38/06/13


تحمیل

الأستاذ الشيخ هادي آل راضي

بحث الأصول

38/06/13

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع: الأصول العمليّة / الأصول العملية/ الاستصحاب

بيّنا في الدرس السابق أنّ ظهور قوله: (فصليت، فرأيت فيه) في حصول اليقين بسبق النجاسة هو مصب الإشكال، والإشكال اساساً وارد على أساس هذا الظهور، وإلاّ إذا رفعنا اليد عن هذا الظهور لا يرِد الإشكال، الإشكال يقول مع فرض حصول اليقين بسبق النجاسة بعد الصلاة، كيف يمكن تعليل عدم وجوب الإعادة بحرمة نقض اليقين بالشك ؟! والحال أنه مع اليقين بسبق النجاسة لا تكون الإعادة نقضاً لليقين بالشك؛ بل نقض لليقين باليقين، ومصب الإشكال هو هذا الظهور، لكنّ استفادة الاستصحاب من الرواية ليس مصبّه هذا الظهور، وإنّما استفادة الاستصحاب من الرواية ثابتة بقطع النظر عن هذا الظهور، بمعنى أنه حتى لو أنكرنا هذا الظهور وقلنا بأنّ العبارة لا يُستفاد منها حصول اليقين بسبق النجاسة، مع ذلك يمكن أن يقال أننا نستفيد الاستصحاب في قِبال قاعدة اليقين، وذلك لما ذكرناه من أنّ قاعدة اليقين لا يكفي فيها مجرد افتراض الشك بعد الصلاة؛ بل لابدّ مع ذلك من افتراض حصول اليقين بطهارة الثوب قبل الصلاة وبعد الفحص وعدم العثور، وبعد الصلاة حصل الشك؛ حينئذٍ يكون الشك سارياً إلى اليقين. فلابدّ من افتراض يقينٍ قبل الصلاة وشك بعد ذلك، فإذن: الرواية لا تنطبق على قاعدة اليقين بمجرّد رفع اليد عن ظهور قوله: (فصلّيت، ثمّ رأيت فيه) في حصول اليقين، حتى لو رفعنا اليد عن هذا الظهور، وقلنا بأنه لم يحصل اليقين، وإنّما حصل له الشك، هذا لا يكفي لإثبات قاعدة اليقين، وإنّما لابدّ من افتراض حصول اليقين قبل الصلاة، بأن يُستفاد من قوله: (فنظرت فلم أرى شيئاً) يعني بعد الفحص وعدم العثور على النجاسة حصل له يقين بطهارة الثوب.

هذا ما منعناه سابقاً، وقلنا بأنّ(فنظرت فلم أرى شيئاً) لا يُستفاد منها حصول اليقين، وإنّما معناها لم أرى النجاسة والعبارة لا تتحمل تفسيرها بحصول اليقين لديه بعدم النجاسة، ولا تدل أصلاً على حصول اليقين بعدم النجاسة؛ بل ظاهر العبارة هو أنه فحص عن النجاسة، فلم يعثر عليها، فبقيت الحالة التي كانت موجودة قبل ظن الإصابة، فإذن: بناءً على هذا الفهم؛ حينئذٍ الرواية لا تنطبق على قاعدة اليقين، فيقال لابدّ من حملها على الاستصحاب، فيكون الاستدلال بالرواية على الاستصحاب ليس متوقفاً على افتراض ظهور الرواية بعد الصلاة في حصول اليقين؛ بل حتى إذا رفعنا اليد عن هذا الظهور مع ذلك الرواية لا تنطبق إلاّ على الاستصحاب ولا تنطبق على قاعدة اليقين.

إذن: مصبّ الإشكال غير النكتة التي نعتمد عليها لإثبات دلالة الرواية على الاستصحاب واستفادة الاستصحاب من الرواية. بناءً على هذا؛ حينئذٍ يمكن أن يقال: أنّ غاية ما يقتضيه الإشكال المطروح وعدم إمكان حلّه، هو أن يجبرنا على أن نرفع اليد عن ظهور (فصليت، فرأيت فيه) في حصول اليقين، فنرفع اليد عن هذا الظهور، لكن هذا هل يمنع من استفادة الاستصحاب من الرواية ؟ الظاهر أنه لا يمنع، باعتبار ما قلناه من أنّ استفادة الاستصحاب من الرواية ليس مستنداً إلى هذا الظهور حتى نقول إذا رفعنا اليد عن هذا الظهور؛ فحينئذٍ الرواية لا تدل على الاستصحاب. كلا ليس مستنداً إلى هذا الظهور، بدليل أننا لو رفعنا اليد عن هذا الظهور يمكننا الاستدلال بالرواية على الاستصحاب؛ لأنها لا تنطبق على قاعدة اليقين، فلابدّ من حملها على الاستصحاب، باعتبار أنّها إمّا أن تشير إلى الاستصحاب، وإمّا أن تشير إلى قاعدة اليقين، هي تُطبّق قاعدة من قواعد الشك، فإذا كان لا يمكن تطبيقها على قاعدة اليقين، فلابدّ من حملها على الاستصحاب حتى إذا رفعنا اليد عن هذا الظهور.

إذن: هذا الظهور يسبب إشكالاً صحيحاً، إذا لم نستطع حلّه نلتجئ إلى رفع اليد عن هذا الظهور، لكن هذا لا يؤثر في إمكان استفادة الاستصحاب من هذه الرواية.

وبعبارة أكثر وضوحاً: نكتة استفادة الاستصحاب من هذه الرواية هي ما تقدّم من استظهار حصول الشك قبل الصلاة من عبارة (فنظرت فلم أرى شيئاً) ليست نكتة استفادة الاستصحاب هي ظهور قوله: (فصليت، فرأيت فيه) في اليقين، كلا ، حتى إذا قلنا أنها ليست ظاهرة في اليقين، (فنظرت فلم أرى شيئاً) قبل الصلاة يُستفاد منه حصول الشك ولا نستفيد منه حصول اليقين، وإنّما يُستفاد منه حصول الشك. إذن: المكلّف شاك في نجاسة الثوب وطهارته قبل أن يدخل في الصلاة، هذه هي التي نستفيد منها الاستصحاب، المكلف عنده يقين سابق قبل ظن الإصابة بطهارة الثوب، وقع على ثوبه شيء، فحص عنه ولم يعثر عليه، فبقي شاكاً في أنّ ثوبه تنجس أو لم يتنجس، يقين سابق وشك لاحق، فيجري في حقه الاستصحاب. هذا هو الاستصحاب الذي قلنا بأنه يتعين أن يكون الاستصحاب الذي تشير إليه الرواية هو الاستصحاب بلحاظ حال الصلاة، فاستفادة الاستصحاب من الرواية يكون مبني على ذلك؛ وحينئذٍ نقول نفس الكلام بأنه لا يمكن حملها على قاعدة اليقين، حتى إذا فرضنا الشك بعد الصلاة؛ لأنّه بحسب الفرض لا يقين قبل الصلاة بنجاسة الثوب بعد الفحص وعدم العثور، ليس هناك يقين، وإنّما لدينا شك، مع هذا الفرض الذي استظهرناه من الرواية لا يمكن تطبيق الرواية على قاعدة اليقين، فيتعيّن حملها على الاستصحاب، لكن على الاستصحاب بلحاظ حال الصلاة. هذا هو الذي يمكن أن يقال في المقام بأنّ عدم حل الإشكال لا يمنع من استفادة الاستصحاب من الرواية .

الوجوه التي ذكرت لحل الإشكال

قبل أن نبيّن هذه الوجوه نحتاج إلى التذكير بأنّ الإشكال يبتني في الحقيقة على افتراض حصول اليقين بعد الصلاة بسبق النجاسة ووقوع الصلاة مع النجاسة؛ وإذا كان لديه يقين بأنّ الصلاة وقعت مع النجاسة كيف يمكن تعليل عدم الإعادة، أي صحة الصلاة بعدم نقض اليقين بالشك، والحال أنّ هذا نقض لليقين باليقين وليس نقضاً لليقين بالشك، هو ليس لديه شك بعد الصلاة، وإنما لديه يقين بأنّ صلاته وقعت مع النجاسة، فإذا أعاد الصلاة؛ فحينئذٍ لا يقال بأنّ هذه الإعادة نقض لليقين بالشك وهو منهي عنه وحرام؛ لأنّ الرواية تنهى عن نقض اليقين بالشك، الإعادة ليست نقضاً لليقين بالشك، لا معنى لتعليل عدم الإعادة والنهي عن الإعادة بحرمة نقض اليقين بالشك؛ لأنّه من باب نقض اليقين باليقين وليس من باب نقض اليقين بالشك. هذا هو مصب الإشكال .

هذا الإشكال الذي يرتكز على ظهور الجملة بعد الصلاة في حصول اليقين، لا يفرّق فيه بين أن يكون الملحوظ في تطبيق الاستصحاب في قوله: (ولا ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك) هو حال ما بعد الصلاة بأن يكون المقصود هو تطبيق الاستصحاب بلحاظ ما بعد الصلاة، أو يكون الملحوظ هو تطبيق الاستصحاب بلحاظ ما قبل الصلاة، على كلا التقديرين يرِد الإشكال.

توضيح الإشكال: إذا كان المقصود بالعبارة هو تطبيق الاستصحاب بلحاظ ما بعد الصلاة، يقول له: الآن أنت شاك ولا تنقض اليقين بالشك، فالإشكال فيه يكون واضحاً؛ لأنه بناءً على هذا الظهور هو ليس شاكاً، وإنّما هو على يقين من سبق النجاسة ومن وقوع الصلاة مع النجاسة، فلا معنى لأن يقول له إنّك كنت على يقين من طهارة الثوب وشككت في نجاسته وطهارته في حال الصلاة، فإذن: لا ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك. هو الآن متيقن بأنه صلّى بالثوب النجس، فإذن: لا معنى لتعليل عدم الإعادة بحرمة نقض اليقين بالشك، فالإشكال يكون واضحاً حينئذٍ بناءً على أن تكون العبارة ناظرة إلى مرحلة ما بعد الصلاة. أمّا إذا كان المراد هو إجراء الاستصحاب بلحاظ ما قبل الصلاة، باعتبار أنه قبل الصلاة كان شاكاً بحسب الفرض وعنده يقين سابق قبل ظن الإصابة بطهارة الثوب، وبعد ذلك وقبل الصلاة شكّ في الطهارة والنجاسة، فأركان الاستصحاب متوفرة، فيجري الاستصحاب بلحاظ ما قبل الصلاة، باعتباره كان شاكّاً قبل دخوله في الصلاة. الإشكال يقول: الاستصحاب يجري، لكن تعليل عدم الإعادة بهذا الاستصحاب الذي يجري بلحاظ ما قبل الصلاة مع العلم ببطلان هذا الاستصحاب ومع العلم بوقوع الصلاة مع النجاسة؛ لأنه هو تيقن بوقوع الصلاة مع النجاسة، الاستصحاب جرى عندما كان شاكاً، والاستصحاب حكم ظاهري يثبت في حال الجهل والشك ويرتفع في حال العلم بالخلاف، الآن هو علم بالخلاف؛ لأنّ المفروض أنه حصل له اليقين بوقوع الصلاة مع النجاسة، فلا معنى لأن يقول له لا تجب عليك الإعادة؛ لأن الاستصحاب جرى في حقك، يعلل عدم الإعادة بلا تنقض اليقين بالشك بلحاظ حال ما قبل الصلاة مع العلم بالخلاف وبطلان هذا الحكم الظاهري وانكشاف الواقع، الحكم الظاهري كان يقول له أبنِ على طهارة الثوب، والآن تبيّن أنّ الثوب كان نجساً، تعليل عدم الإعادة بالاستصحاب بلحاظ ما قبل الصلاة أيضاً فيه إشكال، الإشكال الذي يُطرح لا يختص بخصوص ما إذا كان الاستصحاب المستفاد من الرواية يجري بلحاظ ما بعد الصلاة؛ بل حتى إذا كان يجري بلحاظ ما قبل الصلاة أيضاً يمكن أن يصاغ الإشكال بهذا الشكل، وهو أنه: صحيح أركان الاستصحاب متوفرة بلحاظ ما قبل الصلاة، لكن هذا الاستصحاب إنّما يجوّز للمكلف الدخول في الصلاة ويُحكم بصحة الصلاة مادام لم يتبين الخلاف، أمّا مع انكشاف الخلاف لا مجال حينئذٍ للاستصحاب، لا مجال للحكم الظاهري مع انكشاف الخلاف، فإذن: مع العلم بأنّ الثوب كان نجساً عندما صلى به لا معنى لأن يقول له لا تجب عليك إعادة الصلاة؛ لأنّ الاستصحاب كان يجري سابقاً مع العلم بخلافه، فالتعليل أيضاً يواجه هذا الإشكال. هذا هو الإشكال الذي يقال في المقام ولابدّ من حلّه .

ما قلناه سابقاً هو أن ظاهر الرواية هو إجراء الاستصحاب بلحاظ ما قبل الصلاة؛ لأنّنا استفدنا من الرواية حصول اليقين بعد الصلاة والشك قبل الصلاة، فتكون أركان الاستصحاب متوفرة بلحاظ ما قبل الصلاة، والمقصود باليقين هو اليقين الموجود قبل ظن الإصابة، ثمّ فُرض الشك بعد الفحص وعدم العثور، فيرِد هذا الإشكال: أنّ الاستصحاب حكم ظاهري، ومع العلم بالخلاف يرتفع، فلا معنى للتعليل. هناك وجوه ذُكرت للجواب عن هذا الإشكال:

الوجه الأول: الذي ذكره صاحب الكفاية(قدّس سرّه) وحاصله هو[1] : أنّ الشرط في صحة الصلاة هو الأعم من الطهارة الواقعية والطهارة الظاهرية، فكما أنّ الطهارة الواقعية تحقق ما هو الشرط واقعاً، الطهارة الظاهرية أيضاً تحقق ما هو الشرط واقعاً، الشرط الواقعي لصحة الصلاة ليس هو خصوص الطهارة الواقعية ، وإنّما هو الأعم من الطهارة الواقعية والطهارة الظاهرية، فيكون الشرط موجوداً ومتحققاً واقعاً بالطهارة الواقعية أو بالطهارة الاستصحابية، ومن هنا لا مجال لافتراض تبيّن الخلاف؛ لأنه تحقق الشرط الواقعي، حتى إذا تيقن بعد الصلاة أنه صلّى في الثوب النجس، هذا لا يعني انكشاف الخلاف بلحاظ الشرط، الشرط الواقعي متحقق وموجب لتصحيح الصلاة؛ فحينئذٍ يقال: يمكن تعليل عدم وجوب الإعادة بهذا الاستصحاب باعتباره محققاً لما هو الشرط الواقعي في صحة الصلاة، فيمكن تعليله بهذه المناسبة، فيقال: لمَ لا تجب عليه الإعادة ؟ لأنّ الاستصحاب كان يجري في حقه بلحاظ ما قبل الدخول فغي الصلاة، وهذا الاستصحاب يحقق الشرط الواقعي لصحة الصلاة، فلا تجب عليه الإعادة، ولا معنى أصلاً لوجوب الإعادة، كيف أنه لا تجب عليه إعادة الصلاة إذا أحرز الطهارة الواقعية كذلك إذا أحرز الطهارة الظاهرية بواسطة الاستصحاب، فالطهارة الظاهرية تحقق ما هو الشرط واقعاً، ومعه تصح الصلاة حتى إذا حصل له اليقين بوقوع الصلاة مع الثوب النجس؛ لأنّ هذا اليقين بالصلاة مع الثوب النجس لا يعني انكشاف الخلاف بالنسبة إلى الشرط؛ لأنّ الشرط ليس هو الطهارة الواقعية فقط . ويهذا حينئذٍ يمكن المحافظة على كل هذه الأمور، أن نقول: أنّ الاستصحاب يجري بلحاظ ما قبل الصلاة لتوفر أركانه والتعليل أيضاً يكون صحيحاً، لماذا لا تجب عليك الإعادة ؟ لأنّ الاستصحاب جرى في حقّك بلحاظ ما قبل الصلاة، والاستصحاب يحقق ما هو الشرط الواقعي لصحة الصلاة.

الوجه الثاني: ما ذُكر من التمسك بمسألة الإجزاء، يعني إجزاء الإتيان بالمأمور به الظاهري عن الأمر الواقعي، يعني ما يأتي به بعنوان وظيفة ظاهرية، يكون مجزياً عن الواقع، وحتى لو تبين أنه لم يُصب الواقع يكون مجزياً ويُحكم بصحة الفعل إذا جاء به طبقاً للوظيفة الظاهرية الثابتة بالاستصحاب أو بغيره. هذا المكلف عمل بالوظيفة الظاهرية، كان عنده استصحاب يجري بلحاظ ما قبل الصلاة، وهذا الاستصحاب يحرز له طهارة الثوب، وهو دخل في الصلاة اعتماداً على الاستصحاب، فهو عمل بهذه الوظيفة الظاهرية، فيكون قد جاء بالمأمور به الظاهري، والإتيان بالمأمور به الظاهري يكون مجزياً عن الأمر الواقعي، فحتى لو انكشف الخلاف بعد ذلك وتبيّن أنه صلّى في الثوب النجس، ما جاء به يكون مجزياً، فيُكتفى بما جاء به وتصح الصلاة ولا تجب عليه الإعادة، والإمام(عليه السلام) علل عدم وجوب الإعادة بالاستصحاب باعتباره وظيفة ظاهرية، والمفروض أنّ هذا المكلف امتثل هذه الوظيفة الظاهرية، وامتثال المأمور به بالأمر الظاهري يكون مجزياً عن الأمر الواقعي، فيصح تعليل عدم وجوب الإعادة بالاستصحاب بهذا اللحاظ .