39/03/10


تحمیل

الأستاذ الشيخ باقر الايرواني

بحث الأصول

39/03/10

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع:- حجية لاطمئنان.

حجية الاطمئنان:-

الاطمئنان هو الظنُّ القوي الذي لم يعتنِ العاقل بالاحتمال المخالف له من قبيل ( 98 % زيد عالم ) أو 97% أو قد يكون 95% من موارد الاطمئنان ، فالعقلاء لا يعتنون لاحتمال اثنين أو ثلاثة أو خمسة بالمائة الباقي ، وهذا يعبّر عنه بالاطمئنان ، وهو حجة كالقطع ، والمدرك هو السيرة العقلائية ، فإنا فيما سبق ذكرنا أنَّ العقلاء يعتنون للاحتمال القوي فكيف إذا بلغت قوّة الاحتمال درجة الاطمئنان ، إنَّ هذا هو القدر المتيقن من سيرة العقلاء على الأخذ بالاحتمال القوي.

بل نصعّد اللهجة ونقول:- إنَّ حياتنا الاجتماعية مبنيّة على حجية الاطمئنان ، فتعاملاتنا عليه ، فالآن مثلاً اشتري بيتاً أو أتزوج امرأة من بيتٍ معين أو أزّج بنتي من بيت معيّن وما شاكل ذلك كلّ هذا مبنيّ على الاطمئنان حيث حصل عندي اطمئنان بأنَّ هذا البيت جيد فتزوّجت منه ، وإلا فعادةً لا يوجد قطع وإنما يحصل اطمئنان ، فحصل لي اطمئنان بأنَّ هذا البيت جيد وهذا الانسان جيد وهذه الدار جيدة ليس فيها خلل من جهة من الجهات فاشتريتها ، وهكذا معاملتنا الاجتماعية مبنيّة على الاطمئنان ، فعلى هذا الاساس يصير الاطمئنان حجّة بالسيرة العقلائية التي لم يردع عنها.

إن قلت:- إنَّ أدلة البراءة قيدت وقالت ( رفع عن أمتي ما لا يعلمون ) ، يعني أنَّ المدار على العلم فإذا لم يكن العلم موجوداً فحينئذٍ الحكم هو البراءة ، يعني حتى لو كان هناك اطمئنان بثبوت التكليف فإنه لا عبرة به وإنما المدار على العلم وهذا معناه إلغاء حجية الاطمئنان ، فالردع موجود ، فلماذا تقول إنَّ الردع ليس موجوداً وأنَّ هذه السيرة ممضاة ؟!!

قلت:-

أوّلاً:- إنَّ المنصرف من العلم المذكور هو العلم بالمعنى الأعم وليس العلم المنطقي - يعني الجازم الذي ينفي احتمال الخلاف - ، إنما المقصود من العلم هو العلم بمعناه العرفي الذي هو شاملٌ للاطمئنان فإنَّ الاطمئنان نحوٌ من العلم عرفاً وإن لم يكن علماً بالمستوى والمعنى المنطقي.

ثانياً:- إنَّ قوة الردع لابد وأن تناسب مع قوة المردوع ، وحيث إنَّ المردوع - وهو الأخذ بالاطمئنان - قضية عقلائية وذات وجذور وشائعة وثابتة بشكلٍ شديد وقوي فتحتاج إلى ردع بنواهٍ ونصوص متعدّدة لا بمثل دليل البراءة وأنه ( رفع عن أمتي ما لا يعلمون ) وأنَّ المدار على العلم.

ثالثاً:- إذا فرض أنَّ الشرع رفع الحجية عن الاطمئنان فلابد وأن يجعل بديلاً عنه حتى يسير عليه العقلاء والناس ، والقطع لا يصلح أن يكون بديلاً لأنه نادر التحقق وليس بشائع التحقق ، فلابد وأن يجعل لنا بديلاً ، وحيث إنّه لم يجعل بديلاً فيتضح من خلال ذلك أن الاطمئنان حجة بقرينة أنه لم يجعل بديلاً.

إن قلت:- إنَّ البديل موجود وهو خبر الثقة والظواهر مثلاً وما شاكل ذلك .

قلت:- إنَّ حجية هذه الأمور هي ثبتت من خلال الاطمئنان ، فإنَّ حجية خبر الثقة بالتالي ترجع إلى حجية الاطمئنان فإذا لم نقل بأنَّ الاطمئنان حجة لا يمكن أن نثبت حجّية السيرة ، لأنه تقول إنَّ السيرة مثلاً جرت على الأخذ بخبر الثقة وحيث إنَّ الشرع لم يردع عنها فيحصل حينئذٍ اعتقادٌ بأنها ممضاة ، فهذا الاعتقاد هو على مستوى الاطمئنان لا على مستوى اليقين ، فبالتالي الاطمئنان هو الذي تنتهي إليه حجية هذه الحجج من قبيل السيرة ومن قبيل الظواهر.

إذن حجية الاطمئنان ينبغي أن تكون قضية واضحة.

أجل ربما يصطلح البعض ( الاطمئنان ) على الظن القوي من قبيل 80 أو 85 % ، فإذا أردنا أن نطلق الاطمئنان على هذا فنحن من النافين لحجية الاطمئنان فإنَّ 85 % هو ظنٌّ قوي وليس اطمئناناً ، أما إذا قلنا إنَّ المقصود من الاطمئنان مثل 95 % فهذا علم عادي عرفي فالكلام هو في هذا ولا أظن هناك من ينكر حجية الاطمئنان ، وإذا وجد من ينكر حجية الاطمئنان فهو يفسّره بالظن القوي ، وإذا كان هو الظن القوي فأنا من الموافقين لإنكار حجية الاطمئنان وأنه ليس بحجّة أما إذا قلنا إنَّ المقصود من الاطمئنان هو من قبيل 95 أو 98 % فهو على هذا الأساس ينبغي أن يكون حجية وحجيته ينبغي أن تكون واضحة جداً فإنَّ السيرة بل بقطع النظر عن السيرة فإنَّ نظام الحياة مبنيّ على الأخذ بالاطمئنان ، إذ قلّما يحصل العلم - العلم بالمعنى المنطقي - في أمورنا.

ثم إنه يبقى فارق بين الاطمئنان من جهة وبين حجية الاحتمال:- فإنَّ حجية الاحتمال سابقاً ذكرنا أنَّ الاحتمال حجة بالسيرة العقلائية - يعني الاحتمال القوي - ولكن قلنا هو حجة بقطع النظر عن أدلة البراءة ، لكن بعدما جاءت أدلة البراءة تنتفي حينئذٍ حجية الاحتمال ، وذاك إنما كنّا نقوله - أي الاحتمال حجة - فقط وفقط في اثبات التنجيز ، فالتنجيز يثبت بالاحتمال القوي مثل 70 أو 780 % ، يعني إذا احتملنا ثبوت التكليف والمنع عقلائياً فهذا الاحتمال حجة ومنجّز لولا أدلة البراءة التي جاءت وكانت رافعة ، ولكن لا يثبت بحجّية الاحتمال نفي التكليف وإنما هو فقط وفقط حجّة بمعنى اثبات التكليف لا نفي التكليف ، يعني هو منجّز فقط وليس معذراً ونافياً للتكليف ، وهذا بخلاف الاطمئنان فإنَّ الاطمئنان انعقدت عليه سيرة العقلاء في التنجيز والتعذير معاً ، يعني اثبات التكليف يثبت بالاطمئنان ونفي التكليف أيضاً ثبت بالاطمئنان.