الاستدلال على تطبيق قاعدة قبح العقاب بلا بيان بل هو في مقام بيان تحقق موضوع القاعدة وأن موضوعها قد تحقق في المقام ومع تحقق موضوعها في المقام فانطباقها على موضوعها قهري ولا يحتاج معه إلى دليل كي يلزم ان يكون المدعى عين الدليل.

وهنا مسألتان لا بأس بالإشارة إليهما:

المسألة الأولى: انه يظهر من كلام المحقق الأصفهاني(قده) وكذلك من كلام بعض المحققين(قده) من ان الحكم الحقيقي متقوم بالوصول يظهر من هذا التعبير أنهم يرون ان للحكم مراتب ثلاث:

المرتبة الأولى: مرتبة الإنشاء ومرتبة الجعل.

المرتبة الثانية: مرتبة الفعلية وهي فعلية الحكم بفعلية موضوعه.

ولكن ذكرنا غير مرة ان المراد من فعلية الحكم فعلية محركيته وفعلية داعويته لا فعلية نفسه إذ يستحيل ان يوجد الحكم في الخارج وإلا لكان من الموجودات الخارجية مع أنه من الأمور الاعتبارية التي لا وجود لها في الخارج وإنما هو موجود في عالم الاعتبار والذهن فقط ويستحيل ان يوجد في الخارج وإلا كان خلف فرض انه أمر اعتباري. فالمراد من فعلية الحكم فعلية فاعليته فإنه إذا دخل الوقت يكون وجوب الصلاة فعلي أي ان فاعليته ومحركيته للمكلف صارت فعلية وقبل دخول الوقت لا يكون محركا وداعيا.

والمرتبة الثالثة: مرتبة التنجز وهي التي يكون التكليف الفعلي فيها واصلا الى المكلف بالعلم ومعه يكون الحكم منجزا على المكلف فيوجب استحقاق العقوبة على مخالفته والمثوبة على موافقته وهذا بخلاف فعلية الحكم فإنها لا تتقوم بالوصول الى المكلف وإنما تتقوم بفعلية موضوع التكليف في الخارج علم به المكلف أو لم يعلم ولكن تنجز الحكم الفعلي متقوم بالوصول فإذا علم بالحكم الفعلي وجدانا او تعبدا فهو منجز. وهل الوصول الاحتمالي منجز ايضا او لا يكون منجزا؟ فيه كلام.

ولكن قلنا غير مرة ان للحكم مرتبة واحدة وهي مرتبة الجعل فإن الجعل سعة وضيقا هو الأمر الذي يكون بيد الشارع اما فعلية الحكم بفعلية موضوعه فهي أمر قهري خارج عن اختيار الشارع فإن فعلية الحكم بفعلية موضوعه في الخارج كفعلية المعلول بفعلية علته فهو امر قهري خارج عن الإرادة والاختيار فلا يمكن ان يكون فعلية الحكم من مراتب الحكم وكذلك الأمر في مرتبة تنجزه فإن التنجز إنما هو بحكم العقل فإذا وصل الحكم إلى المكلف بالعلم الوجداني او بالعلم التعبدي فهو منجز بحكم العقل العملي فالتنجز إنما هو بحكم العقل ولا صلة له بالشارع والذي هو بيد الشارع هو جعل الحكم وإنشائه وعليه فالصحيح ان للحكم مرتبة واحدة لا أربع مراتب كما ذكره المحقق الخراساني ولا ثلاث مراتب ولا مرتبتين بل مرتبة واحدة.

المسألة الثانية: تقدم أن الوصول الاحتمالي لا يكون حجة ولا يكون بيانا ومحركا ومنجزا لا شرعا كما هو واضح فإن الأدلة قائمة على حجية أخبار الثقة وحجية الظواهر ولا دليل على حجية احتمال التكليف فلا دليل على ان الوصول الاحتمالي حجة على المكلف ولا عقلا ولا عقلاءً اذ العقلاء لا يحكمون بذلك ايضا فإنهم في موارد الشك في التكليف واحتمال ثوبته يتمسكون بقاعدة قبح العقاب بلا بيان لا بقاعدة حق الطاعة.

فالصحيح: ان الوصول الاحتمالي لا يصلح ان يكون بيانا وعليه يكون المرجع قاعدة قبح العقاب بلا بيان التي هي قاعدة مرتكزة في أذهان الناس وثابتة في أعماق نفوسهم وموافقة للفطرة والجبلة لأنها من القضايا الأولية الفطرية.

قد يقال كما قيل: انا لو سلمنا ان الوصول الاحتمالي للتكليف لا يكون منجزا للتكليف ومحركا له إلا أنه لا مانع من أن يكون محركا ومنجزا لملاكه في مرحلة المبادئ لأن حقيقة الحكم وروحه هو ملاكه وملاك الحكم عبارة عن المصلحة والمفسدة والحب والبغض والإرادة والكراهة وهي من الأمور التكوينية المحفوظة في جميع حالات وصول التكليف وعلى هذا فالوصول الاحتمالي يكون محركا ومنجزا لمبادئ الحكم وملاكه التي هي حقيقة الحكم وروحه.

ولكن الجواب عن ذلك واضح: فإنه لا طريق لنا إلى ملاكات الأحكام إلا من طريق نفس الأحكام فإذا حكم الشارع بوجوب شيء فوجوبه طريق إلى أن هذا الشيء مشتمل على الملاك التي هي المصلحة الملزمة ومع قطع النظر عن الوجوب لا يكون لنا طريق إلى معرفة اشتمال الفعل على المصلحة.

وعلى هذا لا يعقل ان يكون الوصول الاحتمالي منجزا لملاك الحكم ومبادئه دون نفس الحكم لأن وصول المبادئ إنما هو بوصول الحكم وتنجزها إنما هي بتنجز الحكم ولا يمكن ان تكون مبادئ الحكم منجزة بدون تنجز الحكم.