34/06/06


تحمیل
 الموضوع: الأصول العملية/ البراءة الشرعية
 
 ذكرنا في الدرس السابق أنّه قد تُذكر قرائن وأدلّة على اختصاص الحديث بالشبهة الموضوعية، وأهم هذه القرائن هو التمسّك بوحدة السياق، بدعوى أنّ مقتضى وحدة السياق أنْ يكون المراد باسم الموصول في فقرة(ما لا يعلمون) هو الموضوع، والفعل الخارجي، كما أنّه هو المراد في سائر الفقرات؛ فلأجل أنْ يكون السياق واحداً، ولا ينثلم لابد أنْ يكون بالموصول في فقرة الاستدلال هو الموضوع والفعل الخارجي، فتختص بالشُبه الموضوعية.
 وذكرنا في الدرس السابق أيضاً الإجابة عن هذه القرينة، وكان حاصلها هو: إدّعاء أنّ قرينة السياق إنّما تنثلم، ويكون ذلك مخالفاً للظهور عندما يتعددّ المدلول الاستعمالي، فعندما يتعددّ المدلول الاستعمالي في الدوال المتعددّة التي تُجمع في سياقٍ واحد، عندها تنثلم وحدة السياق، ويكون هذا خلافاً للظهور، ومعنى تعددّ المدلول الاستعمالي هو أنْ يُستعمل هذا اللّفظ في معنى، واللّفظ الثاني في معنى آخر، واللّفظ الثالث في معنى ثالث. فالمعاني المستعمل فيها اللّفظ تكون متعددّة. فإنّما تنثلم وحدة السياق عندما يختلف السياق بلحاظ المدلول الاستعمالي، وأمّا إذا حافظنا على المدلول الاستعمالي، بأنْ كانت كل الألفاظ في السياق الواحد مستعملة في معنىً واحد، لكن إذا تعددّ واختلف المدلول الجدّي، أو اتحد المدلول الاستعمالي مع المدلول الجدّي، واختلف المصداق الخارجي لذلك المعنى الواحد، والمراد الجدّي الواحد، ففي هذه الحالة لا تنثلم قرينة وحدة السياق، ولا يكون في ذلك أي مخالفة للظهور.
 وهذا الجواب مرتكز على ما يُفهم من كلمات السيد الخوئي(قدّس سرّه) [1] من التركيز على المدلول الاستعمالي، وأنّه هو الميزان، وأنّ الاختلاف في ما عداه، سواء كان الاختلاف في المدلول الجدّي، كما في قضيّة الإطلاق والتقييد، كقوله(أكرم العلماء)، و(قلّد العلماء) ما يراه من الإطلاق في الجملة الأولى، والتقييد في الجملة الثانية، فهذا اختلاف في المدلول الجدّي، وليس اختلافاً في المدلول الاستعمالي، فكلٍ منهما مستعمل في معنى واحد، ومثل هذا لا يضر بقرينة وحدة السياق؛ بل يبقى السياق واحداً؛ لأنّ المناط في وحدة السياق على المدلول الاستعمالي.
  الذي يُفهم من هذا الكلام دعوى أمرين:
 الأمر الأوّل: ما ذكرناه من أنّ الذي يضرّ بوحدة السياق، والظهور العرفي للكلام إنّما هو الاختلاف في المدلول الاستعمالي، وأمّا الاختلاف في المدلول الجدّي، فضلاً عن الاختلاف في المصاديق مع اتّحاد المدلول الجدّي والاستعمالي، فهو لا يضر بوحدة السياق. وتطبيق هذا الأمر على محل الكلام قالوا فيما نحن فيه من قبيل القسم الثالث، يعني أنّ الاختلاف ليس في المدلول الاستعمالي؛ بل حتّى في المدلول الجدّي لا يوجد اختلاف، وإنّما الاختلاف في المصاديق للمعنى المستعمل فيه الواحد، والمراد الجدّي الواحد، ومثّلنا له بهذا المثال(لا تغصب ما تأكل)، و(لا تغصب ما تلبس)، فلا يوجد اختلاف بينهما في المدلول الاستعمالي، ولا في المدلول الجدّي، لكن ما ينطبق عليه(ما تأكل) غير ما ينطبق عليه(ما تلبس). فما نحن فيه من هذا القبيل؛ ولذا لا تنثلم وحدة السياق، وكون ما نحن فيه من هذا القبيل باعتبار أنّ اسم الموصول مستعمل في مفهوم(الشيء) في جميع هذه الجمل، والمستعمل فيه واحد، ومفهوم(الشيء) الذي استعمل فيه اسم الموصول في جميع الجمل، هو المراد جدّاً،
  إذن: الاختلاف بينهما يكون في المصداق الخارجي، بمعنى أنّ المصداق الخارجي للشيء المضطر إليه هو الفعل والموضوع الخارجي، بينما المصداق الخارجي للشيء الذي لا تعلم به في فقرة(ما لا تعلمون) هو الأعمّ من الفعل والتكليف، وهذا الاختلاف في أنّ ما اضطروا إليه لا ينطبق إلاّ على الفعل والموضوع الخارجي لعدم تعقّل معنىً معقول للاضطرار إلى التكليف والحكم الشرعي، ولا للإكراه على الحكم الشرعي، ولا لكونه ممّا لا يطيقون، لا يوجد معنى معقول يمكن أنْ يُتصوّر في هذه الموارد، فينحصر أنْ يكون المصداق الخارجي لما اضطروا إليه هو الفعل، وهو مصداق للمعنى الواحد، وللمراد الجدّي الواحد، بينما المصداق الخارجي لما لا يعلمون هو أعمّ من أنْ يكون فعلاً، أو أنْ يكون تكليفاً؛ لأنّ كلاً منهما هو ممّا لا أعلم به. فاختلف المصداق، فيكون من قبيل(لا تغصب ما تأكل)، و(لا تغصب ما تلبس) وهذا لا يؤثر في وحدة السياق، ولا يكون خلافاً للظهور العرفي للدليل
 الأمر الثاني: أنّ ما نحن فيه هو من قبيل القسم الثالث.
 ولكن، قد يناقش في كلا هذين الأمرين: أمّا الأمر الأوّل فقد يُدّعى أنّ الاختلاف في المدلول الجدّي مع وحدة المدلول الاستعمالي أيضاً ينافي الظهور العرفي لوحدة السياق، يعني المنافي لوحدة السياق ليس فقط الاختلاف في المدلول الاستعمالي،؛ بل حتى مع وحدة المدلول الاستعمالي، إذا كان هناك اختلافاً في المدلول الجدّي هذا أيضاً ينافي وحدة السياق، ـــــ بقطع النظر عن تطبيقه في محل الكلام ـــــ ففي جملة(أكرم العلماء)، و(قلّد العلماء) عندما يتعدّد المراد الجدّي، كما هو في هذا المثال، فيكون المراد من العلماء في الجملة الأولى هو مطلق العلماء، بينما المراد بالعلماء في الجملة الثانية هو العلماء العدول، أو الفقهاء، هذا أيضاً يخلّ بوحدة السياق، أنّ مقتضى وحدة السياق هو الاتّحاد في المدلول الاستعمالي، والمدلول الجدّي. قد يقال هذا، وعلى هذا الأساس يقال بأنّ حمل العلماء في الجملة الثانية على العلماء المقيّدين بالعدالة، أو بالفقاهة ـــــ بقطع النظر عن الأمثلة ـــــ هذا خلاف قرينة وحدة السياق، وإنْ كان المعنى المستعمل فيه واحداً. قد يقال هذا، وذهب إلى ذلك بعض المحققين.
 هذا الأمر في الحقيقة، الإيمان بهذه القضيّة، أو إنكارها، ليست قضيّة برهانيّة يمكن إقامة البرهان عليها، وإنما القضيّة استظهارية، أو وجدانية، بمعنى أنّ الإنسان يتأمّل، ويراجع الأمثلة ليخرج بنتيجة أنّ وحدة السياق تنثلم، أو تختل بتعددّ المراد الجدّي مع وحدة المراد الاستعمالي، أو لا تنثلم؟ بعد الفراغ عن أنّها تختل وتنثلم في تعددّ المراد الاستعمالي، هذا يحتاج إلى أن يراجع الإنسان وجدانه، واستظهاراته، وملاحظاته حتّى يخرج بنتيجة، وإنْ كان لا يبعُد أنّ الاختلال غير موجود عندما يتعددّ ويختلف المراد الجدّي مع وحدة المراد الاستعمالي، فأنّ المنظور في وحدة السياق وتعددّه هو المدلول الاستعمالي، ما تستعمل فيه الألفاظ، فإذا كان ما تستعمل فيه الألفاظ واحداً؛ فحينئذٍ لا يوجب اختلال وحدة السياق، ولا مخالفة للظهور العرفي القائم على أساس وحدة السياق.
 أمّا بالنسبة إلى الأمر الثاني، وهذا هو المهم، حيث توجد في قبال هذا الأمر دعويان، حيث أنّ هذا الأمر الثاني كان يقول أنّ ما نحن فيه هو من قبيل القسم الثالث، الاختلاف ليس في المدلول الاستعمالي، ولا في المدلول الجدّي، وإنّما في المصاديق في المعنى الواحد، والمراد الجدّي الواحد. في قباله توجد دعوى أنّ الاختلاف في محل الكلام هو من قبيل القسم الثاني، وليس من قبيل القسم الثالث؛ إذ أنّ الاختلاف في ما نحن فيه هو في المدلول الجدّي، وليس فقط في المصاديق الخارجيّة؛ بل حتّى في المدلول الجدّي يوجد اختلاف، في الفقرات الثمان، في فقرة(ما لا يعلمون) من جهة، وفي فقرة(ما اضطروا إليه)، و(ما أكرهوا عليه)، و(ما لا يطيقون) ...الخ، الاختلاف بينهما ليس في المصداق الخارجي؛ بل الاختلاف أكثر من ذلك، موجود على مستوى المراد الجدّي، المراد الجدّي من الموصول في فقرة(ما اضطروا إليه) يختلف عن المراد الجدّي من الموصول في فقرة(ما لا يعلمون). هذه الدعوى الأولى.
  الدعوى الثانية: تترقّى أكثر وتقول بأنّ ما نحن فيه من قبيل القسم الأوّل، يعني من قبيل الاختلاف في المراد الاستعمالي، فيكون انثلام قرينة وحدة السياق واضح.
 أمّا الدعوى الأولى، فيقال في مقام بيانها بأنّ المدلول الجدّي للكلام تحددّه القرائن، بالضبط من قبيل المثال الذي ذكر في القسم الثاني والذي هو(أكرم العلماء)، و(قلّد العلماء)، فأنّ الذي أوجب تقييد العلماء الثانية بالعلماء العدول هو أنّ هناك قرينة قامت على التقييد، وهي أنّ التقليد ــــ مثلاً ــــ يُعتبر فيه العدالة، هذه القرينة التي قامت على التقييد لا توجب تغيّر في المعنى المستعمل فيه، وإنّما توجب تغيّر في المراد الجدّي، كل القرائن تدل على أنّ المراد الجدي لذي القرينة هو ما ينسجم مع هذه القرينة، لكن لا توجب تغيّر المدلول الاستعمالي، فيبقى المدلول الاستعمالي على حاله في ذي القرينة، لكنّ القرينة تدل على أنّ المراد الجدّي من هذا اللّفظ الذي استعمل في ذاك المعنى ليس ذاك المعنى، وإنّما هو على طبق القرينة، فالقرينة قالت أنّ المراد الجدّي من (قلّد العلماء) ليس مطلق العلماء، وإنّما هو العلماء العدول، فشخّصت أنّ المراد الجدّي هو العلماء العدول، بينما بقي ذاك على إطلاقه، لم تقم قرينة على تقييده بالعدول. فبقي ذاك على إطلاقه بلحاظ المراد الجدّي، بينما قُيّد هذا بلحاظ المراد الجدّي، فصار الاختلاف في المراد الجدّي. هذه الدعوى تقول يمكن تطبيق نفس هذه الفكرة في محل الكلام، في فقرة(ما لا يعلمون) أيضاً لدينا قرينة تشخّص المراد الجدّي للمتكلّم، وهذه القرينة هي عبارة عن صلة الموصول، فاسم الموصول هو(ما) وصلته هي(لا يعلمون)، فصلة الموصول هذه قرينة على تقييد اسم الموصول بخصوص الشيء الذي يكون قابلاً لعدم العلم، وعروض الجهل عليه، لكن هذه القرينة تقوم على تشخيص المراد الجدّي لاسم الموصول، أنّ المراد باسم الموصول ليس مطلق الشيء، وإنّما المراد باسم الموصول هو الشيء الذي يكون قابلاً لعروض عدم العلم عليه، الذي بالنتيجة سوف يشمل الموضوع، والتكليف؛ لأنّ كلاً منهما قابل لعروض عدم العلم عليه، كل منهما هو ممّا لا يعلمون به، لكن هذا بلحاظ المراد الجدّي، وليس بلحاظ المراد الاستعمالي، بلحاظ المراد الجدّي هذه القرينة تقول أنّ المراد الجدّي لاسم الموصول في فقرة(ما لا يعلمون) هو الشيء الذي لا تعلم به، وهو الشيء الذي يكون قابلاً لأنْ لا تعلم به، الشامل للفعل والتكليف كما قلنا. إذن: هذا الاختلاف سوف يكون بمستوى المدلول الجدّي، وليس بمستوى التطبيقات؛ لأنّ هذه قرينة كالقرينة القائمة على تقييد (قلّد العلماء) بخصوص العدول منهم، فكما أنّ تلك القرينة ناظرة إلى المدلول الجدّي، وليست فقط بلحاظ المصاديق، فكذلك القرينة فيما نحن فيه، وهي صلة الموصول أيضاً تكون ناظرة إلى المدلول الجدّي، وبذلك يكون الاختلاف بين اسم الموصول في فقرة(ما لا يعلمون) وبين اسم الموصول في فقرة(ما اضطروا إليه)، و(ما أكرهوا عليه)، و(ما لا يطيقون) هو اختلاف في المراد الجدّي، وليس في مجرّد الانطباق الخارجي على الشيء.
  إذن: هناك اختلاف في المراد الجدّي، المراد الجدّي لاسم الموصول في فقرة(ما اضطروا إليه) غير المراد الجدّي لاسم الموصول في فقرة(ما لا يعلمون) فالمراد الجدّي هناك هو الشيء القابل لأنْ يتّصف بالاضطرار، وأنْ يتّصف بالإكراه، وأنْ يتّصف بعدم الإطاقة الذي هو ينحصر بالفعل، أمّا التكليف فقلنا غير معقول أنْ يتّصف بالإكراه، أو بالاضطرار، فهو ينحصر بالفعل، لكن المراد الجدّي له هو الشيء الذي يكون قابلاً للاتّصاف بالاضطرار، وهنا المراد الجدّي للموصول في فقرة(ما لا يعلمون) هو الشيء الذي يكون قابلاً للاتّصاف بعدم العلم، هذا هو المراد الجدّي، وذاك هو المراد الجدّي، وهذا المراد الجدّي في هذه الجمل يكون متعددّاً، وإذا كان متعددّاً، فما نحن فيه ليس من قبيل القسم الثالث، وإنّما من هو قبيل القسم الثاني.
 أمّا الدعوى الثانية فتترقى أكثر في هذا الجانب فتقول أنّ ما نحن فيه من قبيل القسم الأوّل، بمعنى أنّ الاختلاف يكون في المدلول الاستعمالي، بمعنى أنّ الموصول في فقرة(ما اضطروا إليه) استعمل في معنى غير المعنى الذي استعمل فيه الموصول في فقرة(ما لا يعلمون) وذلك بعد الالتفات إلى قضيّة، وهي أنّ القرينة التي ذكرناها هي قرينة متصلة، وليست قرينة منفصلة، يُدّعى في الدعوى الثانية أنّ هذه القرينة المتصلة توجب تغيّر على مستوى المدلول الاستعمالي، وليس فقط على مستوى المدلول الجدّي. نعم، لو كانت منفصلة، فهي لا توجب التغيّر إلاّ على مستوى المدلول الجدّي، لكن عندما تكون متصلة فهي توجب تغيّر في المدلول على مستوى المدلول الاستعمالي، وهذه قرينة متصلة باسم الموصول، صلة الموصول قرينة، ففي فقرة(ما اضطروا إليه) توجد قرينة، وهي صلة الموصول، (اضطروا إليه)، وهنا لدينا(لا تعلمون) فهي قرينة وصِلة لاسم الموصول، فهذه القرينة المتصلة تؤثر على المدلول الاستعمالي.
 وبعبارة أخرى: أنّ الشيء ـــــ اسم الموصول ـــــ لم يستعمل في معناه الحقيقي الذي هو مفهوم الشيء، وإنّما استعمل في المقيّد، يعني أستعمل في الشيء الذي تضطر إليه، استعمل في الشيء القابل لأنْ يتّصف بالاضطرار، أو القابل لأنْ يتّصف بالإكراه، أو القابل لأنْ يتصف بعدم الإطاقة. فإذا جئنا إلى فقرة(ما لا يعلمون) سنرى أنّ المعنى شيء آخر، وهو الشيء القابل لأنْ يتصف بعدم العلم، والشيء القابل للاضطرار غير الشيء القابل لعدم العلم، فتعددّ المعنى المستعمل فيه اللّفظ، وهذا بلا إشكال يوجب انثلام قرينة وحدة السياق.
 في مقام التعليق على ذلك نقول: أمّا الدعوى الثانية، فهي خلاف ما هو المعروف بينهم من أنّ القرينة حتّى المتصلة لا تؤثر في المدلول الاستعمالي، صحيح، هم يقولون أنّ القرينة المتصلة توجب هدم أصل الظهور، بخلاف القرينة المنفصلة التي لا توجب هدم أصل الظهور، وإنّما تزاحم الظهور في الحُجّيّة، لكن مقصودهم بالظهور الذي ينهدم بالقرينة المتصلة هو الظهور الجدّي، بينما بالقرينة المنفصلة لا ينهدم أصل الظهور، وإنّما يوجد هناك ظهور في قباله فيزاحمه في الحُجّية، فهذا ظهور، وهذا ظهور، ويتزاحمان في الحجّيّة، بينما القرينة المتصلة توجب هدم أصل الظهور، هذه العبارة يقولونها، لكنّ مقصودهم من الظهور هو الظهور الجدّي، أو بعبارة أخرى الظهور التصديقي، هذا ينهدم بالقرينة المتّصلة، ولا يقصدون بذلك أنّ الذي ينهدم بالقرينة المتصلة هو الظهور الاستعمالي، ففي مثال(اعتق رقبة مؤمنة) لا أحد يقول بأنّ الاستعمال هنا انقلب من كونه استعمالاً حقيقياً إلى كونه استعمالاً مجازياً، واستقر نظر المتأخّرين على ذلك، على أنّ(رقبة) مستعملة في معناها الحقيقي، و(مؤمنة) أيضاً مستعملة في معناها الحقيقي، وأنّ استفادة التقييد هو من باب تعددّ الدال والمدلول، فتعددّ الدال والمدلول، واتفاقهم على أنّ القرينة المتصلة لا توجب المجازية، مؤشرات واضحة على أنّ القرينة المتصلة ليس لها علاقة بالمدلول الاستعمالي، ويبقى اللّفظ مستعملاً في معناه الحقيقي، يضاف إليه شيئاً يدل على تقييده بلحاظ المدلول الجدّي للكلام، وإلاّ، لا أحد من المتأخرين يقول أنّ(اعتق رقبة مؤمنة) يستلزم مجازية الاستعمال، وإنّما هو كلام مستعمل في معناه الحقيقي، لا في معناه المجازي، فـــ(رقبة) مستعملة في معناها الحقيقي، أي في الطبيعة، والقيد يُستفاد من مجموع الدال والمدلول، هذه الفكرة نفسها موجود في محل الكلام، أفرض أنّ القيد متصل، وصلة الموصول متصلة بالموصول، لكن هذا لا يعني أنّ اسم الموصول يستعمل مجازاً في المقيّد، وإنّما هو يبقى مستعملاً في معناه الحقيق الذي هو عبارة عن مفهوم الشيء. نعم، المراد الجدي فُهم من مجموع اسم الموصول والصلة، فيكون المراد الجدّي هو عبارة عن هذا، لا أنّ المراد الاستعمالي يتغيّر ويوجب التعددّ في هذا السياق بلحاظ المراد الاستعمالي.
 فإذن: هذه الدعوى هي في الحقيقة مبنيّة على إنكار كل هذه الأمور، والالتزام بأنّ القرينة المتصلة تكون قرينة على الاستعمال، وهي ليست صالحة لذلك، نفس هذه القرينة ـــــ صلة الموصول ــــــ ليست صالحة لأنْ تقول أنّ المستعمل فيه اسم الموصول ليس هو معناه الحقيقي، وإنّما هو المعنى المجازي، هي بنفسها ليست صالحة لذلك، وليس فيها مؤشر على تشخيص المراد الاستعمالي من ذي القرينة، وإنّما هي صالحة لتشخيص المراد الجدّي للمتكلّم من ذي القرينة. هذه مناقشة الدعوى الثانية.


[1] مصباح الأصول، تقرير بحث السيد الخوئي للبهسودي، ج 2، ص 263.