35/04/11


تحمیل
الموضوع: الأصول العمليّة/ أصالة التخيير
كان الكلام في القول الثالث: الذي هو الالتزام فيالمقام بالتخيير الشرعي بين الفعل وبين الترك، وذكرنا في الدرس السابق أنّه أورد على ذلك بأنّ التخيير الشرعي إن كان في المسالة الأصولية، فلا دليل عليه في المقام، وإن كان التخيير في المسألة الفرعية، بمعنى التخيير بين الفعل والترك الذي يكون المُخيّر فيه هو المكلّف نفسه، فهذا لا وجه له؛ بل لا يُعقل؛ لأنّ الغرض من التخيير بين الفعل والترك هو إلزام المكلّف بأحد الأمرين الراجع إلى وجوب الجامع بينهما، وهذا أمر حاصل في محل الكلام؛ لأنّ المكلّف تكويناً هو لا يخلو من أحد الأمرين، إمّا الفعل وإمّا الترك، فإيجاب الجامع عليه بين الفعل والترك يكون لغواً؛ بل محالاً؛ لأنّه من طلب الحاصل.
هناك كلام في إمكان التخيير في المقام، أو عدم إمكانه لا نتعرّض له، في أصل إمكان التخيير في محل الكلام وعدم إمكانه، على كل حالٍ، سواء قلنا بإمكانه، أو لم نقل بإمكانه يمكن أنْ يكون ما ذُكر من إشكال عليه وارداً، وهو أنّه لا دليل على هذا التخيير بين الطرفين على نحو التخيير في المسألة الأصولية.
قد يقال: بأنّ الدليل على هذا التخيير الشرعي في المقام هو البراءة الشرعية الجارية في كلٍ من الطرفين على ما تقدّم سابقاً؛ وحينئذٍ يكون التخيير شرعياً بعد جريان البراءة الشرعية في كلٍ من الطرفين، يكون التخيير شرعياً ومستنداً إلى هذه البراءة الشرعية الجارية في كلٍ من الطرفين، فيثبت التخيير الشرعي استناداً إلى دليل البراءة.
ولكن هذا الأمر لا يمكن قبوله، وذلك:
أوّلاً: لما تقدّم سابقاً من عدم جريان البراءة الشرعية في محل الكلام، لقصورٍ في دليلها على ما تقدّم، ولو سلّمنا جريان البراءة الشرعية في محل الكلام، فالظاهر أنّ هذه البراءة لا يثبت بها ــــــــــ على تقدير جريانها في محل الكلام ــــــــــــ إلاّ نفي احتمال تعيّن هذا الطرف ونفي احتمال تعيّن هذا الطرف، باعتبار أنّ تعيّن هذا الطرف مجهول، فتجري فيه البراءة الشرعية، كما أنّ تعيّن الطرف الآخر أيضاً مجهول ولا علم للمكلّف به، فتجري فيه البراءة، وباعتبار أنّ هذا التعيّن فيه كلفة وضيق على المكلّف، فينفى بأدلّة البراءة، ومن الواضح أنّ هذا ليس هو التخيير الشرعي الذي نتكلّم عنه في المقام، وإنّما البراءة عندما تجري تنفي احتمال تعيّن هذا وتنفي احتمال تعيّن هذا أيضاً، وهذا ليس هو التخيير الشرعي المقصود في محل الكلام، التخيير الشرعي المقصود في محل الكلام هو حكم شرعي، هذا لا يستقاد من دليل الرفع وأمثاله، دليل الرفع يكون مؤمّناً من ناحية احتمال تعيّن الوجوب، وكذلك من ناحية احتمال تعيّن الحرمة، يثبت به التأمين فقط ونفي احتمال التعيّن، وهذا شيء آخر غير التخيير بينهماً شرعاً بحيث ننسب إلى الشارع أنّه خيّر بينهما بحيث يكون التخيير تخييراً شرعياً. إذن، لا يمكن أن يكون المستند للتخيير الشرعي في محل الكلام هو أدلّة البراءة.
قد يقال: أنّ الدليل على التخيير الشرعي في المقام هو نفس الدليل الدال على التخيير بين الخبرين المتعارضين، فالدليل الدال على التخيير بين الخبرين إذا تمّ، فأنّه يكون دليلاً على التخيير في محل الكلام، وذلك باعتبار أنّ ذلك الدليل وإن ورد بين الخبرين المتعارضين، لكن يمكن إلغاء خصوصية الخبرين، وذلك بافتراض أنّ الخبرين ليس لهما خصوصية في هذا الحكم إلاّ باعتبار أنّ كل واحدٍ منهما يورث احتمال مطابقة مضمونه للواقع، ففي الحقيقة الخبران مذكوران في هذه الروايات وفُرض التخيير بين الخبرين المتعارضين، لكنّ الخبرين لا خصوصية لهما، إلاّ بمقدار ما يورثانه من احتمال الواقع، فكأنّ المدار في هذا الحكم بالتخيير في باب الخبرين المتعارضين هو احتمال الواقع، فإذا فرضنا أنّ أحد الخبرين دلّ على الوجوب، والخبر الآخر دلّ على التحريم، فتعارضا، هنا تأتي أدلّة التخيير بينهما بلا إشكال؛ لأنّ موردها هو الخبران المتعارضان، لكن الخبر ليس له خصوصية، إلاّ بمقدار ما يورث من احتمال الوجوب، وهذا أيضاً ليس له خصوصية إلاّ باعتباره موجباً لاحتمال التحريم.
إذن: المناط في الحكم بالتخيير في تلك الروايات هو احتمال التحريم واحتمال الوجوب، ومن الواضح أنّ هذا متحقق في محل الكلام؛ لأنّه في محل الكلام بالفرض يوجد احتمال التحريم واحتمال الوجوب، المكلّف في محل الكلام يحتمل تحريم الفعل ويحتمل وجوبه؛ وحينئذٍ تكون تلك الأخبار شاملة له، تخيّر بينهما، وهذا تخيير في المسألة الأصولية، فيمكن أن يكون الدليل على التخيير في محل الكلام هو تلك الأخبار الواردة في الدليلين المتعارضين بعد إلغاء خصوصية الخبرين فيها.
لكنّ هذا الكلام مردود، باعتبار أنّ الجماعة استشكلوا في التعدّي إلى سائر الإمارات عندما يقع التعارض في ما بينها غير الخبرين، فضلاً عن التعدّي إلى محل الكلام ممّا لا يوجد فيه إلاّ احتمال الوجوب في مقابل التحريم، هناك إشكال في التعدّي من مورد هذه الروايات إلى التعارض الحاصل في سائر الإمارات غير الخبرين المتعارضين، إذن: ما ظنّك بمحل الكلام الذي لا يوجد فيه أيّ إمارة وأيّ طريق مثبت للاحتمال، وإنّما فقط هناك احتمال الوجوب واحتمال التحريم، والسرّ في عدم التعدّي، على الأقل فيما يرتبط بمحل الكلام، السرّ في عدم إمكان التعدّي من تلك الأخبار إلى محل الكلام هو أنّ المفروض في باب التعارض أنّ كلّ واحد من الخبرين هو حجّة في حدّ نفسه، في باب التعارض يقال: لا معنى للتعارض بين ما هو حجّة وبين ما ليس حجّة، وإنّما يقع التعارض بين الخبرين بعد أن يستكمل كل منهما مقوّمات الحجّية في حدّ نفسه وبقطع النظر عن باب التعارض. إذن: في باب تعارض الخبرين يُفترض أنْ يكون كل واحدٍ من الخبرين هو حجّة في حدّ نفسه، ومن الواضح أنّ كل ما يكون حجّة يكون واجب الإتباع، ويجب العمل بمقتضاه، فهذا الخبر يجب العمل بمقتضاه وينجّز مضمونه ومفاده لو كان وحده وفي حدّ نفسه، وهكذا الخبر الآخر؛ حينئذٍ من الممكن أن يكون التخيير بينهما إنّما فُرض على المكلّف وحكم الشارع بالتخيير بينهما لئلاّ يؤدي عدم هذا الحكم إلى طرح كلا الحجّتين، فيقال له: كل منهما حجّة، ولا يمكن العمل بكلٍ منهما، أعمل على نحو التخيير.
بعبارةٍ أخرى: أنّ كون الخبر حجّةُ وطريقاً إلى الواقع ومنجّزاً لمؤداه لعلّه دخيل في الحكم بالتخيير بينهما بحيث لو لم نفترض ذلك كما في محل الكلام، حيث لا نفترض قيام حجّة على هذا الاحتمال، وقيام حجّة على هذا الاحتمال، لعلّه لا يحكم الشارع بالتخيير بينهما شرعاً، إذن، لا يمكن التعدّي من تلك الأخبار إلى محل الكلام؛ لأنّ مورد الأخبار توجد فيه خصوصية وهي خصوصية كون كل خبر من الخبرين المتعارضين حجّة، والشارع يقول إذا لم يمكن العمل بكلٍ منهما كما هو المفروض، فليعمل بأحدهما لئلاّ يلزم طرح ما هو حجّة في حدّ نفسه، ولا موجب لطرح ما هو حجّة في حدّ نفسه، إنّما المقدار اللازم هو طرح أحدهما، هذا لابدّ منه، فليطرح أحدهما وليعمل بالآخر، إذن، احتمال الخصوصية في تلك الأخبار تمنع من التعدّي إلى محل الكلام.
ومن هنا يظهر أنّ الإشكال الذي ذُكر على القول بالتخيير الشرعي وارد، وهو أنّه إن أُريد بالتخيير التخيير في المسألة الأصولية، فلا دليل عليه، وإن أُريد به التخيير في المسألة الفرعية، فهذا غير معقول؛ لأنّه يدخل في طلب الحاصل على ما بيّناه.
القول الرابع: هو القول الذي اختاره صاحب الكفاية(قدّس سرّه)،[1] في دوران الأمر بين المحذورين يرى صاحب الكفاية(قدّس سرّه) أنّ التخيير بين الفعل والترك ثابت عقلاً، يعني يرى ثبوت التخيير العقلي لا الشرعي، والسرّ في ثبوت التخيير العقلي واضح، باعتبار أنّ المكلّف لا يخلو من الفعل، أو من الترك، تكويناً هو لا يخلو من أحدهما؛ فحينئذٍ هو بحكم العقل يكون مخيّراً بين الفعل وبين الترك؛ لأنّه لا يخلو من أحدهما، فالتخيير بينهما ليس شرعياً وإنّما هو تخيير عقلي. ويلتزم في نفس الوقت بالإباحة الشرعية، فهو من جهةٍ يلتزم بالتخيير العقلي بين الفعل والترك لعدم خلو المكلّف من أحدهما تكويناً، ويلتزم بأنّ هناك حكماً ظاهرياً شرعياً مجعولاً في هذا المورد وهو الإباحة، بمعنى أنّ الشارع حكم بإباحة الفعل ظاهراً في هذا المورد، هذه الإباحة الظاهرية التي التزم بها في محل الكلام ذكر بأنّ مستندها هو أدلّة الحل المتقدّمة عندما بحثنا أدلّة البراءة(كل شيء لك حلال حتّى تعرف أنّه حرام) ما هو الضير في إجراء هذه الأدلّة وشمولها لمحل الكلام ؟ لأنّ هذا الفعل أنا لا أعلم بحرمته، بالوجدان أنّا لا أعلم بحرمته، والدليل يقول(كل شيء لك حلال حتّى تعرف أنّه حرام)، وأنا لا أعلم بحرمته، إذن: هو لي حلال، ويقول لا مانع، لا عقلاً ولا نقلاً من شمول دليل الحل لمحل الكلام؛ فحينئذٍ يُلتزم بالإباحة الظاهرية الشرعية في محل الكلام والتخيير بينهما يكون تخييراً عقلياً لا تخييراً شرعياً.
واعتُرض على هذا الرأي بعدّة اعتراضات، نذكر الاعتراضات الثلاثة التي ذكرها المحقق النائيني(قدّس سرّه):[2]
الاعتراض الأوّل: أنّ أدلّة اصالة الإباحة والحل لا تشمل محل الكلام؛ لأنّها تختص بما إذا كان طرف الحرمة هو الإباحة والحل، إذا كان في مقابل احتمال الحرمة احتمال الحل كما في الشبهات التحريمية، الشبهات التحريمية تختص بهذا المورد، وفي محل الكلام الأمر ليس كذلك، في مقابل طرف الحرمة ليس هو الإباحة والحل، وإنّما الذي في مقابل طرف الحرمة هو الوجوب، يعني في مقابل احتمال الحرمة في محل الكلام هو الوجوب، يقول أنّ أدلّة الحل لا تشمل إلاّ ما إذا كان في مقابل احتمال الحرمة احتمال الحل، احتمال الإباحة؛ عندئذٍ تجري هذه الأدلّة. وأمّا إذا كان ما يقابل احتمال الحرمة في موردٍ هو احتمال الوجوب، كما في محل الكلام، فهذا ليس مشمولاً لهذه الأدلّة، وهذا عبارة أخرى عن أنّ هذه الروايات تختص بالشبهات التحريمية التي يكون في مقابل احتمال الحرمة فيها احتمال الحل واحتمال الإباحة، ولا تشمل ما إذا كان في مقابل احتمال الحرمة احتمال الوجوب كما في محل الكلام. لماذا تختص بذلك ؟ يقول لأنّ لسانها هو هذا، فهي تقول(كل شيءٍ لك حلال حتى تعلم أنّه حرام)، فيُستفاد من هذا أنّ ما يكون في مقابل احتمال الحرمة هو احتمال الحل، الشيء الذي لا تعلم أنّه حرام، أو حلال، هو لك حلال. بعض الروايات أكثر صراحة من هذا في هذا المطلب التي هي أيضاً تعتبر من أدلّة أصالة الحل وهي قوله كما تقدّم(كل شيء فيه حلال وحرام، فهو لك حلال)؛ لأنّ هذه الرواية تصرّح بأنّ كل شيءٍ فيه حلال وفيه حرام، فيفترض أنّ في مقابل احتمال الحرمة احتمال الحلّية، هذا لك حلال، هذا غير منطبق على محل الكلام؛ لأنّه في محل الكلام ليس في مقابل احتمال الحرمة احتمال الإباحة، وإنّما في مقابله احتمال الوجوب.
الاعتراض الثاني: هو أيضاً ما تقدّم سابقاً من أنّ أدلّة أصالة الحل تختص بالشبهات الموضوعية ولا تعمّ الشبهات الحكمية كما هو الحال في محل الكلام، حيث الشبهة في محل الكلام هي شبهة حكمية، لا ندري أنّ هذا الفعل واجب، أو حرام، فهو شبهة حكمية، بينما روايات الحِل تختص بالشبهات الموضوعية ولا تشمل الشبهات الحكمية، فلا يمكن الاستدلال بها في محل الكلام.
الاعتراض الثالث: وهو المهم، وهو هذا المطلب الذي تقدّمت الإشارة إليه سابقاً، يقول: أنّ جعل الإباحة الظاهرية مع العلم بجنس الإلزام غير ممكن، وفي محل الكلام هناك علم بجنس الإلزام الذي هو أعم من الوجوب، أو التحريم، لكن جنس الإلزام معلوم، جعل الإباحة الظاهرية من قبل الشارع مع العلم بجنس الإلزام غير ممكن، باعتبار أنّ أصالة الإباحة بمدلولها المطابقي تنافي المعلوم بالإجمال؛ لأنّ مفاد أصالة الإباحة هو الترخيص في الفعل والترك، هو الرخصة في الفعل والترك، اصالة الإباحة مدلولها المطابقي هو الرخصة في الفعل والترك، وهذا المفاد ينافي العلم بالإلزام، كيف يمكن الجمع بين الترخيص الظاهري في الفعل وفي الترك وبين العلم بأنّ هناك إلزاماً، إمّا بالفعل، وإمّا بالترك ؟ كيف يجتمع العلم بالإلزام مع الترخيص الظاهري بالفعل والترك، مع الإباحة الظاهرية ؟ هذان أمران لا يمكن الجمع بينهما، بقطع النظر عن أنّ هذا العلم بالإلزام مؤثر أو غير مؤثر، منجّز أو غير منجّز؛ بل هو كما تقدّم غير منجّز وليس له أيّ أثر عملي، لكن الإلزام معلوم بالوجدان ولا يمكن إنكاره بحسب الفرض، حتّى لو افترضنا أنّه غير مؤثر، لكنّه معلوم بالوجدان، المكلّف بوجدانه يعلم أنّ الشارع ألزمه إمّا بالفعل، أو بالترك، ثمّ بعد ذلك يأتي الشارع ويقول: يُرخّص لك في الفعل وفي الترك الذي هو معنى أصالة الإباحة، هذان أمران لا يمكن الجمع بينهما، ويكون أحدهما منافياً للآخر، ثمّ يذكر في ذيل عبارته بأنّ الحكم الظاهري إنما يكون في مورد الجهل بالحكم الواقعي، الحكم الظاهري إنّما يُعقل جعله في موردٍ يكون المكلّف جاهلاً بالحكم الواقعي، وأمّا مع العلم بالحكم الواقعي؛ حينئذٍ لا يمكن جعل حكم ظاهري ينافي بمدلوله المطابقي الحكم المعلوم كما في محل الكلام، كيف يمكن جعل حكم ظاهري وهو الإباحة مع العلم بالإلزام الذي يكون الحكم الظاهري بالإباحة منافياً له؟ هذا تقريباً حاصل كلام المحقق النائيني(قدّس سرّه).
الذي يُفهم من هذه العبارة كما فهم منه الآخرون، أنّ المانع من جعل الحكم الظاهري بالإباحة، من جعل الإباحة في محل الكلام ـــــــــ بحسب نظره ــــــــــ أنّ المانع منه هو أنّ الحكم بالإباحة، ولو ظاهراً مخالف للواقع، كون الحكم الظاهري مخالفاً للواقع يمنع من جعل الحكم الظاهري، وحيث أنّ المفروض في محل كلامنا أنّ الإباحة مخالفة للواقع المعلوم الذي هو الإلزام وعدم الإباحة، فالحكم بالإباحة ولو ظاهراً؛ لأنّه يكون مخالفاً للواقع يكون غير واردٍ ولا يمكن جعل مثل هذا الحكم الظاهري. ويُفهم من كلامه أنّه يشترط في ثبوت الحكم الظاهري احتمال مطابقته وموافقته للواقع، يقول: الشكّ في الحكم الواقعي هو مورد جعل الحكم الظاهري، فلابدّ أن يكون ما يُجعل من حكم ظاهري يُحتمل كونه مطابقاً للواقع، أمّا إذا علمنا بعدم مطابقته، وعلمنا بمخالفته للواقع لا يمكن جعل مثل هذا الحكم الظاهري. نكتة الاعتراض الثالث هي أنّ الحكم الظاهري إنّما يُعقل جعله في موردٍ يُحتمل أنْ يكون مطابقاً للواقع، عندما نحتمل كونه مطابقاً للواقع كما هو الحال في الشبهات التحريمية وفي الشبهات الوجوب؛ لأننّا نحتمل في تلك الموارد كونه مطابقاً للواقع، بينما في محل الكلام حيث لا نحتمل المطابقة، الإباحة المجعولة قطعاً هي مخالفة للواقع؛ لأنّ المفروض أنّ الواقع هو الإلزام وعدم الإباحة، ومثل هذا الحكم الظاهري لا يمكن جعله في محل الكلام.
إذن: الحكم الظاهري إنّما يمكن جعله بشرط احتمال كونه مطابقاً للواقع، ولا يمكن جعله مع عدم العلم بكونه مطابقاً للواقع.
ما يُمكن أن نعلّق به على هذا الكلام هو: بالنسبة للاعتراض الأوّل وهو مسألة أنّ أدلّة أصالة الإباحة مختصة بالشبهات التحريمية ولا تشمل ما إذا كان في مقابل احتمال الحرمة احتمال الوجوب.
هناك محاولة لدفع هذا الإشكال مستفادة من الكفاية؛[3] لأنّ صاحب الكفاية(قدّس سرّه) يرى جريان أصالة الإباحة في محل الكلام، والمحاولة هي محاولة لإرجاع الوجوب إلى الحرمة، وإنْ كانت الأخبار مختصة بالشبهات التحريمية، لكن يمكن إرجاع الوجوب إلى التحريم، وعلى هذا الأساس أمكن تعميم هذه الأخبار للشبهات الوجوبية كما تشمل الشبهات التحريمية، كيف يتم إرجاع الوجوب إلى التحريم ؟ بافتراض أنّه في الواجبات يجب الفعل، لكن أيضاً يحرم الترك، فنرجع وجوب الفعل إلى حرمة الترك، فتكون شبهة تحريمية؛ فحينئذٍ يكون الدليل شاملاً للشبهات الوجوبية على أساس إرجاع الوجوب فيها إلى التحريم.
وبعبارة أخرى: في الشبهات التحريمية في غير محل كلامنا تشمله هذه الأدلّة؛ لأنّها مختصة بالشبهات التحريمية كما قيل، في الشبهات الوجوبية في غير محل كلامنا أيضاً يُدّعى شمولها لها؛ لأنّ الشبهة الوجوبية يمكن تحويلها، فبدلاً من أن نقول أننا نشك في وجوب الفعل، نقول أننّا نشك في حرمة تركه، لا ندري أنّ صلاة ركعتين عند دخول المسجد واجبة، أو ليست واجبة، هذه شبهة وجوبية، بدلاً من أن نقول هكذا نقول صلاة ركعتين عند دخول المسجد هل يحرم تركها، أو لا يحرم تركها ؟ فتنقلب إلى شبهة تحريمية، فيشملها الدليل. هذا يُطبّق في محل الكلام، فيقال: أنّ هذه الأخبار تجري في طرف التحريم؛ لأنّ في المقام لدينا طرف تحريم، وطرف وجوب، احتمال وجوب واحتمال تحريم، لا مشكلة في جريان هذه الأخبار في طرف التحريم؛ لأنّه احتمال تحريم في قبال عدم التحريم وليس في قبال هذا الطرف احتمال الوجوب في نفس الطرف، وإنّما هنا احتمل حرمة الفعل، واحتمل عدم حرمته، بمعنى أنّ احتمال التحريم في الفعل موجود، فتجري فيه هذه الأدلّة؛ لأنّه شبهة تحريمية، والاحتمال الآخر هو احتمال الوجوب، أيضاً يمكن إجراء أصالة الإباحة فيه؛ لأنّه بدل الوجوب أعبّر بحرمة الترك، فأقول: أشكّ في أنّ ترك الفعل هل هو حرام، أو لا ؟ فعندي شكّ في حرمة الفعل، وعندي أيضاً شكّ في حرمة تركه الذي هو عبارة عن الشكّ في الوجوب، فشكّ في حرمة الفعل تجري فيه هذه الأدلّة، وشكّ في حرمة تركه، فتجري فيه أيضاً هذه الأدلّة، وبالتالي يمكن إجراء الأدلّة في كلا الطرفين، وهذا هو الذي نريد إثباته، أنّ أصالة الإباحة تجري في محل الكلام وإن كانت مختصة بالشبهات التحريمية.
لكن تقدّم سابقاً أنّ هذه المحاولة غير تامّة، في بحث أدلّة البراءة، تقدّم أنّها غير تامّة لما قلناه هناك من أنّ الفرق بين الوجوب وبين التحريم، بين الأمر وبين النهي هو أنّ الأمر ينشأ من مصلحة في متعلّقه، بينما ينشأ النهي من مفسدة في متعلّقه، ففي باب الواجبات لا توجد إلاّ مصلحة في الفعل فقط من دون أن تكون هناك مفسدة في الترك، وفي باب المحرّمات لا توجد إلاّ مفسدة في الفعل من دون أن تكون هناك مصلحة في الترك، هذا هو المائز بين الواجبات وبين المحرمات، فالواجبات لا يمكن تحويلها إلى حرمة الترك؛ لأنّها لم تنشأ إلاّ من مصلحة في الفعل من دون أنْ تكون هناك مفسدة في الترك حتّى نقول لوجود المفسدة في الترك يمكن تحويلها إلى التحريم، فإذن لا يمكن جعل الأخبار شاملة للشبهات الوجوبية واحتمال الوجوب مع افتراض كونها مختصّة بالشبهات التحريمية