35/07/04


تحمیل
الموضوع: الأصول العمليّة/ منجّزية العلم الإجمالي
انتهى الكلام إلى الجواب السابع عن شبهة التخيير: في الدرس السابق أشرت إلى أنّه ينبغي أن نطيل هذا البحث؛ لأنّ الشبهة مهمّة؛ لأنها تؤدي إلى عدم وجوب الموافقة القطعية في موارد العلم الإجمالي، يجري الترخيص في الطرفين بنحوٍ مشروط، فيجوز له ارتكاب أحد الأطراف بناءً على القول بالاقتضاء، وهذا ممّا لا يلتزمون به، فلابدّ من دفع هذه الشبهة التي هي شبهة أساساً تتوجّه على المحققّ النائيني والسيد الخوئي(قدّس سرّهما) ومن يذهب إلى هذا الرأي وهو أنّه هنا لا مانع من جريان الأصل في كلٍ من الطرفين، وإنّما المانع فقط المعارضة؛ وحينئذٍ ترد هذه الشبهة وهي أنّه لماذا نلتزم بسقوط الأصل عن كلٍ من الطرفين أساساً ؟ بل يمكن أن نلتزم بالتقييد، فيجري الأصل في كل منهما مقيّداً، فتستقر شبهة التخيير، فلابدّ من أن نستعرض الوجوه التي قيلت في الجواب ودفع هذه الشبهة. إلى هنا لم يتم جواب واضح عن هذه الشبهة مع الالتزام بالاقتضاء كما قلنا.
الجواب السابع هو ما جعله السيّد الشهيد(قدّس سرّه) وجه التحقيق في المسألة.[1] الكلام في هذا الوجه طويل ذكر فيه أنّ الحكم أساساً سواء كان إلزامياً، أو ترخيصياً، واقعيّاً، أو ظاهرياً له مدلولان تصديقيان أحدهما مدلوله الإنشائي الذي هو عبارة عن الحكم نفسه، وله مدلول تصديقي حكائي، الذي هو أشبه بالمدلول الالتزامي وهو عبارة عن ملاك الحكم ومبادئه، كل حكم لابدّ أن يكون له مدلول إنشائي الذي هو عبارة عن الوجوب والتحريم والترخيص، وله مدلول إنشائي حكائي يدل بالدلالة الالتزامية على وجود ملاك كان سبباً لإنشاء هذا الحكم وجعله، وهذا الملاك يختلف باختلاف الأحكام من مصلحة ومفسدة وحب وبغض ومصلحة التسهيل في باب الترخيص ــــــــــ مثلاً ـــــــــــ وهكذا، ملاكات الأحكام مهما كان الحكم سواء كان الحكم واقعياً، أو ظاهرياً بالنتيجة هذا الحكم لابدّ أن يكون له ملاك ومبادئ، فكل حكم له مدلول تصديقي حكائي التزامي يكشف عن وجود ملاكٍ لهذا الحكم المُنشأ.
الحكم التخييري من دون فرقٍ بين أن يكون إلزامياً، أو أن يكون ترخيصياً، هذا الذي يقسّمه أنّه تارة يكون حكماً واقعياً، وأخرى يكون حكماً ظاهرياً. بالنسبة إلى الحكم الواقعي، الحكم التخييري الإلزامي، أو الترخيصي إذا كان حكماً واقعياً من قبيل ــــــــــــ مثلاً ــــــــــــ خصال الكفارة الذي هو حكم تخييري إلزامي واقعي، وقد يكون الحكم الواقعي التخييري هو الترخيص وليس حكماً إلزامياً، من قبيل ــــــــــــ مثلاً ــــــــــــ الترخيص في ارتكاب أحد أطراف العلم الإجمالي في موارد الاضطرار، يُرخص المكلّف في ارتكاب أحد الطرفين تخييراً كما إذا كان الاضطرار ليس لأحدهما المعيّن، وإنّما الاضطرار يرتفع بأيّ واحدٍ منهما، فهنا يكون الترخيص ثابتاً وعلى نحو التخيير ويكون حكماً واقعياً لا حكماً ظاهرياً؛ لأنّه بملاك الاضطرار.
الحكم التخييري إلزامياً كان أو ترخيصياً إذا كان حكماً واقعياً تارة يكون مدلوله الإنشائي هو عبارة عن الترخيص في الجامع، فكأنّه يوجد هناك حكم واحد، إلزام، أو ترخيص متعلّق بالجامع لا أزيد ولا أقل. وأخرى يكون الإلزام لا يتعلّق بالجامع ويُخيّر بين الطرفين، وإنمّا الإلزام يتعلّق بكلٍ من الفردين، لكن على نحوٍ مشروط، هذا بالنتيجة حكم تخييري إلزامي، لكن الإلزام هنا لا يتعلّق بالجامع، وإنّما يتعلّق بالفرد، يجب عليك العتق وليس الجامع بين العتق وبين صوم شهرين متتابعين وبين إطعام ستين مسكيناً، وإنّما العتق واجب لكن بشرط ترك الطرف الآخر، إذا لم تصم شهرين متتابعين يجب عليك العتق، وهكذا في الصوم، إذا لم تعتق رقبة يجب عليك صوم شهرين متتابعين بحيث يكون مصبّ الإلزام هو الفرد، أي كلا طرفي التخيير، أو قد تكون أطراف التخيير أكثر من ذلك. هذا بلحاظ الحكم الإنشائي.
المدلول التصديقي الحكائي يُعبّر عن الملاك، هذا الترخيص أو الإلزام يُعبّر عن ملاك، هنا أيضاً المدلول الحكائي، مرّة نفترض أنّ الملاك قائم في الجامع وأخرى يكون الملاك قائماً في الفردين، هذا فيه ملاك للإلزام به، لكن بشرط ترك الطرف الآخر، العتق واجب، هذا مستوى المدلول الإنشائي، وفيه ملاك الوجوب والإلزام لكن بشرط ترك صوم ستين يوماً ـــــــــــ مثلاً ـــــــــــ أو إطعام ستين مسكيناً، هذا أيضاً يمكن تصوّره في كلٍ منهما، الملاك مرّة يكون بالجامع ومرّة يكون قائماً بالطرفين على نحوٍ مشروط، الفرق بينهما هو أنّه مرّة يكون لدينا حكم واحد وله ملاك واحد متعلّق بالجامع، ومرّة نفترض أنّ لدينا حكمين إلزاميين أو ترخيصيّين متعلّقين بالطرفين، لكن على نحوٍ مشروط، وكل حكم منهما له ملاك، الملاك أيضاً يتعلّق بالفردين أيضاً على نحوٍ مشروط. هذا كلّه ممكن في الحكم الواقعي الإلزامي، أو الترخيصي في باب التخيير، هذا كلّه ممكن أن يتعلّق بالجامع ويمكن أن يتعلّق بالطرفين بنحوٍ مشروط، الملاك قد يكون قائماً بالجامع وقد يكون قائماً بالطرفين بنحوٍ مشروط.
وأمّا الحكم الظاهري الذي هو محل الكلام، نحن نتكلّم عن الترخيص في أطراف الشبهة التي فُرض فيها الشك وفُرض فيها الشبهة والتي يكون الترخيص فيها مجعولاً على أساس أنّه حكم ظاهري مستفاد من أدلّة الأصول المؤمّنة. بالنسبة إلى الحكم الظاهري، بلحاظ مدلوله الإنشائي ولا توجد مشكلة في أن نفترض تارةً أنّ الحكم يتعلّق بالجامع؛ وحينئذٍ يكون هناك تخيير بين الفردين والحكم الظاهري يكون متعلّقاً بالجامع، وأخرى نفترض أنّه ليس لدينا حكم ظاهري واحد يتعلّق بالجامع، وإنّما هناك حكمان مشروطان متعلّقان بالطرفين، الترخيص الظاهري الذي هو محل كلامنا تارة نفترضه متعلّق بالجامع بين الطرفين، فيُرخّص في أحدهما، ترخيص واحد يتعلّق بأحد الفردين، ومرّة نفترض أنّ لدينا ترخيصان متعلّقان بالطرفين، هذا مُرخّص فيه بشرط ترك ذاك، وذاك مرخّص فيه بشرط ترك هذا، هذا يمكن تصوّره كما هو الحال في الحكم الواقعي. هذا على مستوى المدلول الإنشائي.
إذا جئنا إلى المدلول التصديقي الحكائي وما يكشف عنه الحكم وما يُعبّر عنه من ملاك ومن مبادئ، هنا يقول بالنسبة للحكم الظاهري: لا يُعقل سوى التخيير، بمعنى تعلّق الحكم بالجامع، لا يُعقل غير هذا بلحاظ المبادئ والملاكات، لا يُعقل سوى التخيير الذي يعني تعلّق الحكم بالجامع لا ترخيصين مشروطين في الطرفين، من دون فرق بين الترخيص والإلزام كلّها أحكام ظاهرية، هذا على مستوى المدلول الإنشائي ممكن افتراض حكمين متعلّقين بالطرفين بنحوٍ مشروط، لكن ما يُعبّر عنه الحكم من ملاك ومبادئ الذي هو روح الحكم وواقعه وحقيقته، هناك لا نستطيع أن نقول أنّ لدينا ترخيصين مشروطين؛ بل لابدّ أن نقول أنّ الملاك قائم بالجامع بين الطرفين ويكون هناك تخيير بين الطرفين على أساس أنّ الترخيص قائم بالجامع والملاك أيضاً قائم بالجامع، لماذا لا يُعقل إلاّ تعلّق الحكم بالجامع في الأحكام الظاهرية ؟ ولا يُعقل افتراض وجود حكمين متعلّقين بالطرفين على نحوٍ مشروط ؟ هذا يستدل عليه على أساس المبنى الذي هو يؤمن به(قدّس سرّه) وهو تفسير الأحكام الظاهرية بالتفسير المتقدّم سابقاً، وتقدّم سابقاً أنّه يعتبر أنّ الحكم الظاهري مهما كان ينشأ من أهمّية الملاكات والأغراض الواقعية عندما تختلط الأغراض الواقعية وتتزاحم في مقام الحفظ التشريعي؛ حينئذٍ أيّهما أهم، يُجعل الحكم الظاهري على طبق هذه الأهمّية، فيُعبر عن أهمّية ملاكات وأغراض واقعية عندما يقع التزاحم الحفظي فيما بينها، الحكم الظاهري هو تعبير عن اهتمام الشارع وترجيحه لبعض الملاكات الواقعية المتزاحمة على البعض الآخر. عندما يكون الشارع يهتم بالأغراض اللّزومية حتّى في مرحلة الموافقة القطعية والمخالفة القطعية؛ حينئذٍ سوف يجعل حكماً ظاهرياً هو عبارة عن الاحتياط التام، وليس فقط يحرّم المخالفة القطعية، وإنما يوجب الموافقة القطعية؛ لأنّه بذلك يحصل على أغراضه اللّزومية الأهم بحسب الفرض. عندما يهتم بالأغراض الترخيصية ومصلحة إطلاق العنان للمكلّف ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ [2]يهتم بالأغراض الترخيصية حتّى على مستوى المخالفة القطعية، قهراً سوف يرخّص في ارتكاب الطرفين، يرخّص في المخالفة القطعية وليس فقط في ترك الموافقة القطعية، وعندما يُفترض التبعيض، بمعنى أنّ الغرض الّلزومي أهم بلحاظ المخالفة القطعية، لكن الغرض الترخيصي أهم بلحاظ الموافقة القطعية، في هذه الحالة يجعل الترخيص في أحد الطرفين، لا يجعل الترخيص في كلٍ من الطرفين؛ لأنّه بحسب الفرض في مرحلة المخالفة القطعية أغراضه اللّزومية أهم من أغراضه الترخيصية، لكن حيث أنّه في مرحلة الموافقة القطعية الغرض اللّزومي عنده أهم؛ حينئذٍ يجعل الترخيص في أحد الطرفين، يرخّص في أحدهما ويتخيّر المكلّف بين الطرفين، هذا الترخيص في أحد الطرفين في هذه الحالة إنّما يثبت إذا لم يكن مرجّحاً لأحد الطرفين بالخصوص يرجّح أن يكون الترخيص متعلّقاً به بالخصوص، وفرض الكلام عدم وجود مرجّح لأحد الطرفين على الآخر؛ حينئذٍ يكون الترخيص في أحد الطرفين، هذا الحكم الظاهري وهذه هي نتائجه.
وأمّا الترخيص في كلٍ من الطرفين على نحوٍ مشروط، يقول: هذا غير معقول، المعقول على أساس تفسير الأحكام الظاهرية بهذا التفسير هو أن نلتزم بالترخيص بالجامع، الترخيص في أحد الطرفين؛ لأنّ الترخيص في كلٍ من الطرفين يؤدّي إلى المخالفة القطعية، والمفروض عدم جواز المخالفة القطعية؛ فحينئذ يُرخّص في أحدهما، الترخيص في أحدهما ليس فيه محذور، والشارع بحسب الفرض قدّم الأغراض الترخيصية على الأغراض اللّزومية في مرحلة الموافقة القطعية، نتيجة هذا هي الترخيص في أحدهما لا الترخيص في كلٍ منهما بنحوٍ مشروط؛ بل يقول هذا غير معقول، الترخيص في كلٍ منهما بنحوٍ مشروط غير معقول؛ باعتبار أنّ الترخيص في كلٍ منهما بنحو مشروط لابدّ أن نلتزم بأنّ هذا الطرف تعلّق به ترخيص مشروط بترك ذاك، وهكذا بالنسبة إلى الطرف الآخر، يقول هذا غير معقول أن يكون الترخيص الشرعي الذي فسّرناه بالتفسير السابق؛ لأنّه حكم ظاهري ينشأ من اهتمام الشارع ببعض الأغراض الواقعية عندما يقع بينها الاختلاط والتزاحم ويقدّمها على أغراض أخرى، ما معنى أن يكون الترخيص مشروطاً بعدم فعل المكلّف للطرف الآخر ؟ هذا غير معقول؛ لأنّ فعل المكلّف للطرفين وترك المكلّف للطرفين وفعل المكلّف لأحد الطرفين ليس له علاقة بالترخيص، لا دخل له في درجة اهتمام الشارع بالأغراض الترخيصية، أو الأغراض اللّزومية، هذه قضية المشرّع هو الذي يلاحظها، هو يُلاحظ أيّهما أهم فيُقدّمه على الآخر، يجعل ترخيصاً على طبق ذلك، أمّا أن يجعل ترخيصاً في هذا الطرف مشروطاً بترك ذاك الطرف، إذا تركت هذا الطرف أرخّص لك في هذا الطرف، هذا إنّما يُعقل عندما يكون الترخيص ترخيصاً واقعياً؛ حينئذٍ يكون هذا الشيء معقولاً، أمّا عندما يكون الترخيص ترخيصاً ظاهرياً وبالمعنى السابق للترخيص الظاهري ولكل الأحكام الظاهرية هذا يكون غير معقول، إناطة الترخيص الظاهري في هذا الطرف بفعل المكلّف، أو تركه، أيّ دخل لترك المكلّف وفعله في درجة اهتمام الشارع بالأغراض الواقعية ؟ ليس له دخل في ذلك، الترخيص ظاهري يلحظه الشارع ويجعله عندما تكون الأغراض الترخيصية عنده أهم من الأغراض اللّزومية، عندما تكون الأغراض الترخيصية أهم فقط في مرحلة الموافقة القطعية، وبالعكس في مرحلة المخالفة القطعية يجعل الترخيص في أحدهما، وهذا ترخيص ليس لفعل المكلّف، أو تركه علاقة به، أمّا جعل ترخيصين في الطرفين مشروطين بترك الطرف الآخر مع الحفاظ على هذا المبدأ والمبنى، مع الحفاظ على تفسير الأحكام الظاهرية بهذا التفسير، هذا يكون غير معقول. ومن هنا يقول هنا يتعيّن أن نفترض أنّه بلحاظ المدلول الحكائي الواقعي، لابدّ من افتراض أنّ الترخيص يثبت للجامع بما له من ملاك يكون ثابتاً لأحدهما لا أن يكون هناك ترخيصان متعلّقان بالطرفين بنحوٍ مشروط. هذا أشبه بالمقدّمة لما يريد أن يقوله.
إذا عرفنا ذلك؛ حينئذٍ يقول: أنّ الشارع إذا جعل الترخيص، مرّة يجعله بلسان رخّصتك في كل واحدٍ منهما عند ترك الآخر، هذا لا مانع من حمله على الترخيص التخييري. أمّا إذا لم يكن لدينا دليل على الترخيص بهذا الشكل كما هو المفروض حيث في محل الكلام ليس لدينا دليل على الترخيص سوى أدلّة البراءة العامّة(رُفع ما لا يعلمون) و(كل شيءٍ لك حلال) وأمثالها، وهذه هي التي يُراد التمسّك بها لإثبات ترخيصين في الطرفين بنحوٍ مشروط، إذا لم يكن لدينا إلاّ الأدلّة العامّة كما هو المفروض، هذه الأدلّة العامّة الدالّة على الترخيص لها ظهور، هي ظاهرة في جعل الترخيص في كلٍ من الطرفين تعييناً؛ لأنّ هذا هو مقتضى ما تقدّم مراراً من انحفاظ موضوع البراءة الشرعية والأصل الشرعي في كلٍ من الطرفين، هناك شك وشبهة في كل من الطرفين، وبهذا يكون موضوع الأصل محفوظاً فيه، وهكذا الطرف الآخر في حدّ نفسه، كل منهما موضوع الأصل محفوظ فيه ومقتضى انحفاظ موضوع البراءة(كل شيء لك حلال) ومقتضى ظهور هذا الدليل أصلاً هو جعل البراءة والترخيص في كل واحدٍ من الطرفين بعينه وبخصوصه وليس جعل الترخيص فيه على سبيل البدل، جعل الترخيص فيه على سبيل البدل خلاف ظاهر الدليل، ظاهر الدليل جعل الترخيص فيه(كل شيء لك حلال حتّى تعرف أنّه حرام) ما دمت لا تعرف أنّه حرام هو لك حلال، هو بعينه حلال وليس أحدهما لا بعينه، هذا هو ظاهر أدلّة الترخيص العامّة، ظاهر أدلّة البراءة العامّة هو جعل الترخيص في كلٍ من الطرفين تعييناً وليس جعله فيهما تخييراً الذي يرجع إلى الجامع، هذا خلاف ظاهر الدليل؛ حينئذٍ، الأخذ بهذا الظاهر والالتزام بالترخيص في الطرفين لكن مع تقييد الترخيص في كل طرف بترك الطرف الآخر حتّى نتخلّص من إثبات الترخيص في كلٍ منهما مطلقاً؛ لأنّ هذا يلزم منه المحذور المتقدّم، نقيّد الترخيص في كلٍ منهما بترك الطرف الآخر، يقول: هذا ممكن لكن على مستوى المدلول الإنشائي، على مستوى المدلول الإنشائي يمكن أن نلتزم بوجود حكمين وترخيصين في الطرفين مشروطين، لكن بلحاظ المدلول التصديقي الحكائي وما يكشف عنه الترخيص كحكم ظاهري من مبادئ وملاكات، هذا لا يكون مقبولاً؛ لما عرفت سابقاً من أنّ الأحكام الظاهرية لا يُعقل أن تكون منوطة بفعل المكلّف، أو تركه، كيف يكون الترخيص الظاهري في هذا الطرف بملاك ترجيح الأغراض الواقعية المتزاحمة منوطاً بفعل المكلّف أو تركه، هذا سابقاً ذكره وهو غير معقول. إذن: حتّى نتلافى هذا المحذور لابدّ أن نحوّل الترخيص من الطرفين إلى التخيير في الجامع حتّى يكون معقولاً ومقبولاً . يقول: هذا فيه محذور إثباتي، الأوّل فيه محذور ثبوتي، بينما هذا فيه محذور إثباتي؛ لأنّ هذا مؤنة زائدة لا يتكفّل بها الدليل، ظاهر الدليل إثبات الترخيص في كلٍ من الطرفين، إثبات الترخيص في كلٍ من الطرفين بنحوٍ مطلق لا يمكن الالتزام به، إثبات الترخيص في كلٍ منهما بنحوٍ مقيّد فيه المشكلة السابقة، وهي أنّه لا معنى لافتراض الترخيص الظاهري منوطاً ومشروطاً بفعل المكلّف، فنضطر إلى تحويل الترخيص من الطرفين إلى الجامع حتّى يكون مقبولاً، لكن هذا التحويل لا يتكفّله دليل الأصول المؤمّنة العامّة، لو قام عليه دليل خاص لا بأس من الالتزام به، نقول أنّ الدليل والقرينة على هذا التحويل هو هذا الدليل الخاص، لكن الأدلّة العامّة لا تتكفل بهذا التحويل.
هو في الحقيقة يريد أن يصل إلى نتيجة أنّه في محل الكلام لابدّ من الموافقة القطعية ويريد أن ينفي الشبهة التي أثيرت، يعني يريد أن يقول أنّ التخيير لا يجري في المقام، والترخيص في المخالفة الاحتمالية لا يمكن الالتزام به؛ بل تجب الموافقة القطعية؛ لأنّ التخيير المتصوّر إمّا أن يكون هو التخيير المطروح في أصل الشبهة، يعني ينشأ هذا التخيير من ترخيصين في الطرفين مشروطين، وإمّا أن يكون ترخيصاً في الجامع، التخيير بين الطرفين والسماح للمكلّف بارتكاب المخالفة الاحتمالية بارتكاب أحد الطرفين، هذا لابدّ أن ينشأ إمّا من افتراض ترخيصين مشروطين في الطرفين، أو الترخيص في أحدهما، الترخيص في الجامع. الترخيصين المشروطين فيه هذا المحذور المتقدّم وهو محذور ثبوتي، وهو أنّ الترخيص حكم ظاهري، والأحكام الظاهرية لا علاقة لها بفعل المكلّف وتركه، فلا معنى لإناطة الترخيص الظاهري بفعل المكلّف، أو تركه، والترخيص في الجامع ممكن، لكن لا دليل عليه إثباتاً؛ لأنّ الدليل الذي لدينا هو فقط هو أدلّة الأصول المؤمّنة العامّة وهذه الأصول ليس فيها ما يدل على تحويل الترخيص من الطرفين إلى الجامع؛ لأنّها ظاهرة في الترخيص في الطرفين ووجود الملاك في الطرفين، أمّا تحويل هذا إلى الجامع، فهذا يحتاج إلى مؤنة إثباتية زائدة، وهي مفقودة في محل الكلام.
وعليه: ينسد باب التخيير في محل الكلام ويتعيّن حينئذٍ الالتزام بوجوب الموافقة القطعية.