35/07/20


تحمیل
الموضوع: الأصول العمليّة/ تنبيهات العلم الإجمالي
كان الكلام في المقام الثاني: وهو ما إذا كان الأصلان العرضيان غير متسانخين، بأن كانا من سنخين مختلفين، هنا قلنا أنّ السيد الخوئي(قدّس سرّه) ذهب إلى سقوط الأصل الطولي وعدم جريانه، وذكرنا أنّ الكلام يقع في أنّ هذا الأصل الطولي هل يدخل في التعارض، أو لا يدخل في التعارض.
وبعبارةٍ اخرى: أنّ أصالة الحلّية في المثال السابق في الطرف الآخر هل هي باقية على صلاحيتها لمعارضة أصالة الحلّية في محتمل النجاسة في المثال السابق، أو طرأ عليها شيء أسقطها عن هذه الصلاحية باعتبار أنّها عارضت اصالة الطهارة في محتمل النجاسة، أصالة الحلّية في محتمل الغصبية بعد أن عارضت اصالة الطهارة في محتمل النجاسة، هل أفقدها هذا صلاحيتها لمعارضة أصالة الإباحة في محتمل النجاسة، أو أنّها باقية على صلاحيتها، وكما تعارض اصالة الطهارة في هذا الطرف، كذلك تعارض أصالة الحلّية في نفس الطرف ؟
على الأوّل، أي إذا فقدت صلاحيتها، فهذا يعني وصول النوبة إلى الأصل الطولي، أي أصالة الإباحة في محتمل النجاسة بعد تساقط الأصلين العرضيين. أمّا على الثاني هي تدخل في المعارضة، أصالة الإباحة في محتمل النجاسة معارضة بأصالة الإباحة في محتمل الغصبية، فتسقط كل الأصول.
السيد الخوئي(قدّس سرّه) استدلّ على السقوط ودخول الأصل الطولي في المعارضة الذي معناه بحسب الحقيقة أنّه باقٍ على صلاحيته لمعارضة أصالة الإباحة في محتمل النجاسة، استدلّ على ذلك بهذا الدليل العام، وهو أنّ جريان أصالة الإباحة في الطرفين يستلزم الترخيص في المخالفة القطعية، وفي أحدهما يستلزم الترجيح بلا مرجّح؛ وذلك لأنّه يرى أنّ العلم الإجمالي كما يمنع من جريان أصالة الإباحة في محتمل الغصبية واصالة الطهارة في محتمل النجاسة للسبب المتقدّم، كذلك يمنع بنفس الدرجة وبنفس القوة من جريان أصالة الإباحة في محتمل الغصبية وأصالة الإباحة في محتمل النجاسة بنفس الملاك السابق، جريان أصالة الإباحة في محتمل الغصبية واصالة الطهارة في محتمل النجاسة معاً خلاف العلم الإجمالي، وجريان أحدهما ترجيح بلا مرجّح، فيتعارضان ويتساقطان، نفس الكلام نطبّقه على أصالة الإباحة في محتمل الغصبية مع أصالة الإباحة في محتمل النجاسة، أيضاً جريانهما معاً يؤدي إلى الترخيص في المخالفة القطعية، وجريان أحدهما يستلزم الترجيح بلا مرجّح.
هذا الكلام جيد جداً، لكن النقطة المهمّة التي ينبغي البحث فيها هي ما قلناه من أنّ أصالة الإباحة بعد أن عارضت أصالة الطهارة، هل لها قابلية معارضة أصالة الإباحة أيضاً التي هي في طول اصالة الطهارة في محتمل النجاسة، أو أنّها تسقط عن هذه القابلية ؟ الذي يقول بعدم السقوط يدّعي أنّ أصالة الإباحة في الطرف الآخر تفقد هذه القابلية بمجرّد أن تكون معارضة مع اصالة الطهارة في محتمل النجاسة، هذه المعارضة التي تؤدّي إلى تساقطهما لا تعود صالحة لمعارضة أصالة الإباحة في محتمل النجاسة، ويستدّل على ذلك بوجوه، القائل بالسقوط يدّعي أنّ اصالة الطهارة في محتمل النجاسة لا معارض لها، فتجري بلا معارض؛ لأنّ أصالة الإباحة في الطرف الآخر ليست صالحة لمعارضة أصالة الإباحة في محتمل النجاسة، ويذكر وجوهاً في الاستدلال على ذلك وإثبات عدم الصلاحية للمعارضة، وبالتالي عدم سقوط الأصل الطولي وجريانه خلافاً لما يقوله السيد الخوئي(قدّس سرّه):
الوجه الأوّل: وهذا الوجه مبني على افتراض الطولية بين أصالة الطهارة وبين أصالة الإباحة في محتمل النجاسة، ولو كانا متوافقين. بناءً على هذا؛ حينئذٍ يقال أنّ هذا الأصل الطولي الذي هو أصالة الإباحة في محتمل النجاسة في طول معارضة الأصلين العرضيين وتساقطهما؛ لوضوح أنّه لولا وقوع التعارض بين أصالة الإباحة في محتمل الغصبية واصالة الطهارة في محتمل النجاسة، وتساقط هذين الأصلين لما وصلت النوبة إلى أصالة الإباحة في محتمل النجاسة الذي هو في طول أصالة الطهارة بحسب الفرض.
إذن: أصالة الإباحة في محتمل النجاسة هي في طول التعارض بين الأصلين والتساقط، حتّى تصل النوبة إليها، وإلاّ لو لم يتعارضا ولم يتساقطا لم تصل النوبة إلى أصالة الإباحة في محتمل النجاسة، وهذا معناه أنّ هذا الأصل الطولي في مرتبةٍ متأخّرةٍ عن تساقط الأصلين العرضيين؛ حينئذٍ لا يُعقل أن يكون هذا الأصل الذي هو في طول تعارض الأصلين وتساقطهما، أن يكون معارضاً بواحدٍ من هذين الأصلين اللّذين فُرض تعارضهما وتساقطهما؛ لأنّ الأصل الساقط الذي هو عبارة عن أصالة الإباحة في الطرف الآخر الذي سقط بالمعارضة مع أصالة الطهارة في محتمل النجاسة، هذا الأصل الساقط لا يُعقل أن يكون مانعاً من شيءٍ لا يتم مقتضيه إلاّ بعد فرض هذا السقوط، أصالة الإباحة في محتمل النجاسة لا يتم مقتضيه إلاّ إذا فُرض سقوط أصالة الإباحة في الطرف الآخر بالتعارض؛ لأننا فرضنا أنّ النوبة لا تصل إليه ولا يتمّ مقتضيه إلاّ بعد فرض التعارض والتساقط بين الأصلين العرضيين. إذن: لا يتم مقتضي هذا الأصل في محتمل النجاسة ــــــــــ الأصل الطولي ـــــــــــ إلاّ بعد فرض سقوط ذلك الأصل، هذا الأصل الساقط لا يُعقل أن يمنع من شيءٍ لا يتمّ مقتضيه إلاّ بعد فرض ذلك السقوط، فكيف نقول أنّ هذا الأصل الساقط يكون مانعاً من جريان هذا الأصل الطولي في محتمل النجاسة ؟! هذا غير معقول.
هذا الوجه يبتني على افتراض أنّ الأصل الطولي في محل الكلام في طول سقوط الأصل الجاري في الطرف الآخر، كما هو في طول سقوط الأصل الحاكم، واضح أنّه يفترض أنّ أصالة الإباحة في محتمل النجاسة كما هي في طول سقوط الأصل الحاكم، يعني أصالة الطهارة في نفس طرفها التي هي حاكمة عليها بحسب الفرض، كذلك هي في طول سقوط الأصل العرضي في الطرف الآخر، هي في طول سقوطهما. هو يريد أن يجري هذا الكلام، إذا كان جريان أصالة الإباحة في محتمل النجاسة في طول سقوط ذاك الأصل ولا يتم مقتضي أصالة الإباحة في محتمل النجاسة إلاّ بعد فرض ذلك السقوط؛ فحينئذٍ كيف يُعقل أن يكون هذا الساقط مانعاً من هذا الأصل الذي لا يتم مقتضيه إلاّ بعد فرض السقوط، سقط؛ فحينئذٍ يتم مقتضي هذا الأصل؛ حينئذٍ كيف يكون هذا الساقط مانعاً منه. هنا يأتي هذا الكلام السابق، ولكن الأمر ليس هكذا، بمعنى أنّ أصالة الإباحة في محتمل النجاسة ليست في طول أصالة الإباحة في الطرف الآخر، وإن كانت هي في طول أصالة الطهارة، في طول الأصل الحاكم، لكنّها ليست في طول أصالة الإباحة في الطرف الآخر، وذلك باعتبار أنّ سقوط الأصل الحاكم ـــــــــــ أصالة الطهارة ـــــــــــ لو كان في طول سقوط الأصل في الطرف الآخر لتمّت هذه الدعوى؛ لأنّ أصالة الإباحة في محتمل النجاسة في طول سقوط الأصل الحاكم، وسقوط الأصل الحاكم في طول سقوط الأصل في الطرف الآخر، وبالتالي يكون الأصل الطولي في طول سقوط الأصل في الطرف الآخر، فيأتي حديث أنّه كيف يُعقل أن يكون مانعاً منها، لكنّ سقوط الأصل الحاكم ليس في طول سقوط الأصل في الطرف الآخر؛ بل هما في عرضٍ واحد، سقوط أصالة الطهارة وسقوط أصالة الإباحة في الطرف الآخر في عرضٍ واحد وليس بينهما طولية، وإنّما هما في عرضٍ واحد، وسقوط كل واحدٍ منهما ينشأ في الحقيقة من كون مقتضي الأصل الآخر مانعاً من جريانه، الأصل الحاكم، الذي هو أصالة الطهارة لماذا تسقط ؟ لأنّ مقتضي الأصل في الطرف الآخر يمنع من جريانه، الأصل في الطرف الآخر لماذا يسقط ؟ لأنّ مقتضي الآخر يقتضي عدم جريانه، أو يمنع من جريانه، كما أنّ سقوط الآخر ينشأ من أنّ مقتضي هذا الأصل يمنع من جريانه. إذن: سقوط الأصل الحاكم ليس في طول سقوط الأصل في الطرف الآخر.
وبعبارةٍ أخرى أكثر وضوحاً: أنّ سقوط الأصل الحاكم هو في طول فاعلية الأصل في الطرف الآخر وتأثيره في منع جريان الأصل الحاكم لا أنّه في طول سقوطه؛ بل هو في الحقيقة في طول عدم سقوطه، الأصل الحاكم إنّما يسقط؛ لأن الآخر يمنع منه، بمعنى أنّ أصالة الطهارة تسقط؛ لأنّ أصالة الإباحة في الطرف الآخر تمنع منها، أصالة الإباحة في الطرف الآخر تسقط لأنّ الأصل الحاكم يمنع منها. إذن: سقوط كل واحدٍ منهما ليس في طول سقوط الآخر؛ بل إذا صحّ التعبير هو في طول عدم سقوطه وتأثيره في منع جريانه. إذن: لا طولية بين سقوط الأصل الحاكم وبين سقوط الأصل في الطرف الآخر حتّى يكون الأصل المحكوم الذي هو الأصل الطولي في طول سقوط الأصل في الطرف الآخر حتّى يأتي هذا الكلام الذي ذُكر، وإنّما الصحيح أنّ الأصل المحكوم ــــــــــ الأصل الطولي ـــــــــــ هو فقط في طول سقوط الأصل الحاكم وليس في طول سقوط الأصل في الطرف الآخر؛ بل في الواقع والحقيقة هو في طول عدم سقوطه؛ لأنّ عدم سقوطه هو الذي يمنع من جريان الأصل الحاكم وبالتالي تصل النوبة إلى الأصل المحكوم، وإلاّ لو جرى الأصل الحاكم لما وصلت النوبة إلى الأصل المحكوم، الذي يمنع من جريان الأصل الحاكم هو عدم سقوط الأصل في الطرف الآخر، وبقاءه على تأثيره في منع جريان الأصل الحاكم، هذا هو الذي يوجب سقوط الأصل الحاكم، فتصل النوبة إلى الأصل المحكوم. إذن: الأصل المحكوم وإن كان في طول سقوط الأصل الحاكم، ولكنّه ليس في طول سقوط الأصل في الطرف الآخر؛ بل هو في الحقيقة في طول عدم سقوطه ولا يتم الكلام السابق؛ لأنّه كان يبتني على افتراض أنّ الأصل الطولي في طول سقوط الأصل في الطرف الآخر، هو يقول أنّ هذا الأصل في الطرف الآخر بعد فرض سقوطه، كيف يكون مانعاً من جريان هذا الأصل الذي لا يتم مقتضيه إلاّ بعد فرض سقوطه ؟ هذا غير معقول! نقول: أنّ هذا الأصل الطولي ليس في طول سقوط الأصل في الطرف الآخر؛ بل هو في طول عدم سقوطه.
الوجه الثاني: هذا الوجه يُفترض فيه عدم الطولية، يعني نفترض فيه أنّ الأصل الطولي ليس في طول سقوط الأصل في الطرف الآخر، لكن مع ذلك يُدّعى بأنّ هذا الأصل الطولي لا يكون جارياً؛ بل لابدّ أن يُلتزم بسقوطه بوجهٍ آخر غير مسألة أنّه في طول سقوط الأصل في الطرف الآخر، وذلك بأن يقال: أنّه وإن لم يكن في طول سقوط الأصل في الطرف الآخر، لكنّه قطعاً في طول سقوط الأصل الحاكم، باعتبار كونه محكوماً له، أصالة الإباحة في محتمل النجاسة في طول سقوط أصالة الطهارة في محتمل النجاسة، وسقوط الأصل الحاكم مع سقوط الأصل في الطرف الآخر هما يستندان إلى علّة واحدة هي التي تؤثّر في هذين السقوطين، وهذه العلّة هي عبارة عن التعارض بين الأصلين، المعارضة بين هذين الأصلين العرضيين هو الذي أوجب سقوطهما. إذن: سقوط الأصل الحاكم وسقوط الأصل في الطرف الآخر لهما علّة واحدة وهي عبارة عن المعارضة، وهذا يثبت لنا أنّ الأصل الطولي في طول المعارضة بين الأصلين. ومن الواضح أنّ الأصل المُعارَض الذي هو أصالة الإباحة في الطرف الآخر بما هو مُعارَض يستحيل جريانه حتّى يقع طرفاً للمعارضة مع الأصل الطولي، كيف يُعقل أنّ أصل الإباحة في الطرف الآخر باعتبار كونه معارضاً لأصالة الطهارة في محتمل النجاسة، أن يكون طرفاً للمعارضة مع الأصل الطولي.
وبعبارةٍ أخرى: أنّ أصالة الإباحة في الطرف الآخر بعد كونها طرفاً للمعارضة مع أصالة الطهارة، لا يُعقل أن تكون طرفاً للمعارضة مع الأصل الطولي؛ لأنّ الأصل الطولي هو في طول المعارضة بين هذين الأصلين؛ حينئذٍ كيف يُعقل أن يكون هذا الأصل في الطرف الآخر مع كونه معارضاً بأصالة الطهارة، كيف يُعقل أن يكون معارضاً للأصل الطولي الذي هو في طول هذه المعارضة ؟
هذا الوجه فيه مغالطة، والمغالطة تنشأ من أنّه عندما قيل أنّ الأصل الطولي في طول المعارضة، هذا لابدّ من تحليله، ما هو المقصود بالمعارضة في المقام ؟ المعارضة تتقوّم بأمرين: بمانعية هذا الأصل لذاك الأصل، وممنوعية ذاك لهذا، والثاني مانعية الأصل الآخر للأصل الأوّل، وممنوعية الأصل الأوّل، أن يكون هذا الأصل مانعاً من ذاك، وذاك مانعاً من هذا، فتتحقق المعارضة بينهما. في مثالنا: المعارضة بين أصالة الطهارة وبين أصالة الإباحة في الطرف الآخر تتقوّم بمانعية مقتضي جريان الأصل الحاكم الذي هو أصالة الطهارة عن تأثير مقتضي الجريان في الأصل الآخر، وفي مقابلها ممنوعية مقتضي جريان الأصل في الطرف الآخر، هذا جانب. الجانب الآخر هو العكس، أن نلتفت إلى الطرف الآخر، فنقول: أنّ مقتضي جريان الأصل في الطرف الآخر يمنع من مقتضي جريان الأصل الحاكم. هذا أيضاً يقابله ممنوعية مقتضي جريان الأصل الحاكم، المعارضة تتقوّم بهاتين المانعيتين والممنوعيتين؛ حينئذٍ نأتي إلى كلامه من أنّ الأصل الطولي هو في طول المعارضة، ما هو المقصود بالمعارضة التي يدّعي بأنّ الأصل الطولي هو في طولها ؟ إن كان المقصود أنّ الأصل الطولي هو في طول مانعية مقتضي الأصل في الطرف الآخر عن مقتضي جريان الأصل الحاكم، فهذا أمر صحيح؛ لأننا قلنا أنّ النوبة لا تصل إلى الأصل الطولي إلاّ بعد سقوط الأصل الحاكم، وسقوط الأصل الحاكم لا يكون إلاّ إذا منع منه الأصل في الطرف الآخر. إذن: الأصل الطولي هو في طول مانعية مقتضي جريان الأصل في الطرف الآخر عن تأثير مقتضي جريان الأصل الحاكم وممنوعيته، هذا مطلب صحيح ولا غبار عليه، لكن ما هو المحذور في أن يكون الأصل العرضي في الطرف الآخر مانعاً من جريان الأصل الطولي ؟ أي ضيرٍ في أن تكون أصالة الإباحة في محتمل الغصبية مانعةً من جريان أصالة الإباحة في محتمل النجاسة ؟ هذا ليس فيه محذور، الأصل الطولي ليس في طول ممنوعية الأصل في الطرف الآخر حتّى يحصل إشكال، وإنّما الأصل الطولي هو في طول مانعية الأصل في الطرف الآخر عن جريان الأصل الحاكم، في طول ممنوعية جريان الأصل الحاكم لا في طول ممنوعية جريان الأصل في الطرف الآخر، وإنّما هو في طول مانعية الأصل في الطرف الآخر عن جريان الأصل الحاكم، لا محذور في هذا، ولا محذور في أن يكون هذا الأصل في الطرف الآخر الذي كان الأصل الطولي في طول مانعيته من جريان الأصل الحاكم، أن يكون هذا الأصل مانعاً من جريان أصالة الإباحة في محتمل النجاسة.
بعبارةٍ أخرى: أنّ الأصل في الطرف الآخر يمنع من أمرين: يمنع من تأثير مقتضي أصالة الطهارة في إثبات الطهارة في محتمل النجاسة، ويمنع من تأثير مقتضي أصالة الإباحة لإثبات الإباحة في محتمل النجاسة، يمنع منهما ويعارضهما معاً، وهذا يقتضي تساقط كل الأصول، ما هو المحذور في هذا ؟ بعد أن لم يكن الأصل الطولي في طول ممنوعية الأصل في الطرف الآخر، إذا كان في طول ممنوعيته، يعني كان في طول سقوطه، وإذا كان في طول سقوطه؛ فحينئذٍ لا يمكن أن يكون معارضاً له، لكن هو ليس في طول سقوطه، وإنّما هو في طول مانعيته عن تأثير الأصل الحاكم في إثبات الطهارة في محتمل النجاسة، وهذا لا محذور فيه، أن يكون في طول مانعية الأصل في الطرف الآخر، ولا محذور أيضاً في أن يكون الأصل في الطرف الآخر مانعاً أيضاً ومعارضاً لهذا الأصل الطولي كما كان مانعاً ومعارضاً مع الأصل الحاكم.
وأمّا إذا كان المقصود أنّ الأصل الطولي في طول مانعية الأصل الحاكم وليس في طول مانعية الأصل في الطرف الآخر عن الأصل الحاكم، وإنّما الأصل الطولي هو في طول مانعية الأصل الحاكم عن جريان الأصل في الطرف الآخر، إذا ادُّعي هكذا، فهذه الدعوى ليست صحيحة، الأصل الطولي ليس في طول مانعية الأصل الحاكم من جريان الأصل في الطرف الآخر؛ لأنّ الأصل الطولي هو في طول سقوط الأصل الحاكم بحسب الفرض، بفرض الطولية معناه أنّ الأصل المحكوم الذي هو الأصل الطولي هو في طول سقوط الأصل الحاكم ولا يُعقل أن يكون في طول مانعيته عن جريان الأصل في الطرف الآخر.
إذن: بحسب التحليل، كون الأصل الطولي في طول المعارضة، هذا صحيح، لكن المقصود بالمعارضة هو أنّه في طول مانعية الأصل في الطرف الآخر عن جريان الأصل الحاكم وممنوعية جريان الأصل الحاكم في هذا الطرف، وهذا مطلب صحيح؛ وحينئذٍ لا محذور في أن يكون الأصل في الطرف الآخر الذي كان الأصل الطولي في طول مانعيته لا في طول ممنوعيته، ما هو المحذور في أن يكون هذا الأصل الذي كان الأصل الطولي في طول مانعيته عن جريان الأصل الحاكم، أن يكون مانعاً من جريان الأصل المحكوم ؟ وهذا معناه أنّ التعارض يقع بين كل الأصول؛ وحينئذٍ تتساقط كل الأصول.
إذن: هذا الوجه الثاني أيضاً ليس تامّاً.