36/03/18


تحمیل
الموضوع: الأصول العمليّة / تنبيهات العلم الإجمالي/ الاضطرار إلى بعض الأطراف لا بعينه
كان الكلام في ما إذا لم يكن الاضطرار واصلاً إلى حد العجز التكويني ولا العجز الشرعي بالمعنى المتقدّم سابقاً، وإنّما هو بمرحلة ومرتبة الحرج والضرر، بمعنى أنّ عدم ارتكاب هذا الطرف يوقع الإنسان في الحرج والضرر لا أكثر، وإلاّ هو قادر على ارتكابه وليس مشتغلاً بواجب أهم يُطلب منه ترك الاشتغال بهذا الواجب الأهم حتّى يصدق العجز الشرعي، وإنّما إذا تركه يقع في الحرج والضرر، فهو اضطرار بهذه المرتبة.
هذا الاضطرار إذا كان بهذه المرتبة، إذا كان اضطراراً إلى المعيّن كما إذا فرضنا أنّه اضطر إلى شرب الماء لرفع عطشه بمرتبة رفع الحرج والضرر لا بمرتبة الاضطرار الموجب للعجز التكويني، ثمّ علم بنجاسة أحد شيئين، إمّا الماء، أو الخل، وهو مضطر إلى شرب الماء الذي هو المعيّن بمرتبة الحرج والضرر، في هذه الحالة يأتي الكلام السابق كلّه في المقام بكل تفاصيله المتقدّمة في بحث الاضطرار إلى المعيّن الذي هو المقام الأوّل، كل الخصوصيات المذكورة هناك ترد في المقام، التفصيل الذي بنوا عليه، وهو التفصيل بين ما إذا كان الاضطرار متقدّماً على العلم الإجمالي، أو مقارناً وبين ما إذا كان الاضطرار متأخّراً عن العلم الإجمالي، فالتُزم بعدم المنجّزية إذا كان الاضطرار متقّدماً على العلم الإجمالي، أو مقارناً له، والتُزم بالمنجّزية إذا كان الاضطرار متأخّراً عن العلم الإجمالي. هذا التفصيل بعينه يرد في محل الكلام، أيضاً، فيقال أنّ هذا الاضطرار بمقدار الحرج ومستوى الحرج والضرر، هذا إذا كان قبل العلم الإجمالي، أو مقارناً له يوجب سقوط العلم الإجمالي عن المنجّزية، وإذا كان متأخّراً عن العلم الإجمالي، فيبقى العلم الإجمالي علة منجّزيته بالنكتة السابقة وهي أنّ الأمر يدور بين التكليف الطويل والتكليف القصير، فيتنجّز التكليف الطويل الأمد على امتداد الوقت، فالطرف الآخر يكون منجّزاً بهذا العلم الإجمالي المتقدّم ــــــــــــ بحسب الفرض ـــــــــــ على الاضطرار، فتثبت المنجّزية. نفس هذا الكلام يقال في محل الكلام. غاية الأمر أنّ هنا في محل الكلام الرافع للتكليف هو قاعدة نفي الضرر، فأنّها هي التي تكون رافعة للتكليف بمعنى من المعاني الآتية لقاعدة نفي الضرر، أمّا هناك، فكان العجز التكويني، أو العجز الشرعي هو الرافع للتكليف، والمثبت للترخيص، أمّا هنا، فلدينا قاعدة ودليل شرعي ينفي الضرر، فيكون في حالة تقدّم الاضطرار بهذا المستوى على العلم الإجمالي؛ حينئذٍ يكون رافعاً للتكليف بالنسبة إلى الطرف المعيّن الذي هو الماء؛ لأنّه مضطر إلى ارتكابه، وإذا لم يشربه يقع في الحرج، فأدلّة نفي الحرج تقول لا يوجد هنا تكليف، فيرتفع التكليف، إذا ارتفع التكليف في أحد الإناءين لا يكون العلم الإجمالي قابلاً للتنجيز؛ لأنّه ليس علماً بتكليف فعلي على كل تقدير على ما تقدّم سابقاً. وإذا كان هذا الاضطرار متأخّراً عن العلم الإجمالي؛ فحينئذٍ العلم الإجمالي ينجّز كلا الطرفين، يعني ينجّز الطرف الآخر، أي ينجّز حرمة شرب الخل في هذا المثال، فالأثر يظهر هنا، وبنفس النكتة السابقة وهي نكتة الدوران بين الفرد الطويل والفرد القصير، فتمام الكلام الجاري هناك يجري في حالة ما إذا كان الحرج و الاضطرار بهذا المستوى يكون إلى طرفٍ معيّن.
في مقابل القسم الثاني، وهو ما إذا كان الاضطرار إلى أحدهما لا بعينه كما هو في نفس المثال، لكن نفترض أنّ كلاً من الإناءين كان ماءً، وكل منهما يحقق غرضه ويرفع عطشه ويرفع عنه الضرر والحرج، فهو مضطر إلى ارتكاب أحدهما لا إلى أحدهما بعينه، هنا الأمر يختلف والفرق بين هذا الفرض والفرض الذي قبله هو أنّه في الفرض الذي قبله أي في الاضطرار إلى المعيّن لا يوجد أي إشكال في شمول أدلّة نفي الحرج للطرف المعيّن، كما ستأتي الإشكالات في شمول أدلّة نفي الحرج لأحدهما لا بعينه، لا إشكال في أنّ أدلّة نفي الحرج تشمل هذا الطرف، وإذا شملت هذا الطرف يأتي التفصيل السابق المتقدّم في المقام الأوّل.
وأمّا إذا كان الاضطرار لأحدهما لا بعينه كما إذا كان كل منهما ماءً، في هذه الحالة يقع الكلام في أصل شمول قاعدة نفي الحرج لمثل هذه الحالة، يعني لما إذا كان الاضطرار إلى بعض أطراف العلم الإجمالي غير المعيّن، هناك كلام في أصل شمول دليل نفي الحرج لهذا المورد، وبعد ذلك يقع الكلام على تقدير تجاوز الإشكالات التي أثيرت حول شمول القاعدة لهذا المورد، وقلنا بأنّ القاعدة تشمل هذا المورد ويثبت بها الترخيص في أحد الطرفين؛ لأجل رفع الحرج، فيقع الكلام في أنّ هذا الترخيص الثابت باعتبار شمول أدلّة نفي الحرج للمقام هل هو من قبيل الترخيص الثابت في حالات العجز التكويني والعجز الشرعي أو هو يختلف عنها.
بعبارةٍ أخرى: هل يجري في هذا الترخيص الثابت بأدلّة نفي الحرج تمام ما قيل في الترخيص الثابت في موارد العجز التكويني والعجز الشرعي، أو يختلف عنه ؟ أمّا أصل شمول دليل القاعدة لمحل الكلام، هناك إشكالان أشكلا على شمول أدلّة نفي الحرج لأطراف العلم الإجمالي:
الإشكال الأوّل: أنّ مفاد أدلّة نفي الحرج وهكذا نفي الضرر هو نفي الحكم، لكن بلسان نفي الموضوع، هي تنفي الموضوع والغرض منه نفي الحكم، فهي تنفي الحكم، لكن بلسان نفي الموضوع. هذا التفسير للقاعدة إذا سلّمناه يستلزم افتراض أن يكون هناك موضوع حرجي يلزم منه الحرج، فالشارع يرفع هذا الموضوع الحرجي لغرض نفي حكمه، لكن حتّى تشمل القاعدة مورداً لابدّ من افتراض أنّ هذا الحكم الذي نريد نفيه بالقاعدة، لابدّ أن يكون موضوعه حرجياً وضررياً؛ فحينئذٍ يقال أنّ القاعدة تشمله وتدلّ على نفي حكمه؛ لأنّ لحكمه موضوع حرجي، والقاعدة تنفي الحكم، لكن بلسان نفي الموضوع، فلابدّ من افتراض أنّ الموضوع حرجي. أمّا إذا فرضنا أنّ موضوع الحكم لم يكن حرجياً، أي بإمكان المكلّف أن يأتي بهذا الموضوع من دون أن يقع في أي حرج؛ حينئذٍ لا تشمله القاعدة، وإنّما هي تشمل خصوص الأحكام التي تكون موضوعاتها حرجية أو ضررية. يقول الإشكال: أنّ مقامنا من هذا القبيل، موضوع الحكم الشرعي ليس حرجياً، فالحكم الشرعي هو حرمة شرب النجس، وليس هناك حرج على المكلّف في أن يترك شرب النجس، لو علم به لكان تركه ممكناً بالنسبة إليه ولا يوقعه في الحرج، وبإمكانه أن يرفع حرجه بالطرف الآخر. إذن: لو قصرنا النظر على الحكم الشرعي سنجد أنّ موضوع الحكم الشرعي ليس حرجياً، وإنّما الحرج والضرر يلزم من الموافقة القطعية لهذا الحكم الشرعية، الموافقة القطعية لهذا التكليف هي التي توقع المكلف في الحرج والضرر، هذا هو الذي يلزم منه العسر والحرج، وإلاّ أصل الإتيان بمتعلّق التكليف ليس فيه حرج؛ لأنّ موضوع التكليف هو حرمة شرب النجس، وليس لدى المكلّف مشكلة في أن يترك شرب النجس؛ إذ أنّ شرب النجس لا يوقعه في الحرج، وإنّما الذي يوقعه في الحرج هو ترك شرب الإناءين، وهذا معناه أنّ موضوع التكليف الشرعي ليس حرجياً، وما يلزم من الإتيان به الضرر أو الحرج ليس موضوعاً للتكليف الشرعي، وإنّما ما يلزم منه العسر والحرج هو الاحتياط، وهو ترك كلا الطرفين، وهو ليس موضوعاً لتكليفٍ شرعي، وإنّما هو موضوع لتكليفٍ عقلي، العقل هو الحاكم به، بينما التكليف الشرعي موضوعه ليس حرجياً، والقاعدة إنّما تشمل الأحكام الشرعية، فهي تكون حاكمة على الحكم الشرعي ورافعة للحكم الشرعي، لكن بلسان نفي الموضوع وليس لها نظر إلى الأحكام العقلية بحيث تكون رافعة للأحكام العقلية بلسان نفي موضوعها، وإنّما هي رافعة للحكم الشرعي، ويُشترط في شمولها للحكم الشرعي أن يكون موضوعه حرجياً، فإذا لم يكن موضوعه حرجياً، كما هو المفروض في محل الكلام، فالقاعدة لا تشمله، فإذن ليس بإمكاننا إجراء القاعدة في محل الكلام لإثبات أن الحكم ينتفي باعتبار أنّه يلزم من الإتيان بهذا الطرف الوقوع في الحرج، أصلاً لا تجري القاعدة في محل الكلام. هذا إشكال في أصل شمول القاعدة لمحل الكلام.
هذا الإشكال وإن ألتزم به بعض المحققين كصاحب الكفاية(قدّس سرّه)، لكن يمكن تجاوزه بالالتزام إمّا بما يقوله الشيخ الأنصاري(قدّس سرّه) من أنّ مفاد دليل نفي العسر والحرج هو نفي التكليف الذي ينشأ منه العسر والحرج، الأحكام التي يلزم منها العسر والحرج تكون منفية.
بعبارة أكثر وضوحاً: الأحكام التي تكون منشئاً للعسر والحرج تكون منفيّة، سواء كان موضوعه فيه عسر وحرج، أو لم يكن موضوعه حرجياً، بالنتيجة الحكم الشرعي هو الذي صار منشئاً للعسر والحرج، ولو بواسطة إجماله وترددّه الموجب لوجوب الموافقة القطعية وللاحتياط، بالنتيجة الموافقة القطعية ناشئة من التكليف، لكن بعد فرض ترددّه وإجماله، لكن بالنتيجة هي ناشئة من التكليف. إذن: العسر والحرج الذي ينشا من التكليف يكفي في شمول القاعدة له حتّى إذا كان موضوعه ليس حرجياً كما في محل الكلام. في محل الكلام موضوع الحرمة الواقعية ليس حرجياً، بإمكان المكلّف أن يترك موضوع الحرمة الواقعية، أي يترك الحرام الواقعي الذي وقعت فيه النجاسة واقعاً ويجتنبه من دون أن يقع في الحرج، وإنّما الذي يوقعه في الحرج هو الالتزام بترك كلا الطرفين، لكن هذا الالتزام بترك كلا الطرفين إنّما نشأ من التكليف الواقعي بعد فرض تردده وإجماله، ما يستفاد من القاعدة هو أنّ كل ما يكون منشئاً للحرج والضرر، ولو بالواسطة، يكون منفيّاً، ويمكن الالتزام بشمول القاعدة لمحل الكلام، وأنّها تنفي الحكم الشرعي المعلوم بالإجمال في محل الكلام؛ لأنّ هذا الحكم الشرعي المعلوم بالإجمال، وإن كان موضوعه الواقعي ليس فيه حرج، لكنّه منشئ لإيقاع المكلّف في العسر والحرج، فتشمله القاعدة وتكون نافية لهذا التكليف، وبهذا يمكن تجاوز هذا الإشكال. أو يُلتزم بمبنى آخر سيأتي توضيحه وهو أن يُلتزم أنّ مفاد القاعدة هو رفع الحرج الخارجي، ويكون هذا برفع كل ما يوجبه. على كلا التقديرين يرتفع الإشكال الأوّل؛ لأنّه كان منصبّاً على أنّه يُشترط أن يكون شمول القاعدة لموردٍ أن يكون موضوع الحكم الشرعي حرجياً، نفس الموضوع الذي يتعلّق به التكليف يكون حرجيّاً، وهذا غير متحقق في محل الكلام.
الإشكال الثاني: لو سلّمنا أنّ القاعدة تدل على نفي كل حكم يكون منشئاً للعسر والحرج، حتّى لو سلّمنا هذا، هي لا تشمل محل الكلام؛ لأنّه لا إشكال في أنّه يُشترط في هذا الحكم الذي يُراد نفيه باعتباره منشئاً للضرر، أو للحرج أن يكون حكماً وجوياً، أيّ أنّ القاعدة تشمل الأحكام الشرعية الإلزامية الوجودية، إذا كانت منشئاً للضرر، وإلاّ القاعدة لا تشمل عدم حكم حرجي، وإنّما تشمل الحكم الوجودي الذي يكون منشئاً للضر والحرج، أمّا إذا كان عدم الحكم يلزم منه الوقوع في الحرج، فالقاعدة لا تشمله؛ لأنّها ناظرة إلى الأحكام الشرعية الإلزامية الوجودية، فإذا كان لدينا حكم شرعي وجودي يكون منشئاً لإيقاع المكلّف بالحرج، ولو بالواسطة تشمله القاعدة، أمّا إذا كان الحكم الشرعي الذي يُراد نفيه ليس منشئاً للضرر أصلاً، وإنّما الحرج ينشأ من عدم حكمٍ آخر وهو في محل الكلام عدم الترخيص في بعض أطراف العلم الإجمالي، عدم الترخيص الشرعي في ارتكاب أطراف العلم الإجمالي هو الذي يوقع المكلّف في العسر والحرج، وإلاّ التكليف الواقعي في حدّ نفسه لا يوقع المكلّف في العسر والحرج، وإنّما التكليف الواقعي حيث شكّ فيه المكلّف وتردّد فيه، الشارع لم يحكم بالترخيص في أطراف هذا العلم الإجمالي، هذا هو الذي أوقع المكلّف في الضرر، هذا صار منشئاً لإيقاع المكلّف في الحرج؛ لأنّ الشارع لم يُرخّص في ارتكاب الأطراف، وإذا التزم المكلّف بهذا الشيء سوف يقع في الحرج والضرر، فالذي يكون منشئاً للضرر في محل الكلام هو عدم الترخيص الشرعي وأدلّة نفي الضرر والحرج لا تشمل عدم الحكم الحرجي، وإنّما هي تشمل التكاليف الوجودية الإلزامية الحرجية، وفي محل الكلام التكليف الوجودي الإلزامي المعلوم بالإجمال ليس منشئاً للضرر، وإنّما يترتب الضرر في الحقيقة من عدم الترخيص الشرعي، أو قل بعبارةٍ أخرى من إيجاب الاحتياط، إيجاب الاحتياط هو الذي يوقع المكلّف في الحرج.
أو بعبارةٍ أخرى: أنّ اهتمام الشارع بالواقع حتّى في هذه الحالة هو الذي يوقع المكلّف في الحرج؛ لأنّ اهتمام الشارع بالواقع حتّى في هذه الحالة هو الذي يجعل الشارع يحكم حكماً بوجوب الاحتياط، فوجوب الاحتياط، وعدم الترخيص الشرعي هو الذي يكون منشئاً للضرر والحرج، والقاعدة لا تشمل كما قلنا عدم حكم حرجي، وإنّما تشمل الأحكام الشرعية الوجودية الإلزامية الحرجية.
إذا قلنا بأنّ القاعدة كما تشمل الأحكام الشرعية الوجودية الإلزامية كذلك تشمل عدم الحكم الحرجي، بأن نفهم من القاعدة أنّها في مقام نفي الحرج الخارجي الذي يكون ناشئاً من أحكام أو عدم أحكامٍ شرعية، مطلق ما يكون منشئاً للحرج يكون منفيّاً، فإذا كان منشأ الوقوع في الحرج هو حكم تكليفي وجودي يكون مشمولاً للقاعدة، فيكون منفيّاً، أو يكون منشأ الوقوع في الحرج هو عدم الترخيص الشرعي، هذا أيضاً يكون منفياً، باعتباره منشئاً لوقوع المكلّف في الحرج، ولا داعي لتخصيص المنفي بخصوص الأحكام الشرعية الإلزامية الوجودية، كل ما يكون ثابتاً في الشريعة ويُسند إلى الشارع إذا كان منشئاً لوقوع المكلّف في الحرج يكون منفياً، سواء كان أمراً وجودياً، أو كان أمراً عدمياً، فكما يُنفى بالحديث الشريف التكليف الشرعي إذا كان منشئاً للوقوع في الحرج، كذلك يُنفى بالحديث الشريف عدم الترخيص الذي قلنا بأننا يمكن أن نعبّر عنه بإيجاب الاحتياط، عدم الترخيص في الأطراف يعني إيجاب الاحتياط؛ فحينئذٍ يكون الحديث شاملاً لذلك ويكون دالاً على نفي وجوب الاحتياط ونفي عدم الترخيص، ولازم ذلك هو ثبوت الترخيص في ارتكاب بعض الأطراف، يعني ثبوت الترخيص في مخالفة الموافقة القطعية، يعني يثبت الترخيص في بعض الأطراف، وأمّا حرمة المخالفة القطعية، فتبقى على حالها.