1440/07/29


تحمیل

الأستاذ الشيخ باقر الايرواني

بحث الأصول

40/07/29

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع:- شروط التمسك بحديث الرفع - أصل البراءة- مبحث الأصول العملية.

النقطة الحادية عشر:- شروط التمسّك بحديث الرفع.

إنَّ بعض الشروط قد اتضحت من خلال ما سبق وبعضها الآخر نشير إليه الآن:-

الشرط الأول:- أن يكون تطبيق حديث الرفع في المورد الذي يراد تطبقيه فيه موافقاً للمنَّة فإذا لم يكن موافقاً للمنَّة فلا يمكن تطبيقه ، إذ هو وارد مورد الامتنان ، وقد ذكرنا أنَّ ذلك لقرينين وهما لفظ ( أمتي ) ولفظ ( رفع ) ، والآثار التي تترتب على هذه النكتة هي أننا نحكم ببطلان بيع المكره فإنه موافق للمنَّة ، بينما لا نحكم ببطلان بيع المضطر لأنَّ الحكم بالبطلان مخالف للمنَّة.

ولو سألنا سائل وقال:- كيف تحكمون بالمكره بأنه باطل أما في المضطر فلا تحكمون بالبطلان فإنَّ الحديث واحد فإذا حكمنا بالبطلان فلابد أن نحكم في الموردين بالبطلان وإذا لم نحكم بالبطلان فلابد أن نحكم بذلك في الموردين أيضاً فما هي النكتة في التفرقة ؟فنقول له:- إنَّ النكتة هي أنه وارد مورد الامتنان ونحن نسير وراء هذه النكتة ، وهذه قضية واضحة ذكرناها فيما سبق.وذكرنا في هذا المجال كلاماً للشيخ العراقي(قده) أيضاً حيث أراد أن يضيف شيئاً آخر فقال يلزم أن يكون في الرفع منَّة وفي الوضع خلاف المنَّة ، وذكرنا بعض الأمور التي رتبها على ذلك ، وبالتالي انتهينا إلى أنه لا داعي إلى ما ذكره(قده).

الشرط الثاني:- أن لا يكون الأثر الذي يراد تطبيق حديث الرفع بلحاظه قد أخذ فيه قيد العمد ، من قبيل قوله تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمداً فجزاءٌ مثل ما قتل من النعم ﴾ ، فهنا الحكم هو قُيّد بالعمد فإذا قتل شخصٌ صيداً في حالة الاحرام سهواً أو غفلة أو خطأً فلا يجب عليه شيء ، والمدرك في ذلك هو أنَّ الحكم مقيّد بالعمد أما غير العامد فلا دليل في حقه فيجري أصل البراءة ، أي نرجع إلى القاعدة.

فإذاً حديث الرفع نحن لا نستفيد منه في مورد الأحكام التي تكون مقيدة بحالة العمد ، وهكذا لا نستفيد منه في مورد الأحكام التي هي مقيدة بحالة الخطأ من قبيل صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله السلام:- ( إذا كنت لا تدري أربعاً صليت أم خمساً فاسجد سجدتي السهو .... )[1] ، فنحن هنا لا نحتاج إلى التمسك بحديث الرفع وإنما الرواية تقول إذا شككت بين الرابعة والخامسة فحكمك هو سجود السهو ، فهذا الحكم جاء في مورد الشك فلا نحتاج إلى حديث الرفع.

وربما يخطر إلى الذهن إشكال:- وهو أنه إذا أخذنا بحديث الرفع فلا شيء عليه ، وإن أخذنا بالرواية فهي تقول عليه سجود السهو ، وهذا تنافٍ فكيف نتخلّص من هذه المشكلة ؟

والجواب:- إنَّ هذا تخصيص ، فهذه رواية تخصص حديث الرفع ، فحديث الرفع عام ويعطي حكماً عاماً وهو قابل للتخصيص فيخصص في هذا المورد حينئذٍ ، فيقال صحيح أنَّه قد رفع إلا في هذا المورد للرواية الخاصة ، فتصير الرواية مخصّصة لحديث الرفع.

والنتيجة التي ننتهي إليها:- هي أنه يلزم في تطبيق حديث الرفع هي أن يكون الأثر ثابتاً للطبيعي من دون قيد العمد ومن دون قيد السهو أو الشك أو ما شاكل ذلك ، من قبيل ( من أكل في الصوم أفطر ) ، فهنا لم يقل عمداً ولم يقل سهواً وإنما قال ( من أكل ) فهنا نتمسّك بحديث الرفع ونقول رفع السنيان ، فهذا هو مجال حديث الرفع ، فإذاً مجال جال حديث الرفع هو ما إذا كان الحكم ثابتاً للطبيعي.

الشرط الثالث:- أن يكون الشيء متعلقاً أو موضعاً للحكم الشرعي بحيث يكون لذلك الشيء وجود تشريعي ، أما إذا فرض أنَّ الشيء ليس له وجود تريعي لا بنحو المتعلق ولا ينحو موضوع الحكم الشرعي ، يعني لم يؤخذ كمتعلق للحكم ولا كموضوع للحكم وارتكبه المكلف نسياناً ، من قبيل الأشياء التي ليس بها حكم خاص كالتدخين ، فالتدخين بحسب الموضوع الشرعي لم يقع متعلقاً للحكم بالحرمة مثلاً فتطبيق حديث الرفع هنا أي معنى له ؟!! ، إنَّ حديث الرفع أنت تطبقه في مورد ما إذا صدر الشيء منك نسياناً أو ما شاكل ذلك وكان ذلك الشيء له حكم شرعي ، أما إذا لم يكن له حكم شرعي فلا معنى حينئذٍ لتطبيق حديث الرفع ، لأنَّ حديث الرفع يرفع الحكم الثابت في عالم التشريع ، أما إذا لم يكون لهذا الشيء حكماً في عالم التشريع فحينئذٍ لا يكون مورداً لتطبيق حديث الرفع كما هو واضح.

الشرط الرابع:- أن لا يفهم من دليل الشيء أنَّ الحكم ثابت له حتى في حالة السهو ، أما إذا فهم هذا المعنى من قبيل أني سهوت وجرحت شخصاً بحيث انقطعت يده أو رجله فهنا نعلم من الخارج أنَّ مثل هذا الأثر ثابت حتى في حالة السهو ، وهل يمكن تطبيق حديث الرفع في مثل ذلك ؟ إنه لا يمكن تطبيقه ، والوجه في ذلك واضح ، فإنَّ ما دل على ثبوت هذا الأثر وترتبه حتى في حالة السهو يكون مخصّصاً لحديث الرفع ، فيسقط التمسك آنذاك بحديث الرفع كما هو واضح.