34/06/19


تحمیل
 الموضوع: الأصول العملية/ البراءة الشرعية
 تكلّمنا في الدرس السابق عن إمكان تصحيح الفعل الذي يضطر المكلّف إلى تركه، لكنّه يأتي به بالرغم من ارتفاع الوجوب عنه بسبب الاضطرار إلى الترك ؟ والمقصود ليس تصحيحه بأدلّةٍ خاصّةٍ، وإنّما تصحيحه بحديث الرفع، فهل يُستفاد من حديث الرفع صحّة الفعل المضطر إلى تركه إذا صدر من المكلّف ؟ وصحّة الفعل المُكرَه على تركه إذا صدر من المكلّف، أو لا يمكن تصحيحه ؟
 لأوّل وهلة، قد يقال: لا يمكن تصحيح الفعل؛ لأنّ طريق تصحيح الفعل على ما ذكرنا هو إمّا تعلّق الأمر به، أو وجود الملاك، فالأفعال إنّما تصحّ في حالتين:
 الحالة الأولى: مطابقتها لما هو المأمور به. وهذا يُفترض عندما يكون هناك أمر بالفعل، فيأتي به المكلّف، فيقال هذا الفعل صحيح؛ لأنّه مطابق للأمر به.
 الحالة الثانية: أنْ يكون واجداً للملاك، وإنْ لم يكن فيه أمر، لكنه واجد للملاك، ولا فرق بينه وبين ذلك الفعل الذي تعلّق به الأمر، فهذا فعل سقط عنه الأمر لوجود مانعٍ يمنع من تعلّق الأمر به، وذاك فعل لم يسقط عنه الأمر لعدم وجود المانع، فلا فرق بين الفعلين من جهة أنّ كلاً منهما واجد للملاك، وللمصلحة.
 إذن: يمكن تصحيح هذا الفعل على أساس الملاك.
 في محل الكلام: لا يمكن تصحيح الفعل في كلتا هاتين الحالتين.
 أمّا في الحالة الأولى، فواضح؛ لأنّ المفروض سقوط الأمر، وسقوط الوجوب لمكان الاضطرار.
 وأمّا في الحالة الثانية؛ فلأننّا لا نحرز وجود الملاك في الفعل بعد سقوط الأمر؛ لأنّ طريق إحراز وجود الملاك في الفعل هو الأمر؛ إذ لا يمكننا أنْ نحرز وجود الملاك من دون وجود الأمر، وتعلّقه بالفعل. ونحن نحتمل في المقام أنّ ارتفاع الأمر، وارتفاع الحكم إنّما هو باعتبار عدم الملاك، فالوضوء في حال الاضطرار قد لا يكون فيه ملاك، ولا يكون واجداً للمصلحة؛ ولذا ارتفع عنه الوجوب، وهناك احتمال آخر، وهو أنْ يكون ارتفاع الأمر ليس بسبب عدم وجود الملاك، وإنّما لوجود مانعٍ منع من الأمر، وكلا الاحتمالين محتمل في المقام.
 إذن: عندما نريد أنْ نصححّ الفعل لابدّ أنْ نحرز إمّا الأمر، أو الملاك، وفي المقام لا نحرز الملاك، كما أنّ الأمر ـــــ بحسب الفرض ـــــ مرتفع. وعليه: لا يمكن تصحيح الفعل.
 من هنا نشأت وجوه لإثبات إمكان تصحيح الفعل في هذه الحالة بالرغم من سقوط الوجوب، والأمر. وربط هذا البحث بالبحث السابق هو أنّ أحد الوجوه التي ذُكرت لتصحيح الفعل عند الإتيان به في ظرف الإكراه، أو الاضطرار إلى الترك هو أنْ يُدّعى إمكان إحراز وجود الملاك في هذا الفعل، بأنْ نستظهر ذلك من نفس حديث الرفع، بالاستناد إلى كلمة(الرفع)، فأنّ المعنى اللّغوي، والعرفي للرفع هو إزالة الأمر الثابت ـــــ كما تقدّم ـــــ وإعدامه، فلابدّ من افتراض وجودٍ للحكم الذي يُسند إليه الرفع، والحال أننّا نعلم أنّ الأحكام في موارد الاضطرار، والإكراه لا وجود لها، وليست ثابتة؛ بل هي مرفوعة أساساً بالاضطرار والإكراه، فكيف صحّ إسناد الرفع إلى الحكم مع علمنا بعدم ثبوته ؟ وما هو المصححّ لهذه النسبة ؟
 هنا طُرحت فكرة أنّ المصححّ لهذه النسبة هو الوجود الاقتضائي للحكم، أو الوجود الملاكي للحكم؛ لأنّ الحكم يوجد بنحوٍ من أنحاء الوجود بوجود مقتضيه، وملاكه، وهذا الوجود الاقتضائي للحكم هو المصححّ لنسبة الرفع إلى الحكم، فيُنسب الرفع إلى الحكم باعتبار وجوده وجوداً اقتضائيّاً. وهذا نفهمه من كلمة(الرفع)، يعني لابدّ من افتراض وجود شيءٍ حتى يُسند إليه الرفع، بينما الحكم لا وجود له ـــــ بحسب الفرض ـــــ في موارد الاضطرار، فالمصحح لنسبة الرفع إلى الحكم هو الوجود الاقتضائي للحكم، فيصحّ نسبة الرفع إلى الحكم باعتبار وجود مقتضيه.
 فالنتيجة هي: أننّا أحرزنا وجود المقتضي، والملاك للفعل من نفس استعمال الحديث الشريف لكلمة(الرفع) باعتبار أنّ المعنى الحقيقي للرفع يستلزم ثبوت شيء يُرفع، والحكم لا ثبوت له، فلابدّ أنْ تكون العلاقة المصححّة هي علاقة الوجود الاقتضائي والملاكي للحكم. هذا ربط هذه المسألة بالمسألة السابقة.
 وأمّا أصل البحث: وهو هل يمكن أنْ نثبت صحّة الفعل المأتي به في الأمثلة التي ذكرناها في موارد الاضطرار، والإكراه، أو لا يمكن ذلك ؟ ومن الواضح أنّ التصحيح المقصود في المقام هو التصحيح على أساس الملاك؛ لأنّ التصحيح على أساس الأمر غير ممكنٍ في المقام؛ لأنّ المفروض ارتفاع الأمر والوجوب، ولا أمر بهذا الوضوء في حال الإكراه، أو الاضطرار إلى الترك، فيتعيّن أنْ يكون التصحيح، إذا أمكن، عن طريق إحراز الملاك.
 هنا توجد وجوه لإثبات إمكان تصحيح الفعل في هذه الحالة عن طريق الملاك:
 الوجه الأوّل: هو التمسّك بقرينة الامتنان، بأنْ يقال: أنّ الحديث مسوقٌ مساق الامتنان على العباد، وقرينة الامتنان تُحكّم علينا أنْ نفترض أنْه بالرغم من رفع الحكم، إلاّ أنّ ملاكه ومقتضيه موجود؛ لأنّ الامتنان إنّما يُتصوّر عندما يرفع الشارع حكماً مع وجود مقتضيه. وأمّا أنْ يرفع حكماً لا مقتضي له، فهذا ليس فيه امتنان على العباد؛ لأنّه حكم ارتفع بارتفاع مقتضيه، ومع عدم وجود مقتضٍ له أصلاً، لا معنى لأنْ يقول الشارع أنا ارفع هذا الحكم وأمتنّ عليك برفعه، ولا معنى للامتنان إلاّ بافتراض رفع حكمٍ مع ثبوت مقتضيه، فعندما يكون المقتضي للحكم موجوداً، ومع ذلك يرفعه الشارع، هذا فيه مِنّة على العباد. وحيث أنّ الحديث الشريف مسوقٌ مساق الامتنان، فبهذه القرينة نستكشف أنّ الحكم المرفوع، والذي في رفعه امتنان على الأمّة، لابدّ أنْ يكون مقتضيه موجوداً؛ وحينئذٍ يكون الحديث الشريف ظاهراً في وجود المقتضي لهذا الحكم، وبذلك نحرز وجود المقتضي لهذا الفعل، وإذا أحرزنا وجود المقتضي؛ فحينئذٍ يمكن تصحيح الفعل على أساس إحراز وجود المقتضي في ذلك الفعل.
 اعتُرض على هذا الوجه: بأنّ هذا الكلام يكون مقبولاً وتامّاً عندما نفترض أنّ المولى في محل الكلام هو مولىً عرفي، وأمّا بالنسبة إلى المولى الحقيقي(سبحانه وتعالى) فهذا الكلام غير تام. والفرق بينهما هو أنّ المصلحة التي دعت المولى العرفي في أحكامه وتشريعاته وأوامره إلى إنشاء ذلك الحكم، وجعل ذلك التشريع هي مصلحة تعود إليه نفسه، فهو يُلاحظ مصلحته هو، ويأمر باعتبار أنّ الفعل الذي يأمر به فيه مصلحة تعود إليه، هنا يكون هذا الكلام معقولاً، ومقبولاً، أي عندما تكون مصالح الأحكام الصادرة من المولى وملاكاتها راجعة إلى نفس المولى، فيقال بأنّ امتنان هذا المولى على عبيده في رفع الحكم عنهم إنّما يتحققّ فيما إذا كانت المصلحة في الفعل والتي تعود إليه، موجودةً، والمقتضي للحكم موجود، وبالرغم من هذا يرفع الحكم عنهم، هذا فيه امتنان على عبيده. فعندما يكون رفع الحكم لعدم وجود المقتضي له أساساً، ولا مصلحة للمولى في هذا الفعل؛ فحينئذٍ لا يكون في رفع الحكم امتناناً من المولى على عبيده؛ لأنّه ليس له أيّ مصلحةٍ في الفعل، ولا يترتّب عليه نفع عائد إليه؛ وحينئذٍ يقال: أنّ الامتنان إنّما يتحققّ عندما يكون المقتضي للحكم ثابت. وأمّا حيث يُفترَض عدم الملاك وعدم المقتضي، فلا يتحققّ الامتنان، فيُفرَّق بينهما على هذا الأساس، ويتم الكلام السابق. لكنّ هذا الكلام ليس في الأوامر الشرعية، وإنّما هو في المولى العرفي، والأوامر العرفيّة، فإذا تكلّم المولى العرفي بكلامٍ يتضمّن رفع تكليفٍ عن عبده، وكان مسوقاً مساق الامتنان؛ فحينئذٍ نستكشف منه أنّ المقتضي موجودٌ؛ لأنّه رفَعَ حكماً بلسان الامتنان. وقلنا أنّ الامتنان من المولى العرفي إنّما يتحققّ عندما يُفترَض وجود المصلحة والملاك، والمقتضي، وأمّا إذا كان لا مقتضي له؛ فحينئذٍ لا يوجد الامتنان، وحيث أنّ المولى العرفي ساق كلامه مساق الامتنان، فيتعيّن أنْ تكون هناك مصلحة في الفعل.
 لكن بالنسبة إلى المولى الحقيقي لا يتمّ هذا الكلام؛ لأنّ أحكام المولى الحقيقي(سبحانه وتعالى) وتشريعاته ليست تابعة لمصالح تعود إليه، وإنّما هي تابعة لمصالح العباد أنفسهم، فهو إنّما يأمر بشيءٍ؛ لأنّ فيه مصلحة للعبد، وينهى عن شيءٍ؛ لأنّ فيه مفسدة للعبد، لا للمولى نفسه؛ وحينئذٍ يكون قبول هذا الكلام مشكلاً؛ لأنّ المولى يرفع هذا الحكم عن عبده، والمُدّعى في الوجه الأوّل بأنّ هذا الرفع للحكم إنّما يكون امتنانياً إذا كانت المصلحة موجودة، والملاك ثابت؛ حينئذٍ يكون رفعه امتنانيّاً. ولكنّ هذا غير متصوّر في حقّ المولى الحقيقي، أنْ نتصوّر أنّ المولى يرفع تكليفاً عن عبده مع وجود، وبقاء مصلحة ملزمة في نفس الفعل تعود إلى نفس العبد، هذا ليس فيه امتنان. لنفترض ــــ مثلاً ــــ كانت هناك مصلحة تعود إلى العبد في أنْ يسافر إلى بغداد، فيأتي المولى ويرفع هذا الحكم بالسفر إلى بغداد مع ثبوت المصلحة الملزمة وبقائها بالنسبة إلى العبد، في هذه الحالة يمكن للمولى أنْ يرفع حكمه، لكن هل في هذا امتنان على العبد ؟ ليس فيه أيّ امتنانٍ، إذا قارنّا بين هذا وبين المولى العرفي، فعندما يرفع المولى العرفي حكماً مع بقاء المصلحة العائدة إليه، فهذا فيه امتنان واضح من قِبل المولى العرفي على عبده؛ لأنّه يقول له أننّي بالرغم من وجود المصلحة العائدة لي رفعت الحكم عنك، فهذا فيه امتنان. أمّا عندما يرفع المولى الحقيقي حكماً مع بقاء المصلحة والملاك في ذلك الفعل، العائدين إلى نفس العبد، فهل يقال أنّ في رفع هذا الحكم امتنان ؟ الامتنان غير متَصوّر في المقام، ويخدش في هذا الوجه الذي تقدّم فيما إذا كان المولى هو المولى الحقيقي الشرعي.
 ويُلاحظ على هذا الاعتراض:
 أمّا بالنسبة للشق الأوّل: فأنّ الرفع الامتناني من قِبل الشارع يمكن أنْ يتحققّ بالرغم من وجود الملاك والمقتضي في الفعل، وبالرغم من صحّة ما ذُكر من أنّ الملاك والمصلحة والمقتضي في الأوامر الشرعيّة تعود إلى العبد نفسه، وذلك حينما نفترض أنّ هناك مصلحة في نفس الرفع تعود إلى المكلّف نفسه تكون أقوى وأرجح من المصلحة الموجودة في نفس الحكم، فعندما يرفع المولى حكماً عن العبد بالرغم من ثبوت المصلحة والملاك في ذلك الحكم، يمكن افتراض أنّ هذا الرفع فيه مصلحة أقوى وأهم من المصلحة التي في نفس الحكم، وقد لاحظها الشارع ورفع الحكم لوجود تلك المصلحة الأهم التي تعود إلى العباد، وهذا فيه امتنان على العباد؛ لأنّ الشارع بالنتيجة لاحظ المصلحة الأهم والأكثر نفعاً والأجدى لهم، فرفع الحكم لكي يوصلهم إلى تلك المصلحة الأقوى، وهذا فيه امتنان على العباد، فبالرغم من أنّ هذا الرفع اقترن بثبوت المقتضي والملاك الذي يعود نفعه على العباد، بالرغم من هذا يكون هناك مصلحة في رفعه، وإذا كان هناك مصلحة أقوى من المصلحة التي تكون في نفس الحكم؛ فحينئذٍ يكون في هذا الرفع منّة على العبيد. فإذن: يمكن تصوّر رفعاً يصدر من الشارع، ونحافظ على معنى الرفع الذي هو رفع الأمر الثابت والموجود، والوجود وجود للمقتضي، ومع ذلك يكون في هذا الرفع امتنان؛ لوجود مقتضٍ ومصلحة أهم من هذا المقتضي، وهذه المصلحة الأهم أيضاً تعود إلى العباد، وبمجرّد أنْ نفترض أنّها تعود إلى العباد يكون الامتنان متحققّاً. فإذن: يمكن تصوّر تحققّ الامتنان في المقام. هذا بالنسبة إلى الشق الأوّل.
 أمّا بالنسبة إلى الشق الثاني: والذي هو أننّا لا يمكن أنْ نتصور الامتنان في رفع الحكم مع عدم وجود مقتضيه، فهل يمكن الالتزام بأنّ رفع الحكم ليس فيه امتنان مع عدم وجود المقتضي ؟ فنقول: أنّ هذا المطلب صحيح، والظاهر أنّه تام، فعدم المقتضي معناه أنّه لا وجود للحكم، فالحكم يرتفع قهراً بارتفاع المقتضي؛ إذ لا معنى لافتراض ثبوت حكمٍ مع عدم المقتضي، فلا وجود ولا ثبوت للحكم مع عدم مقتضيه؛ وحينئذٍ لا يكون في رفعه امتنان، فالمولى عندما يرفع حكماً، فذلك باعتبار عدم وجود مصلحة فيه، وعدم وجود ملاك فيه، وهذا ليس فيه امتنان.
 وعلى هذا الأساس يمكن أنْ نصل إلى نتيجةٍ، وهي: أنّ قرينة الامتنان لا بأس بها في محل الكلام حتّى في الأوامر التشريعيّة. بمعنى أنّ الحديث مسوقٌ مساق الامتنان. إذن: لابدّ أنْ نفترض أنّ في الرفع امتنان، وهذا لا يكون إلاّ مع افتراض بقاء المقتضي، وبقاء الملاك في الفعل، وإلاّ، مع عدم المقتضي، وعدم الملاك يكون من الصعب تصوّر الامتنان في نفس الرفع؛ لأنّ الرفع يستلزم أنْ يكون هناك مقتضٍ وملاك؛ لأنّ ارتفاع الحكم بارتفاع مقتضيه ليس فيه امتنان، والامتنان إنّما يكون عندما يكون الرفع مع وجود المقتضي، ومع وجود الملاك.
 هذا ما يرتبط بالوجه الأوّل وما يمكن أن يقال حوله، ولعلّه تأتي تتمّة له إنْ شاء الله تعالى.