35/05/24


تحمیل
الموضوع: الأصول العمليّة/ منجّزية العلم الإجمالي
كلامنا فعلاً في حقيقة العلم الإجمالي، والمقصود هو العلم الإجمالي أينما تحقق، سواءً كان داخلاً في محل الكلام، او ليس داخلاً في محل الكلام، أصلاً حقيقة العلم الإجمالي ما هي ؟ صحيح بعض الأمثلة التي ذكرناها سابقاً لا علاقة له بمحل البحث، يعني الشك في المكلّف به الذي يُفرض فيه العلم بالتكليف والشكّ في المكلّف به، الذي هو محل البحث، لكن نحن في المقام الأوّل نتكلّم عن حقيقة العلم الإجمالي سواء كان متحققاً في محل البحث والكلام أو كان متحققاً في غيره، قد لا يكون لبعض الأمثلة المتقدّمة علاقة بمحل البحث، لكن نحن نتكلّم عنها؛ لأننا نتكلّم عن حقيقة العلم الإجمالي، نريد أن نفهم ما هو العلم الإجمالي أينما تحقق، وفي أيّ موردٍ تحققّ، نفترض أنّه في مثال ما إذا علم إجمالاً بكذب أحد الخبرين من جهة استحالة اجتماع الضدين، أو استحالة اجتماع النقيضين، قد لا يكون لهذا المثال علاقة بمحل البحث، لا علاقة له بالشكّ في المكلّف به، وقد لا تكون له علاقة بالتكليف أصلاً ــــــــــــ مثلاً ـــــــــــ خبر يقول:(الأرض كروية)، وخبر آخر يقول(الأرض مسطّحة)، هنا أيضاً نعلم إجمالاً بكذب أحد الخبرين؛ لاستحالة اجتماع الضدين، وهذا المثال لا علاقة له بمحل البحث، لكنّه ليس إشكالاً أنّه لماذا نتكلّم ــــــــــ كما ذكر بعض الأخوة ـــــــــــ عن هذه الموارد وهي خارجة عن محل كلامنا، حتّى مثال الإنسان في المسجد قد لا يكون له دخل بمحل الكلام، قد لا يتعلّق به تكليف، وهو ليس علماً إجمالياً بالتكليف؛ لأننا في المقام الأوّل كما قلنا نريد أن نبحث عن حقيقة العلم الإجمالي، أنّ العلم الإجمالي هل يتعلّق بالجامع، أو يتعلّق بالواقع، أو بالفرد المردد، أو أنّه يتعلّق بشيءٍ آخر ؟ العلم الإجمالي بما هو علم إجمالي أينما تحقق وفي أيّ موردٍ تحقق نتكلّم عنه، هل نستطيع أن نفسّر العلم الإجمالي بتفسيرٍ مقبولٍ في جميع موارد تحققه ؟ هذا ما أردنا التنبيه عليه.
ذكرنا في الدرس السابق بأنّ القول بأنّ متعلّق العلم الإجمالي هو الفرد بحدّه الشخصي المعيّن واقعاً يمكن الالتزام به في معظم موارد العلم الإجمالي، لكن هناك بعض الموارد التي لا تقبل هذا الكلام فيه وهي الموارد التي يكون السبب في حصول العلم الإجمالي على نسبةٍ واحدة بلحاظ الطرفين، أو قل بالعبارة المتقدّمة أنّ المعلوم بالإجمال ليس له تعيّن في الواقع، في الأمثلة المتقدّمة كان المعلوم بالإجمال له تعيّن في الواقع في مثال المسجد وفي مثال الإناءين اللذين نعلم بسقوط قطرة بولٍ في أحدهما، ما نعلمه بالإجمال له تعيّن في الواقع؛ ولذا قلنا أنّه من المعقول جدّاً أن يتعلّق به العلم التفصيلي، فيكشف عن المعلوم بالإجمال؛ لأنّ له تعيّن في الواقع يقبل تعلّق العلم التفصيلي به ويكون العلم التفصيلي كاشفاً عنه؛ ولذا يصح له أن يقول فيما لو أنكشف الواقع أنّ هذا معلومي بالإجمال، أمّا في الموارد التي ليس للمعلوم تعيّن في الواقع كما في هذا مثال الخبرين الذيَن نعلم بكذب أحدهما، هنا منشأ العلم الإجمالي نسبته متساوية إلى كلٍ من الخبرين، المعلوم بالإجمال ليس له تعيّن واقعي، المعلوم بالإجمال هو أحد الخبرين، ليس له تعيّن في الواقع بحيث أنّ العلم التفصيلي يتعلّق به ويكشف عنه، هذا هو الذي قلنا بأنّه لا يمكن أن نطبّق عليه ما ذكرناه سابقاً، هنا لا يمكن أن نقول بأنّ العلم الإجمالي يتعلّق بالفرد بما له من الحدّ الشخصي المعيّن، لا يوجد تعيّن في الواقع للمعلوم بالإجمال؛ ولذا هنا يتعيّن أن نلتزم بشيءٍ آخر فيه، أن نفسّر العلم الإجمالي في هذه الموارد بتفسير آخر، بأن نقول أنّ العلم الإجمالي هنا يتعلّق بالجامع، أن يتعلّق العلم الإجمالي في هذه الموارد بعنوان(أحد الخبرين) هذا هو المعلوم بالإجمال، أحد الخبرين كاذب، ما أعلمه هو كذب أحد الخبرين لا أنّ ما أعلمه هو الفرد بحدّه الشخصي المعيّن في الواقع، وإنّما ما أعلمه هو أحد الخبرين لا أكثر من ذلك ولا نتعدّى من ذلك إلى غيره، هذا هو الذي نعلمه، ويقف العلم الإجمالي على هذا الجامع. هذا لابدّ أن نقوله في مثل هذه الموارد. هل هناك مانع من أن يُلتزم بذلك في هذه الموارد وفي نفس الوقت يُلتزم بما تقدّم في ما تقدّم من الموارد، في ما تقدّم من الموارد نلتزم بأنّ العلم الإجمالي يتعلّق بالواقع، أي بالفرد بحدّه الشخص المعيّن واقعاً، بينما في هذه الموارد الأخيرة نلتزم بالجامع، والمقصود بالجامع في المقام هو الجامع الانتزاعي العرضي لا الذاتي الذي يُشكّل جزءاً تحليلياً من الفرد، الجامع الذاتي هو الجامع الذي يُنتزَع من الأفراد بعد إلغاء ما به الامتياز، بعد إلغاء ما به الامتياز في الأفراد وطرحها تبقى جهة مشتركة بين كل الأفراد، هذه الجهة المشتركة بين الأفراد التي تشكّل جزءاً من حقيقة كل فردٍ، هذا يعبّر عنه بالجامع الذاتي، ليس المقصود بالجامع في المقام هو الجامع الذاتي، وإنّما المقصود به هو الجامع الانتزاعي العرضي الذي يُنتزع من الأفراد بما هي أفراد، يُنتزع من هذا الفرد ومن هذا الفرد بما هو فرد، يعني بما هو متّصف بخصوصيات خاصّة، بما هو مشتمل على شيءٍ يشترك به مع غيره وبما هو مشتمل على ما به الامتياز، هذا الفرد يُنتزع منه ومن الفرد الآخر بما هو فرد عنوان انتزاعي عرضي الذي هو ليس عنواناً ذاتياً؛ ولذا العنوان الانتزاعي الذي نتكلّم عنه لا يُشكل جزءاً من حقيقة الفرد، وإنّما هو عنوان ذهني، ذهن الإنسان له قابلية أن ينتزع عنواناً من هذا القبيل ويعتبره مشيراً إلى هذا الفرد، وهذا الفرد، وهذا الفرد بما هو فرد، يعني بالخصوصيات التي يتميّز بها عن غيره، فهو يشير إلى هذا الفرد بما هو فرد وذاك الفرد بما هو فرد ...... وهكذا. المقصود بالجامع الانتزاعي في المقام بعنوان أحدهما هو هذا وليس هو الجامع الذاتي، هل هناك ضير في أن يُلتزم بهذا في هذه الموارد وفي نفس الوقت يُلتزم بما تقدّم في الموارد الأخرى التي هي أكثر وأغلب من هذه الموارد ؟ يبدو أنّه لا ضير في ذلك، يعني يمكن أن يُلتزم بهذا، هذا إشكال صحيح ومسجّل، بمعنى أنّ ما تقدّم لا يمكن الالتزام به في جميع موارد العلم الإجمالي، لكن من الممكن أن نلتزم في تلك الموارد التي لا يمكن أن نلتزم بها في ذاك بما تقدّم، أن نلتزم به بأن العلم الإجمالي يتعلّق بهذا الجامع الانتزاعي العرضي الذي هو عبارة عن عنوان أحدهما ويقف العلم الإجمالي على هذا العنوان ولا يتعدّى إلى الفرد بخصوصياته الخاصّة، بمعنى أنّ المعلوم بالإجمال هو عبارة عن أحد الخبرين، هذا هو متعلّق العلم وليس متعلّق العلم الإجمالي ولا يتعدّى إلى الفرد، هل هناك ضير في الالتزام بذلك ؟ يبدو أنّه لا ضير ولا مانع، يعني إذا منعنا من أن نلتزم بما تقدّم في هذه الموارد نلتزم بأنّ العلم الإجمالي هنا يتعلّق بعنوان(أحد الأمرين) وإنّما لا نلتزم بهذا في تلك الموارد باعتبار أنّه قد تقدّم في تلك الموارد قلنا أنّه بحسب التحليل يبدو أنّ العلم الإجمالي يتعلّق بالواقع المعيّن واقعاً، بالفرد بحدّه الشخصي المعيّن في الواقع، العلم يتعلّق به، غاية الأمر أنّ هناك تردداً عند نفس العالم، هناك تشويش وغموض عند العالم نفسه، وإلاّ هو يتعلّق بالواقع، علمه تعلّق بالشخص الذي دخل المسجد بحدّه الشخصي المعيّن، هذا هو الذي علم به، وإن كان هذا الواقع الذي تعلّق به العلم مردد بين فردين، وهكذا في مثال النجاسة، هو علم بسقوط قطرة بول في أحد الإناءين، ما تعلّق به العلم هو هذا الواقع، الفرد بحدّه الشخصي المعيّن واقعاً، وإن كان مردداً بحسب نظره بين الفردين، يبدو أنّه لا مانع من أن نلتزم بذلك وفاقاً لبعض المحققين.
حينئذٍ قد يقال: أنّ هذا يرد عليه الإشكال السابق الذي أورد على الرأي الثاني المتقدّم الذي يقول أنّ العلم الإجمالي يتعلّق بالجامع. هذا الإشكال عندما أورد على الرأي الثاني المتقدّم كان الجواب عنه بأنّ الرأي الثاني المتقدّم كان هناك إشكال يتوجّه عليه، وهذا الإشكال هو أنّه يلزم من تعلّق العلم الإجمالي بالجامع محذور، وهذا المحذور هو أنّ الجامع لا وجود له إلاّ في ضمن خصوصية الفرد، الجامع لا يوجد بصورة مستقلّة عن الأفراد، وإنّما هو يوجد في ضمن خصوصية الفرد في الخارج وحتّى في الذهن، الجامع لا يوجد إلاّ في ضمن خصوصية الفرد؛ لأنّه لا يوجد بشكلٍ مستقلٍ عن الأفراد، فكيف تقولون أنّ المعلوم بالإجمال هو الجامع، الجامع حتّى في الصورة العلمية الحاصلة بالعلم الإجمالي هو لا وجود له إلاّ في ضمن خصوصية الفرد، فكيف يُفرض أنّه في الصورة العلمية الحاصلة في العلم الإجمالي هناك جامع فقط من دون افتراض وجوده في ضمن خصوصية الفرد، هذا غير معقول.
إذن: لابدّ من افتراض تعدّي العلم، ما هو موجود في الصورة العلمية من الجامع إلى ما هو أزيد من الجامع. هذا كان الإشكال الذي أورد على الرأي الثاني.
قد يقال: هذا الإشكال بنفسه يرد في محل الكلام، يعني هذا العلم الإجمالي في الموارد التي لا نلتزم فيها بتعلّقه بالفرد بحدّه الشخصي المعيّن واقعاً والتي التزمنا فيها بأنّه يتعلّق بالجامع يرد عليها الإشكال السابق، فيقال العلم الإجمالي في هذه الموارد يرد عليه الإشكال المتقدّم، بأنّه كيف يُعقل تعلّق العلم بالجامع فقط؛ لأنّ الجامع لا وجود له لا خارجاً ولا ذهناً إلاّ في ضمن خصوصية الفرد، فكيف تقولون في العلم الإجمالي في هذه الموارد يتعلّق بالجامع بعنوان أحدهما مع أنّ هذا الجامع تنطبق عليه القاعدة السابقة وهي أنّه لا يوجد حتّى في الذهن إلاّ في ضمن الفرد، ولا يُعقل أن يوجد بمعزل عن الأفراد حتّى ذهناً، حتّى في الصورة العلمية لا يُعقل وجود الجامع من دون افتراض تحققّه في ضمن خصوصية الفرد.
قد يقال: أنّ هذا الإشكال يرد حينئذٍ.
الجواب: هناك فرق بين هذا الجامع الذي يُدّعى في هذه الموارد وبين الجامع الذي ادّعي في الرأي الثاني، الجامع الذي ادُعي في الرأي الثاني ظاهراً المقصود به كان هو عبارة عن جامع الإنسان، عندما يعلم بوجود إنسان في المسجد يدور أمره بين زيد وعمرو، طبيعي الإنسان، هذا المقصود بالجامع هناك ظاهراً وفُسّر كلامهم بهذا، وليس مقصودهم بالجامع في هذا الرأي الثاني هو أحد الفردين، وإنّما المقصود بالجامع هو طبيعي الإنسان في مثال المسجد، وطبيعي النجاسة في مثال الأناءين، قالوا أنّ العلم الإجمالي يتعلّق بطبيعي الإنسان وطبيعي النجاسة، هذا هو المراد من الجامع المذكور في الرأي الثاني، هذا الجامع بهذا التفسير وليس بتفسير بعنوان أحدهما بمعنى أعلم بأحد الشخصين، وأعلم بنجاسة أحد الأناءين، وإنّما بمعنى أعلم بطبيعي النجاسة، وأعلم بطبيعي وجود الإنسان في المسجد، هذا هو الذي يتعلّق به العلم الإجمالي، هذا الجامع هو غير الجامع الذي نذكره في هذه الموارد، هذا الجامع يشكّل جزءاً من حقيقة الفرد، هو جامع انتزاعي ذاتي ينتزع من الأفراد كما قلنا بعد تجريدها عن ما به الامتياز، فتبقى حقيقة مشتركة بين جميع الأفراد يُعبّر عنها بهذا الجامع، هذا جامع انتزاعي ذاتي وهو يشكّل جزءاً تحليلياً من الفرد، هذا الجامع هو المقصود في الرأي الثاني، هذا الجامع هو الذي يرد عليه الإشكال، بأنّ هذا الجامع يستحيل أن يوجد حتّى في الذهن وحتّى في الصورة العلمية مجرّداً عن خصوصية الفرد؛ لأنّه هو انتُزع من الأفراد بعد تجريدها عن ما به الامتياز، هو جزء تحليلي من الفرد، فلا يُعقل تحققّه من دون الأفراد ومن دون خصوصية الفرد، هو يوجد في الفرد ولا يُعقل افتراض وجوده بشكلٍ متميّزٍ عن أفراده حتّى في الذهن، فيرد عليه هذا الإشكال السابق، عندما يُطرح الجامع بهذا الطرح.
وأمّا الجامع في محل الكلام، فهو ليس هكذا، جامع انتزاعي عرضي لا يُشكّل حقيقة من كل فردٍ فردٍ، وإنّما هو جامع انتزاعي يؤتى به للإشارة إلى هذا الفرد بخصوصياته التي يتميّز بها عن باقي الأفراد، ويُشار به ايضاً إلى الفرد الآخر كذلك، هذا الجامع الانتزاعي لا مانع من أن نفترض أنّه يوجد في الصورة العلمية لا في ضمن خصوصية الفرد، لا مشكلة في هذا؛ لأنّه لم يُنتزَع من الأفراد بعد تجريدها من الخصوصيات المتميزة عن ما به الامتياز، وإنّما هو يُنتزع من الأفراد بما هي أفراد، مثل هذا الجامع الانتزاعي لا مانع من أن نقول أنّه يُعقل وجوده لا في ضمن خصوصية الفرد، أعلم بعنوان أحد الخبرين، أعلم بكذب أحد الخبرين، الموجود في الذهن وفي الصورة العلمية هو عنوان أحد الخبرين لا الموجود في ضمن خصوصية الفرد، أفرّق بين الجامع الموجود في ضمن خصوصية الفرد وبين الجامع الموجود لا في ضمن خصوصية الفرد، الجامع الذي لابدّ أن يوجد في ضمن خصوصية الفرد هو الجامع الانتزاعي الذاتي ــــــــــ إذا كان هو المقصود بالرأي الثاني ــــــــــ أمّا الجامع الانتزاعي العرضي فيمكن أن يوجد في الصورة الذهنية ويتعلّق به العلم لا في ضمن خصوصية الفرد، وإنّما هو أحد الأمرين فقط ما أعلمه هو أحد الأمرين لا أكثر من ذلك؛ ولذا لا يتوجّه عليه الإشكال الذي تقدّم على الوجه الثاني؛ لأنّ هذا جامع من نوعٍ خاصٍّ يختلف عن ذاك الجامع ـــــــــــ أؤكد بناءً على أنّ المقصود بالجامع في الرأي الثاني هو الجامع الانتزاعي الذاتي ـــــــــــ فيكون هناك فرق واضح بين الجامع في محل الكلام وبين الجامع الموجود هناك. هذا ما يمكن أن يقال في المقام الأوّل.
المقام الثاني: هو في شمول أدلّة الأصول لأطراف العلم الإجمالي، يعني أنّ أدلّة الأصول هل فيها قابلية الشمول لأطراف العلم الإجمالي، أو هي لا تشمل أطراف العلم الإجمالي ؟ وقلنا أنّ البحث في المقام الثالث مترتّب على القول بالشمول في هذا المقام؛ لأنّ البحث في المقام الثالث يتركّز على أنّ العلم الإجمالي هل يمنع من جريان الأصول في جميع الأطراف، أوفي بعض الأطراف، أو لا ؟ ولابدّ أن نفترض في مرحلةٍ سابقةٍ على هذا المنع أنّ أدلّة الأصول شاملة لأطراف العلم الإجمالي حتّى نتكلّم في أنّ العلم الإجمالي يمنع، أو لا يمنع ؟ وأمّا إذا فرضنا اختصاص أدلّة الأصول، من البداية أساساً هي مختصّة بغير موارد العلم الإجمالي، أي تختص بالشبهات البدوية؛ فحينئذٍ لا معنى للبحث عن أنّ العلم الإجمالي يمنع، أو لا يمنع؛ لأنّها أساساً هي غير شاملة لأطراف العلم الإجمالي.
هذا البحث عن الشمول وعدمه لم يقع فيه نزاع أو كلام أو أقوال بلحاظ الأصول العملية العقلية، كأنّه من المُسلّم عندهم أنّه لا إشكال في أنّ الأصول العملية العقلية شاملة لأطراف العلم الإجمالي، بمعنى أنّ موضوع الأصل العملي العقلي الذي هو عبارة عن عدم البيان محفوظ في كل طرفٍ من أطراف العلم الإجمالي، وهذا لا يمكن إنكاره لأنّه لا إشكال في أنّه لا يوجد بيان على هذا الطرف ولا بيان على ذلك الطرف.
وبعبارةٍ أخرى: أنّ الشكّ موجود في كلّ طرفٍ من هذه الأطراف، المكلّف يشكّ في أنّ هذا الأناء نجس، أو ليس بنجس، يشكّ في أنّ صلاة الظهر واجبة أو ليست واجبة...وهكذا. فإذن: موضوع الأصل العملي العقلي الذي هو عدم البيان لم يستشكلوا في انحفاظه في كلّ طرفٍ من أطراف العلم الإجمالي، ومن الواضح أنّ الموضوع إذا كان محفوظاً في أطراف العلم الإجمالي؛ فحينئذٍ يكون الأصل العقلي شاملاً لكل طرفٍ من أطراف العلم الإجمالي في حدّ نفسه، بقطع النظر عن المنجّزية التي سيأتي الكلام عنها، وأنّ العلم الإجمالي يمنع من ذلك، أو لا ؟ كلا، في حدّ نفسه هو مشمول لقاعدة قبح العقاب بلا بيان لانحفاظ هذا الموضوع في كل طرفٍ من أطراف العلم الإجمالي، وإنّما وقع الكلام بينهم في أدلّة الأصول العملية الترخيصية الشرعية كالاستصحاب والبراءة وأمثالهما، هل تشمل أطراف العلم الإجمالي، أو أنها أساساً لا تشمل أطراف العلم الإجمالي ؟ دليل الاستصحاب هل يشمل أطراف العلم الإجمالي، أو يختصّ بالشبهات البدوية فقط ؟ إذا علمت بطهارة شيءٍ ثمّ شككت بالشك البدوي في نجاسته بالشك غير المقرون بالعلم الإجمالي، هذا يجري فيه الاستصحاب ويأمر الاستصحاب بالبناء على الحالة السابقة. أمّا إذا علمت بطهارة الثوب ثمّ علمت إجمالاً بعروض النجاسة، إمّا عليه أو على الطرف الآخر، إذا علمت بطهارة أناءين سابقاً ثمّ علمت إجمالاً بنجاسة أحدهما، هذا الشك في هذا الطرف اقترن بعلمٍ إجماليٍ، فهل دليل الأصل، استصحاب أو براءة، يشمل هذا الطرف وذاك الطرف، أو لا يشمل أطراف العلم الإجمالي ؟ هذا وقع فيه بحث، وفيه آراء:
الرأي الأوّل: أنّه يشمل أطراف العلم الإجمالي كما يشمل الشبهات البدوية، هو أساساً قابل لأن يكون شاملاً لكل طرفٍ من أطراف العلم الإجمالي ولا مانع من ذلك.
الرأي الثاني: أنّه لا يشمل أطراف العلم الإجمالي.
الرأي الثالث: التفصيل بين الأصول العملية الترخيصية التنزيلية كالاستصحاب، فهي لا تشمل أطراف العلم الإجمالي، وبين الأصول العملية غير التنزيلية كالبراءة، فهي تشمل أطراف العلم الإجمالي. الذي يبدو أنّ الشيخ الأنصاري(قدّس سرّه) يختار الرأي الثاني، ويقول بعدم شمول أدلّة الأصول لأطراف العلم الإجمالي، وذلك باعتبار أنّه يرى أنّ شمول أدلّة الأصول كالاستصحاب أو البراءة ـــــــــــ وإن كان هو تكلّم عن الاستصحاب وأشار إليه في البراءة أيضاً ــــــــــــ شمول دليل الاستصحاب لأطراف العلم الإجمالي فيه مشكلة، وهذه المشكلة هي أنّه يحصل تهافت بين صدر الرواية وبين ذيلها، ونتيجةً لهذا التهافت نلتزم بعدم شمول دليل الأصل لأطراف العلم الإجمالي.
توضيح المطلب: دليل الاستصحاب فيه صدر وذيل، حتّى بعض أدلّة البراءة، صدر دليل الاستصحاب يقول لا تنقض اليقين بالشك، لو بقينا نحن وهذا الصدر، فأنّ مقتضى إطلاقه هو شموله لأطراف العلم الإجمالي، فهو يأمرني بأن لا أنقض اليقين بالشك، يعني بعبارةٍ أخرى يأمرني بالبناء على الحالة السابقة، فإذا كانت الحالة السابقة لهذا الطرف بالخصوص هي الطهارة كما هو المفروض؛ لأنني كنت أعلم سابقاً بطهارة الأناءين، والحالة السابقة للطرف الآخر بالخصوص هي الطهارة، وأنا بالفعل أشك في طهارته ونجاسته، صدر الرواية يقول لا تنقض اليقين بالشك، يعني أبنِ على الطهارة السابقة المتيقنة سابقاً، ونفس الكلام يُطبّق على الطرف الثاني، فهو أيضاً كانت حالته السابقة هي الطهارة وبعد ذلك حصل شك في طهارته ونجاسته، صدر الرواية يقول (لا تنقض اليقين بالشك)، ينهى عن نقض اليقين السابق بالشك الذي معناه في الحقيقة هو الأمر بالبقاء على اليقين السابق. إذن: صدر الرواية يأمر بالبناء على الحالة السابقة في كلٍ من الطرفين. هذا صدر الرواية.
أمّا ذيل الرواية فيقول، (ولكن تنقضه بيقين آخر)، فهو يقول إذا حصل عندك يقين بعد اليقين السابق فارفع يدك عن اليقين السابق، وأنقض اليقين السابق، هذا الشخص يقول أنا عندي يقين فعلاً بنجاسة أحد الأناءين، وذيل الرواية يقول: انقض يقينك السابق بهذا اليقين الذي حصل لك بنجاسة أحد الأناءين. ومن هنا يحصل تهافت بين شمول إطلاق الصدر لكلٍ من الطرفين الذي يقتضي لزوم البناء على الحالة السابقة في كلٍ منهما الذي يقتضي البناء على طهارة كلا الأناءين، وبين إطلاق الذيل الذي يقتضي أنّه لابدّ من رفع اليد عن اليقين السابق بالطهارة باليقين اللاحق الذي ينهى عن البناء على اليقين السابق في كلٍ من الطرفين ولابدّ من رفع اليد عن اليقين السابق في أحد الطرفين؛ لأنّ المكلّف علم بنجاسة أحد الطرفين، وحصل له يقين بنجاسة أحد الأناءين، فيقول له: أنقض يقينك السابق بهذا اليقين، فإذن: لا يجوز البناء على طهارة كلا الأناءين؛ بل لابدّ من رفع اليد عن اليقين السابق في أحد الأناءين، وهذا لا يجتمع مع إطلاق الصدر الذي يقتضي لزوم البناء على اليقين السابق في كلٍ من الأناءين، فيلزم من شمول دليل الاستصحاب لأطراف العلم الإجمالي هذا التهافت في نفس الدليل، وهذا يمنعنا من التمسّك بالدليل في أطراف العلم الإجمالي، فنلتزم بعدم شمول دليل الأصل لأطراف العلم الإجمالي. وظاهر كلامه أنّه لا يُفصّل بين دليلٍ ودليل.
هناك جملة من الاعتراضات على هذا الرأي، ومن جملة الاعتراضات:
الاعتراض الأوّل: أنّ هذه الروايات أو الدليل الذي فيه صدر وذيل يُبتلى نتيجة ما ذُكر بالإجمال، فلا يجوز التمسّك به في أطراف العلم الإجمالي، لكن من أدلّة الاستصحاب ما ليس فيه هذا الذيل، وإنّما فقط في(لا تنقض اليقين بالشك)، فأيّ مانعٍ من أن نلتزم بإطلاق هذا الدليل الذي لا يوجد فيه هذا الذيل لإثبات شموله لأطراف العلم الإجمالي. هذا إشكال، وهناك إشكالات أخرى نتعرّض لها إن شاء الله تعالى.