1440/08/01


تحمیل

الأستاذ الشيخ باقر الايرواني

بحث الأصول

40/08/01

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع:- شروط التمسك بحديث الرفع - أصل البراءة- مبحث الأصول العملية.

الشرط الثالث:- أن يكون المورد موضوعاً أو متعلقاً ، أما إذا لم يكن كذلك فلا يجري حديث الرفع ، ومثل الذي لا يكون موضوعاً ولا متعلقاً كما لو أنَّ إنساناً أكره على أن يترك الصلاة في ساعةٍ من الوقت ، ففي مثل هذه الحالة لا يمكن أن نطبق حديث الرفع ونقول لا يجب عليه الصلاة ، لأنَّ الذي بمقدار ساعة ليس هو الواجب ، إنما الواجب هو الصلاة ما بين الحدّين فهذا هو الموضوع أو المتعلق ، أما بمقدار ربع ساعة أو ساعة فهذا ليس موضوعاً وليس متعلقاً ، ففي مثل هذه الحالة لا يمكن أن يشمله حديث الرفع.

وما هو الفرق بين الموضوع والمتعلق[1] ؟

والجواب:- ما يلزم إيجاده أو تركه فهو متعلق ، أما الشيء الذي لا يلزم ايجاده أو تركه وإنما إن تحقق ثبت الحكم فهذا يعبر عنه بالموضوع ، ومن الأمثلة الصلاة ، فإنها متعلق للوجوب لأنه يلزم ايجادها ، أما دخول الوقت فهو موضوع لأنه إن تحقق فآنذاك يثبت الوجوب ، وكذلك الاستطاعة هي موضوع للحج لأنها إن تحققت يجب آنذاك الحج أما نفس الحج يكون متعلقاً ، وأيضاً عنوان الربا ، ففي آية ﴿ وأحلّ الله البيع وحرّم الربا ﴾ ، فالربا يلزم تركة فصار متعلقاً للتحريم ، أما ﴿ أحل الله البيع ﴾ فالبيع بالنسبة إلى ﴿ أحلَّ ﴾ صار موضوعاً . هذا هو الميزان الكلّي فلابد من الالتفات إليه.

الشرط الرابع:- أن لا يفهم من الخارج أنَّ الأثر مرتب بشكل مطلق - أي في جميع الحالات - ، مثل الجنابة فنحن نعلم من الخارج أنه متى ما خرج المني تحققت الجنابة سواء كان خروج المني كان سهواً أو عمداً أو نسياناً أو اكراهاً أو اضطراراً ، فعلى تقدير جميع الحالات هو إذا تحقق فتتحقق الجنابة ، فلا يمكن أن تقول إنه في مورد ما إذا اضطررت غلى خروج المني يشملني حديث الرفع فإنَّ هذا لا معنى له لأجل أننا نعلم من الخارج أنه لا فرق ، وهكذا بالنسبة إلى الاتلاف فلو أتلف شخص مال الغير نسياناً أو عمداً أو اشتباهاً أو اضطراراً ، فنحن نعلم من الخارج أنه موجب للضمان ، فلا يمكن حينئذٍ تطبيق حديث الرفع ، وهكذا مس الميت ، فإنَّ من مسَّ ميتاً وجب عليه الغسل ولا فرق بين أن يكون هذا المسّ سهواً أو اشتباها أو اضطراراً فعلى جميع التقادير لا يمكن التمسك بحديث الرفع.

إذاً حديث الرفع يصح التمسك به في الآثار التي لا نعلم من الخارج أنها ثابتة في المساحة الكبيرة وبشكلٍ مطلق وبلحاظ جميع الحالات.

الشرط الخامس:- يلزم لتطبيق حديث الرفع أن يكون الأثر شرعياً دون ما إذا كان عقلياً فحينئذٍ لا يمكن تطبيق حديث الرفع ، والآثار الشرعية الثابتة هي واضحة ، فحينئذٍ تلك الآثار الشرعية ترتفع بحديث الرفع ، كمن أكل ناسياً في نهار شهر رمضان ، فالأثر الشرعي الذي هو وجوب القضاء مثلاً يرتفع بحديث الرفع ، وهكذا بالنسبة إلى سائر الموارد ، أما إذا فرض أنَّ الأثر لم يكن شرعياً فحينئذٍ لا يمكن تطبيق حديث الرفع ، لأنه ناظر إلى الآثار الشرعية ، ومن جملة الأمثلة التي ذكروها للآثار غير الشرعية هو المؤاخذة أو استحقاق المؤاخذة ، ومن الواضح أنَّ استحقاق المؤاخذة عقلي فلا معنى لأن يرفعه الشارع وهذا صحيح ، ولكنهم قالوا حتى المؤاخذة لا يمكن أن يرفعها الحديث وأكد ذلك الشيخ الاعظم(قده)[2] وهكذا الشيخ النائيني(قده)[3] .

والخلاصة:- إنَّ الآثار العقلية لا يمكن أن ترتفع بالحديث كاستحقاق المؤاخذة ، وهكذا بالنسبة إلى الآثار التكوينية كالإسكار فإنه أثر تكويني فلا يمكن أن يرتفع بالحديث.

إنما الكلام في أنه هل يمكن أن نرفع المؤاخذة أو لا ؟

والجواب:- المعروف أنه لا يمكن رفع المؤاخذة ، لأنها ليست اثراً شرعياً.

ولكن يمكن أن يقال:- صحيح أنَّ المؤاخذة هي ليست أثراً شرعياً ولكن لماذا نقيد أنفسنا بأن يكون الأثر شرعياً ، بل لنقل إنَّ نفس المؤاخذة ترفع بحديث الرفع ، فإذا فرض أنَّ شخصاً ارتكب شيئاً كأن أكل سهواً في نهار شهر رمضان أو غير ذلك فالمؤاخذة نرفعها بحديث الرفع ولا مانع من ذلك ، والآية الكريمة قالت ﴿ ربنا لا تؤاخذنا غن نسينا أو أخطأنا ﴾ ، فالمؤاخذة اثباتاً ونفياً هي بيده عزّ وجل ، فلا بأس برفع نفس المؤاخذة بحديث الرفع.

إذاً نفصّل بين استحقاق المؤاخذة وبين نفس المؤاخذة ، فصحيح أنَّ استحقاق المؤاخذة لا معنى لأن يرفع بالحديث ، أما نفس المؤاخذة فلا محذور في أن يشملها الحديث ونرفع المؤاخذة في موارد الخطأ والنسيان وما شاكل ذلك بحديث الرفع ، بل القرآن الكريم عبّر بهذا التعبير وقال ﴿ ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ﴾.


[1] وهذا مصطلح اصولي.