35/04/02


تحمیل
الموضوع: الأصول العمليّة/ أصالة التخيير
كان الكلام في الوجه الثالث الذي ذُكر لمنع جريان البراءة الشرعية في محل الكلام، وكان حاصله، هو : أنّ أدلّة البراءة الشرعية تختص بما إذا كان هناك احتمال المطابقة للواقع، بأنْ يكون الحكم الظاهري المجعول الذي هو الإباحة، فيه احتمال المطابقة للواقع، وهذا معناه أنّ أدلّة البراءة لا تجري، إلاّ فيما إذا كان يُحتمل الإباحة الواقعية، وفي محل الكلام لا تُحتمل الإباحة والحلّية؛ بل نجزم بعدم الحلّية؛ لأنّ المفروض دوران الأمر بين الوجوب والتحريم، فكيف تجري أدلّة البراءة مع عدم احتمال مطابقة الحكم الظاهري المجعول فيها للواقع ؟! وكأنّه يعتبر في جريان البراءة احتمال المطابقة للواقع.
ويمكن أنْ يجاب عن هذا الوجه: بأنّ هذا إنّما يتم في مثل الأحكام الظاهرية الطريقية من قبيل الحجّية بالنسبة إلى الإمارات، هناك يقال بأنّه لا معنى لجعل الحجّية للإمارة، إلاّ مع احتمال مطابقتها للواقع، وأمّا مع العلم بعدم المطابقة، أو مع العلم بالمطابقة، فلا معنى لجعل الحجّية لتلك الإمارة، وأمّا في مثل محل الكلام، الإباحة التي هي من الأحكام الظاهرية التي لا تجعل كطريقٍ لإحراز الواقع، ولا يُراد بها إحراز الإباحة الواقعية حتّى يقال بأنّها تختص بما إذا كان هناك احتمال واقعي للإباحة الواقعية، ولا تشمل ما إذا لم تُحتمل الإباحة، الإباحة والبراءة والحلّية أحكام ظاهرية مجعولة لا على نحو الطريقية، وإنّما الغرض منها أنّها تكشف عن اهتمام الشارع بالأحكام الترخيصية أكثر من اهتمامه بالأحكام الإلزامية عندما يقع التزاحم بينهما في مقام الحفظ، هي تُعبّر عن ذلك لا أكثر، ومن هنا لا معنى لأنْ نقول بأنّ جعل الإباحة الظاهرية مشروط باحتمال مطابقتها للواقع؛ بل موضوع هذه الأصول هو الشكّ في الحكم الواقعي، فمتى شكّ المكلّف في الحكم الواقعي تحقق موضوعها، وأمكن جعلها ــــــــــ أي الإباحة ــــــــــ وإن لم نحتمل مطابقتها للواقع، حتّى إذا قلنا بأننا لا نحتمل الإباحة الواقعية، لكن يكفي في إمكان جعل الإباحة والبراءة والحلّية الشكّ في الحكم الواقعي، إذا شك المكلّف في الوجوب تُجعل له البراءة، أو الإباحة من دون فرق بين أنْ تكون الإباحة محتملة في الواقع كما إذا دار الأمر بين الوجوب وبين الإباحة، وبين أنْ لا تكون الإباحة محتملة أصلاً كما إذا دار الأمر بين الوجوب والتحريم كما في محل الكلام، الإباحة يكفي فيها الشكّ في الحكم الواقعي، حتّى إذا لم نحتمل الإباحة في الواقع، ليست الإباحة متقوّمة باحتمال أنْ يكون هذا الحكم الظاهري الذي هو عبارة عن الإباحة، أو الحلّية محتمل المطابقة للواقع، هذا لم يؤخذ في أدلّة الإباحة، وإنّما المأخوذ في أدلّة الإباحة هو الشكّ في الحكم الواقعي، وهذا الشك في الحكم الواقعي موجود في محل الكلام، قلنا أنّ تطبيق الإباحة، أو البراءة، أو الحلّية يكون على كل طرفٍ في محل الكلام بخصوصه، بمعنى أننا نلتفت إلى احتمال الوجوب، فنجري فيه البراءة بخصوصه، واحتمال التحريم نجري فيه البراءة؛ لأنّ مفاد البراءة هو نفي وجوب الاحتياط، ونحن نحتمل وجوب الاحتياط في هذا الطرف بخصوصه؛ لأننا قلنا أنّ جعل وجوب الاحتياط من قبل الشارع في هذا الطرف بخصوصه أمر ممكن، وليس محالاً أنْ يأمر الشارع بالاحتياط بلحاظ الوجوب، يعني يأمر بالفعل احتياطاً، أو يأمر بالترك احتياطاً، يعني يأمر بالاحتياط بلحاظ التحريم.
إذن: البراءة التي نجريها هي لنفي وجوب الاحتياط في هذا الطرف بخصوصه، هل أوجب عليّ الشارع الفعل في مثل هذه الحالة من باب الاحتياط ؟ هذا محتمل، محتمل أنّ الشارع جعل وجوب الاحتياط بلحاظ الوجوب، فتجري البراءة لنفي هذا الاحتمال. احتمال أيضاً أنّ الشارع جعل عليّ وجوب الاحتياط بلحاظ التحريم، هذا أيضاً أمر ممكن وليس فيه استحالة، أيضاً البراءة تجري لنفي احتمال وجوب الاحتياط بلحاظ التحريم، هذا هو المقوّم لجريان أدلّة البراءة، أنّ يكون هناك شك في الحكم الواقعي، وهذا موجود في محل كلامنا. أمّا أنْ نشترط في جريان البراءة أنْ يكون الحكم الظاهري الذي تحكم به تلك الأدلّة يحتمل المطابقة للواقع بحيث تختص أدلّة البراءة بخصوص الشبهات التحريمية البدوية، أو الشبهات البدوية الوجوبية، هذا لا دليل عليه.
على كل حال، ما يقال من أنّ الأحكام الظاهرية متقوّمة بالشك أمر صحيح، لكن معنى الشكّ هو عدم العلم بالحكم الواقعي، لابدّ من افتراض شكّ في الحكم الواقعي، لكن ليس معنى تقوّم الأحكام الظاهرية بالشك هو أنْ يكون هناك احتمال مطابقة الحكم الظاهري المجعول للواقع، وإنّما الشك يعني لابدّ أنْ يكون هناك شيء مشكوك تشك فيه حتّى يُجعل هذا الحكم الظاهري، بمعنى عدم العلم بالحكم الواقعي، ليس معنى ذلك أنْ يكون الحكم الظاهري المجعول محتمل المطابقة للحكم الواقعي الذي يُشَكّ فيه، هذا لم يدل عليه دليل.
الوجه الرابع: ما يُفهم من كلمات المحقق العراقي(قدّس سرّه) في نهاية الأفكار،[1] وحاصل ما نفهم من كلامه أنّه يقول: لا مجال لجريان أدلّة البراءة وأصالة الحلّية في المقام لإثبات الترخيص في الفعل والترك. ويُعللّ ذلك باعتبار أنّ الترخيص المستفاد من هذه الأدلّة ـــــــــــ أدلّة البراءة، أدلّة الإباحة، أدلّة الحلّية ــــــــــ إنّما هو الترخيص بملاك الجهل وعدم البيان؛ لأنّ الذي يُفهم من هذه الأدلّة هو أنّ الجهل عذر، وأنّ هذه المعذورية الثابتة في حالة الجهل ترتفع بالعلم، هذا مفاد هذه الأدلّة، معذورية الجاهل لجهلة، وعدم معذورية العالم، فالمعذورية تثبت في حال الجهل وترتفع في حال ارتفاع الجهل وتبدّل الجهل بالعلم. هذا مفاد هذه الأدلّة، المعذورية وعدم المعذورية، والمنجّزية وعدم المنجّزية أمران مرتبطان بالعلم والجهل، الجهل بالحكم الواقعي يعتبر عذراً، وترتفع هذه المعذورية إذا تبدّل الجهل بالعلم، فالذي يُستفاد منها هو الترخيص، لكن بملاك الجهل وعدم العلم وعدم البيان. يقول: من الواضح أنّ هذا الترخيص بملاك عدم البيان إنّما يثبت في حالة سقوط العلم الإجمالي عن المنجّزية وعن التأثير؛ لأنّه في حالة وجود العلم الإجمالي وبقاءه على المنجّزية وعدم سقوطه عن التأثير سوف يكون مانعاً من جريان البراءة، وإنّما نستطيع إجراء البراءة بعد فرض سقوط هذا العلم الإجمالي عن التأثير والمنجّزية، وإلاّ لو كان العلم الإجمالي باقياً على حاله في التأثير والمنجّزية لكان مانعاً من جريان البراءة.
إذن: جريان البراءة بملاك الجهل وعدم البيان موقوف على سقوط العلم الإجمالي عن المنجّزية؛ لأنّه يمنع من جريان البراءة. الآن نأتي إلى سقوط العلم الإجمالي عن المنجّزية في محل الكلام، لا إشكال في سقوط العلم الإجمالي عن المنجّزية في محل الكلام، لكن لماذا يسقط العلم الإجمالي عن المنجّزية والتأثير ؟
بعبارةٍ أخرى: إنّ العلم بالإلزام المردّد بين الوجوب والتحريم لا يكون منجّزاً لكلٍ من الطرفين لعدم قدرة المكلّف على امتثال الوجوب وامتثال التحريم، لمكان الاضطرار يسقط العلم الإجمالي عن المنجّزية، ولاستحالة تكليف العاجز واستحالة الترجيح بلا مرجّح يسقط هذا العلم الإجمالي عن المنجّزية، فإذا سقط العلم الإجمالي عن المنجّزية لمكان الاضطرار واستحالة تكليف العاجز يكون هناك حكم عقلي بالترخيص، والتخيير بين الفعل والترك، باعتبار استحالة تكليف العاجز واستحالة الترجيح بلا مرجّح؛ فحينئذٍ يستقل العقل بالتخيير بين الفعل وبين الترك.
إذن: في مرحلة سابقة على إجراء البراءة، قبل أن نأتي إلى أدلّة البراءة ونريد إجراء البراءة في محل الكلام، في مرحلة سابقة على ذلك كان هناك تخيير عقلي بين الفعل والترك لمكان الاضطرار الموجب لسقوط العلم الإجمالي عن التأثير والمنجّزية، وفي هذه الحالة يقول: لا مجال حينئذٍ للتمسّك بأدلّة البراءة لإثبات البراءة والإباحة والحلّية والتخيير بين الفعل والترك، لا مجال لذلك بعد حكم العقل بالترخيص، ويقول:(فلا يبقى مجال لجريان البراءة نظراً إلى حصول الترخيص حينئذٍ في المرتبة السابقة على جريانها بحكم العقل بالتخيير بين الفعل والترك). يعني أنّ النوية لا تصل إلى البراءة أصلاً، إلاّ إذا سقط العلم الإجمالي؛ لأنّه في حال وجوده يمنع من جريان البراءة، وسقوط العلم الإجمالي إنّما يكون باعتبار مكان الاضطرار وحكم العقل باستحالة التكليف، فإذا استحال تكليف هذا، فهذا معناه أنّ هناك تخييراً عقلياً بين الفعل وبين الترك، ومع وجود الترخيص العقلي وحكم العقل بالتخيير بين الفعل والترك الذي حصل بعد فرض سقوط العلم الإجمالي عن المنجّزية باعتبار الاستحالة المذكورة؛ حينئذٍ لا مجال للرجوع إلى أدلّة البراءة وإثبات الترخيص في محل الكلام بعد حكم العقل بالتخيير بين الفعل والترك.
أقول: هذا الكلام كأنّه ـــــــــ والله العالم ــــــــــ يرجع إلى الوجه الأوّل، يعني كأنّه استدلال باللّغوية، كأنّه يريد أنْ يقول لا معنى لجعل البراءة الشرعية كحكم ظاهري من قبل الشارع في موردٍ يحكم العقل فيه بالتخيير بين الفعل وبين الترك، هذا شيء لا فائدة منه، فلا مجال لجريان البراءة نظراً إلى حصول الترخيص في المرتبة السابقة بحكم العقل بالتخيير بين الفعل وبين الترك. لا يبعُد أنْ يكون مقصوده هو إشارة إلى لغوية جعل هذا الحكم الظاهري الشرعي المستفاد من أدلّة البراءة والإباحة في محل الكلام، باعتبار ثبوت الترخيص في مرتبةٍ سابقةٍ ؛ يعني في مرتبة ما قبل البراءة سقط العلم الإجمالي؛ لأنّ البراءة لا تجري إلاّ بعد سقوط العلم الإجمالي عن التأثير، وفي تلك المرتبة ثبت الترخيص العقلي والتخيير العقلي بين الفعل والترك. إذن: في مرتبةٍ سابقةٍ على إجراء البراءة ثبت التخيير العقلي بين الفعل والترك؛ وحينئذٍ لا مجال لجريان البراءة. الظاهر أنّ هذا هو مقصوده، يعني نستطيع أن نقول: أنّ هذا الوجه تقريباً يرجع إلى الوجه الأوّل المتقدّم الذي كان عبارة عن دعوى أنّ جعل البراءة والإباحة في محل الكلام لغو، باعتبار أنّ العقل يحكم بالتخيير بين الفعل والترك، وقلنا أنّ هذا الإشكال لا يختص بمحل الكلام؛ بل يجري في جميع موارد جريان البراءة بناءً على الإيمان بقاعدة قبح العقاب بلا بيان؛ لأنّه في كل تلك الموار يحكم العقل بالترخيص، فيقع الكلام في أنّ جعل الإباحة حينئذٍ من قبل الشارع يكون لغواً وبلا فائدة، وفي خصوص المقام الفائدة ملموسة، يعني ليس هناك لغوية، جعل البراءة والتمسّك بها في محل الكلام له فائدة ملموسة، ليست موجودة وثابتة في مرحلة سابقة، الترخيص العقلي الثابت في المرحلة السابقة، حكم العقل بالتخيير بين الفعل وبين الترك الثابت في مرحلةٍ سابقةٍ على إجراء البراءة، هذا كلّه صحيح، لكنّه كان ناظراً إلى الجامع المعلوم الذي هو عبارة عن الإلزام، يعني الترخيص ثابت من ناحية العلم الإجمالي بهذا الإلزام؛ لأنّ هذا الترخيص إنّما ثبت بعد سقوط العلم الإجمالي عن التأثير وعن المنجّزية باعتبار عدم القدرة وباعتبار الاضطرار، فكأنّه يريد أن يقول أنّ هذا العلم الإجمالي لا يكون منجّزاً للطرفين؛ لاستحالة ارتكابهما واستحالة ترجيح أحدهما على الآخر، فلا يكون منجّزاً للطرفين، بينما ما نريد إثباته بالبراءة في المرحلة المتأخرة ليس هو هذا الترخيص، ليس هو التخيير بين الفعل والترك من ناحية العلم الإجمالي، بمعنى أنّ العلم الإجمالي ليس مؤثراً في التنجيز، وإنّما ما نريد إثباته في المقام هو إجراء البراءة بخصوص هذا الطرف وبخصوص هذا الطرف، وإجراء البراءة بخصوص الوجوب أمر ممكن لنفي احتمال وجوب الاحتياط في هذا الطرف، احتمال وجوب الاحتياط في طرف الوجوب هو احتمال وارد، كما أنّ احتمال وجوب الاحتياط شرعاً بلحاظ التحريم أيضاً احتمال وارد، كلٌ منهما محتمل، أنا احتمل أنّ الشارع يوجب عليّ الفعل احتياطاً؛ لأنّه يهتم بالوجوب أكثر من التحريم، احتمال وجوب الاحتياط في هذا الطرف بخصوصه هو الذي نريد أنّ نجري البراءة لنفيه، وهذا لم يكن موجوداً قبل إجراء البراءة، وإنّما نريد أن ننفيه بإجراء البراءة، بإجراء البراءة نريد أن ننفي احتمال وجوب الاحتياط بلحاظ الوجوب، كما نريد أن ننفي جعل وجوب الاحتياط بلحاظ التحريم؛ لأنّ كلاً منهما محتمل، وكل منهما يُجهل به، فيتحقق موضوع البراءة الذي هو الجهل وعدم العلم وعدم البيان، والفائدة من جعل البراءة هو نفي احتمال وجوب الاحتياط شرعاً من ناحية الوجوب، هذا التحريم أيضاً مجهول عندي، فيتحقق موضوع البراءة، فالبراءة التي أجريها براءة بملاك الجهل، بملاك عدم العلم وعدم البيان، لا براءة بملاك الاضطرار وبملاك عدم القدرة، هذا الشيء الذي كان ثابتاً قبل إجراء البراءة ليس بهذا الملاك، وإنّما هي براءة بملاك الجهل، باعتبار أنّ التحريم مجهول بالوجدان، ويُحتمل أنّ الشارع وضع وجوب الاحتياط بلحاظه، الغرض من البراءة هو نفي هذا الاحتمال.
إذن: هذا لا يمكن أنْ نقول عنه أنّه لغو وبلا فائدة، ولا يمكن جريان البراءة في مورد يحكم فيه العقل بالتخيير بين الفعل وبين الترك، كلا، الفائدة مترتبة وواضحة في محل الكلام.
الوجه الخامس: أنّ عدم المنجّزية في المقام ليست من جهة الجهل وعدم العلم، لوضوح وجود العلم بالإلزام، وعدم وجود قصور من ناحية العلم؛ لأنّ المكلّف يعلم بالإلزام، وإنّما من جهة عدم القدرة على الامتثال؛ لأنّ المكلّف لا يقدر على امتثال هذا الإلزام المعلوم إجمالاً؛ لأنّه دائر بين المحذورين ــــــــــــ الوجوب والتحريم ــــــــــــ فمن هنا يكون معذوراً، ولا يتنجّز عليه هذا الإلزام المعلوم، ومن هنا تكون المعذورية هي الثابتة في محل الكلام، يقول: من الواضح أنّ المعذّرية، أو عدم المنجّزية بملاك عدم القدرة على الامتثال لا ربط لها بأدلّة البراءة، ولا تستفاد من أدلّة البراءة؛ لأنّ مفاد أدلّة البراءة هو المعذرية بملاك الجهل وعدم العلم لا المعذرية بملاك عدم القدرة على الامتثال، وقلنا أنّ مفاد أدلّة البراءة هو معذورية الجهل، وهذه المعذورية ترتفع بارتفاع الجهل وتبدّله بالبيان والعلم، المعذرية في محل الكلام ليست من هذا القبيل؛ لأنّه لا قصور في العلم والبيان، البيان تمّ على الإلزام، وإنّما هذا لا يكون منجّزاً وتثبت المعذورية باعتبار عدم القدرة على الامتثال، هذه المعذورية الثابتة في محل الكلام غير المعذورية التي تستفاد من أدلّة البراءة، وبناءً على هذا لا يمكن إجراء أدلّة البراءة والتمسّك بها لإثبات مفادها في محل الكلام؛ لأنّ مفاد أدلّة البراءة هو المعذورية من جهة الجهل وعدم البيان، وهذا غير متحقق في محل الكلام لما قلناه من عدم قصور في البيان وفي العلم، وإنّما الشيء الموجود هو عدم القدرة على الامتثال، فكيف يمكن التمسّك بأدلّة البراءة لإثبات مفادها في محل الكلام، والحال أنّ مفادها في محل الكلام لا يمكن إثباته، وإنّما الثابت هو معذورية أخرى وعدم منجّزية أخرى، وهي عدم منجّزية ثابتة بملاك الاضطرار وعدم القدرة.
وجواب هذا الوجه لعلّه اتضح ممّا ذكرناه قبل قليل من أنّ هذا الكلام كلّه ينظر إلى الجامع الدائر أمره بين الوجوب وبين التحريم، ينظر إلى الإلزام، ومن هنا يقول بأنّ هذا الجامع تمّ عليه البيان؛ لأنّ المفروض أنّ المكلّف عالم به، فلا قصور في العلم والبيان، وعدم المنجّزية إنّما يكون ثابتاً باعتبار عدم القدرة على امتثاله، هو غير قادر على امتثاله؛ لأنّ أمره دائر بين المحذورين. هذا كلام صحيح، فلا قصور في العلم إذا لاحظنا الجامع الذي هو الإلزام، وقد تمّ عليه البيان، فالمعذورية من ناحيته فيه ليست معذورية بملاك الجهل، أو بملاك عدم البيان؛ لأنّه لا قصور في البيان، لكن قلنا أننّا لا نريد أنْ نجري البراءة في ذلك، لا نريد أنْ نتمسّك بالبراءة لإثبات المعذورية بلحاظ الجامع حتّى يقال أنّ المعذورية الثابتة بلحاظ الجامع ليست ثابتة بملاك الجهل وعدم العلم الذي هو مفاد أدلّة البراءة، وإنّما هي ثابتة بملاك عدم القدرة والاضطرار، لا يُراد ذلك، وإنّما يُراد التمسّك بأدلة البراءة لإثبات المعذورية بلحاظ هذا الطرف بخصوصه، وبلحاظ ذاك الطرف بخصوصه، المقصود هو هذا، ومن الواضح بأننّا لا يمكن أن نقول بأنّ المعذورية هنا ثابتة بملاك عدم القدرة على الامتثال؛ لأنّ المكلّف قادر على امتثال الوجوب إذا لاحظه وحده، وقادر على امتثال التحريم إذا لاحظه وحده، ليس هناك عدم قدرة على الامتثال، عندما نلاحظ الجامع المردّد بين المحذورين ليس هناك قدرة على الامتثال، لكننا لا نريد أن نجري البراءة بلحاظ الجامع، وإنّما نريد أن نجريها بلحاظ الوجوب، احتمال الوجوب هذا أمر يمكن كما قلنا أنْ يضع الشارع وجوب الاحتياط بلحاظه، وقلنا أنّه لا محذور فيه، ونريد أن نجري البراءة لنفي هذا الاحتمال، أنّ الشارع لم يضع الوجوب ظاهراً عليّ، ولم يلزمني بالفعل احتياطاً، نريد أن ننفي هذا الاحتمال فنتمسّك بالبراءة، هذه معذورية ثابتة بملاك الجهل وعدم العلم؛ لأنني لا أعلم بالوجوب، وليست معذورية ثابتة بملاك عدم المقدورية، وإنّما المعذورية ثابتة بملاك الجهل وعدم العلم وهي مفاد أدلّة البراءة، فالتمسّك بأدلّة البراءة لإثبات المعذورية بلحاظ هذا الطرف وبلحاظ هذا الطرف لا يمكن أن يقال بأنّها معذورية خارجة عن مفاد أدلّة البراءة؛ بل هي عين مفاد أدلّة البراءة.