36/05/26


تحمیل
الموضوع: الأصول العمليّة / تنبيهات العلم الإجمالي/ دوران الأمر بين الأقل والأكثر الارتباطيين.
تمّ الكلام عن المانع الأوّل عن جريان البراءة في محل الكلام في دوران الأمر بين الأقل والأكثر وتبيّن بأنّ هذا المانع ليس مانعاً؛ بل في الحقيقة هو غير موجود أصلاً، والمقصود به هو العلم الإجمالي، وتبيّن من الدرس السابق أنّه في الواقع لا يوجد علم إجمالي، وإنّما الأمر من البداية دائر بين الأقل والأكثر وليس بين المتباينين حتى يتشكل علم إجمالي ويدعى كونه مانعاً من جريان البراءة في محل الكلام.
المانع الثاني: ما هو المنقول والمعروف عن صاحب الفصول(قدّس سرّه) حيث ذكر هذا المانع من جريان البراءة في محل الكلام، وحاصل ما ذكره هو أننا لو سلّمنا أنّ العلم الإجمالي الموجود بين الأقل والأكثر ينحل بالعلم التفصيلي المتقدّم؛ فحينئذٍ يزول المانع الأوّل على أساس انحلال هذا العلم الإجمالي، فلا يكون مانعاً من جريان البراءة، لو سلّمنا ذلك، يقول: نفس العلم التفصيلي هو بنفسه يكون مانعاً من جريان البراءة في محل الكلام، والمقصود بالعلم التفصيلي هو العلم التفصيلي بوجوب الأقل إمّا بالوجوب الاستقلالي، أو بالوجوب الضمني، نفس هذا العلم التفصيلي يُعد يقيناً بالاشتغال، وهذا معناه أنّ المكلّف يكون على يقين من اشتغال ذمّته بهذا الوجوب، ودخول الأقل في عهدته وفي ذمّته، هو يقين باشتغال الذمّة بالأقل؛ لأنّه علم تفصيلاً بوجوب الأقل، إذا صار هذا يقيناً باشتغال الذمّة، وسلّمنا بأنّه اشتغال للذمّة بالأقل؛ حينئذٍ تأتي قاعدة الاشتغال وتقول أنّ(الاشتغال اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني) الفراغ اليقيني من التكليف بالأقل المردد بين كونه استقلالياً أو ضمنياً لا يتحقق إلاّ بالإتيان بالأكثر؛ لأنّ وجوب الأقل الذي اشتغلت به الذمّة يقيناً بحسب الفرض هو مردد بين الاستقلالي وبين الضمني على تقدير أن يكون هذا الوجوب استقلالياً؛ حينئذٍ تفرغ الذمّة منه بالإتيان بالأقل، لكن على تقدير أن يكون وجوب الأقل وجوباً ضمنياً، فهذا الوجوب الأقل لا تفرغ الذمّة منه إلاّ بالإتيان بالأكثر؛ لأنّ معنى كون الأقل واجباً بالوجوب الضمني هو أنّه واجب في ضمن مجموع مركب منه ومن غيره، وهذا الأقل الذي علمت بوجوبه تفصيلاً واشتغلت به الذمّة تفصيلاً على تقدير أن يكون وجوبه ضمنياً فامتثاله وتفريغ الذمّة من عهدته لا يكون إلاّ بالإتيان بالأكثر، إذا جاء بالأكثر؛ حينئذٍ يكون قد أفرغ ذمّته عن ما اشتغلت به يقيناً؛ لأنّ الذمّة اشتغلت بالأقل المردد بين كونه استقلالياً، او ضمنياً، أمّا إذا اقتصر على الأقل لا يكون هناك تفريغ ذمّة يقيني لما اشتغلت به وليس للمعلوم بالإجمال؛ بل للمعلوم بالتفصيل، ما اشتغلت به الذمّة هو وجوب الأقل، لكنّه مردد بين الاستقلالي وبين الضمني، على تقدير أن يكون الأقل ما اشتغلت به الذمّة ويكون وجوبه وجوباً ضمنياً لا يتحقق امتثاله إلاّ بالإتيان بالأكثر، فإذا جاء بالأكثر يكون حينئذٍ قد أفرغ ذمّته عمّا اشتغلت به يقيناً، وأمّا إذا اقتصر على الأقل واكتفى بالتسعة أجزاء هو لا يقطع بفراغ الذمّة. نعم، على تقدير أن يكون وجوب الأقل وجوباً استقلالياً، فإذا اقتصر على الأقل يقطع بفراغ الذمّة، أمّا على تقدير أن يكون وجوب الأقل وجوباً ضمنياً، هو واجب في ضمن مجموع مركب منه ومن غيره، امتثال الأقل لا يكون بالإتيان به، وإنّما امتثاله لا يتحقق الإّ بالإتيان بالأكثر؛ للترابط الموجود بين الواجبات الضمنية، حيث أنّ الواجبات الضمنية متلازمة في الثبوت وفي السقوط، وفي الامتثال، لا يكون ممتثلاً لواجب ضمني إلاّ إذا امتثل باقي الواجبات الضمنية، فلا يتحقق امتثال الأقل إلاّ بالإتيان بالأكثر، وهذا معناه أنّ اشتغال الذمّة يقيناً بالعلم التفصيلي بوجوب الأقل المردد بين الاستقلالي والضمني يستدعي الفراغ الضمني لقاعدة الاشتغال، والفراغ اليقيني من هذا التكليف الذي اشتغلت به الذمّة قطعاً لا يكون إلاّ بالإتيان بالأكثر، وهذا معناه أننا نصل إلى نتيجة وجوب الإتيان بالأكثر، ولا تجري حينئذٍ البراءة؛ لأنّ هذا المورد ليس من موارد البراءة، وإنّما هو مورد لقاعدة الاشتغال؛ لأنّ الاشتغال اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني، وهنا لا يلاحظ صاحب الفصول(قدّس سرّه) المعلوم بالإجمال، وإنّما يلاحظ المعلوم بالتفصيل، يعني يفترض انحلال العلم الإجمالي بالعلم التفصيلي ويسلّم الانحلال، فالمانع من جريان البراءة ليس هو العلم الإجمالي؛ لأنّه انحل بالعلم التفصيلي، لكن نفس هذا العلم التفصيلي بوجوب الأقل المردد بين الاستقلالي والضمني هو علم تفصيلي بالتكليف هو يعني اشتغال الذمّة جزماً بالأقل، فإذن: هذا من موارد اشتغال الذمّة بالتكليف جزماً يقيناً، الاشتغال اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني، والفراغ اليقيني من مثل هذا التكليف المردد بين الاستقلالي والضمني لا يكون إلاّ بالإتيان بالأكثر، فيجب الإتيان بالأكثر ولا مجال لجريان قاعدة البراءة، فيكون هذا مانعاً من إجراء قاعدة البراءة في محل الكلام.
هذا المانع الثاني أجاب عنه المحققون ممّن علّق على كلام صاحب الفصول(قدّس سرّه) وننقل كلام السيد الخوئي(قدّس سرّه)، خلاصة كلامه،[1] يقول: أنّ هذا الكلام وقع فيه خلط بين مقامين، بين سقوط التكليف واقعاً وبين سقوط التكليف بحكم العقل، الواجب علينا هو الثاني، ليس ما يحكم به العقل هو عنوان إسقاط التكليف، إسقاط التكليف ليس من الواجبات العقلية ولا من الواجبات الشرعية، العقل يحكم بلزوم الإتيان بما يعلم من التكليف، التكليف المعلوم يجب الإتيان به، فكل شيءٍ عُلم تعلّق التكليف به يحكم العقل بلزوم الإتيان به، يقول: ليس هناك دليل على أنّ عنوان(إسقاط التكليف) من الواجبات الشرعية، أو الواجبات العقلية، فالعقل لا يحكم بلزوم إسقاط التكليف واقعاً، العقل يقول: العلم منجّز، فإذا علمت بتعلّق التكليف بشيء؛ حينئذٍ يقول العقل يجب عليك الإتيان بذلك الشيء الذي عُلم تعلّق التكليف به، هذا هو المقدار الذي يحكم به العقل وليس للعقل حكم آخر أزيد من هذا، لا يحكم العقل بوجوب إسقاط التكليف على ما هو عليه في الواقع، وإنّما ما يحكم به العقل هو أنّ التكليف إذا كان معلوماً، تنجّز بالعلم بحيث أصبح الشيء يُعلم تعلّق التكليف به، هذا يحكم العقل بلزوم الإتيان به فراراً من العقاب على المخالفة؛ لأنّ هذا التكليف المعلوم تنجّز على المكلّف فاستحق المكلّف العقاب عليه على تقدير المخالفة، العقل فراراً من استحقاق العقاب على المخالفة يحكم بلزوم الإتيان بذلك الشيء، هذا هو الذي يحكم به العقل. إذن: في محل الكلام حصل خلط بين إسقاط التكليف واقعاً وبين إسقاط التكليف الذي عُلم تعلقه بالشيء، فُرض العلم بتعلّق التنجيز، تنجّز ذلك الفعل بتعلّق التكليف به، هذا الثاني هو الواجب عقلاً دون الأوّل، في محل الكلام صحيح، أنّ إسقاط التكليف واقعاً على ما هو عليه في الواقع في محل الكلام واضح أنّه يتوقف على الإتيان بالأكثر؛ إذ لا جزم بسقوط التكليف الواقعي على ما هو عليه في الواقع إلاّ بالإتيان بالأكثر؛ لأنّ المكلّف يعلم بوجوب الأقل، صحيح، لكنّ هذا الأقل دائر بين الاستقلالي وبين الضمني، وعلى تقدير أن يكون وجوبه وجوباً ضمنياً كما قلنا، أو كما قال صاحب الفصول(قدّس سرّه)هذا لا يتحقق امتثاله إلاّ بالإتيان بالأكثر؛ إذ لا يكفي في امتثال الأقل بعد فرض كون وجوبه وجوباً ضمنياً إلاّ إذا جاء بالأكثر، لكن هذا إسقاط للتكليف الواقعي على ما هو عليه في الواقع، هل هذا هو المطلوب منّا عقلاً ؟ أو أنّ المطلوب عقلاً هو إسقاط التكليف بالمقدار المنجّز ؟ إذا كان هناك فعل يعلم المكلّف بتعلّق التكليف به، العقل يحكم بوجوب امتثاله ووجوب إسقاط هذا التكليف الذي علِم بتعلّقه بذلك الفعل، فيحكم بلزوم الإتيان بالفعل فراراً من محذور المخالفة واستحقاق العقاب، الذي يحكم به العقل هو الثاني لا الأوّل، وفي محل الكلام صحيح أنّ التكليف الواقعي على ما هو عليه في الواقع لا يتحقق امتثاله إلاّ بالإتيان بالأكثر، لكن بمقدار ما تنجّز على المكلّف؛ حينئذٍ يمكن التفصيل، فنقول: العلم التفصيلي بوجوب الأقل اشتغلت به الذمّة، وعلم به المكلّف، فالأقل ممّا علم المكلّف بتعلّق التكليف به، فإذا علم المكلّف بتعلّق التكليف به، العقل يحكم بوجوب الإتيان به، ما زاد على ذلك لا يعلم المكلّف بتعلّق التكليف به، صحيح هو محتمل ولا يخرج من عهدة الواقع جزماً إلاّ إذا جاء بالأكثر وراعى هذا الاحتمال، احتمال وجوب الزائد على الأقل، لكنّه لم تقم عليه البيّنة، ولم يتنجّز بالعلم؛ لأنّ المفروض أنّ المكلّف يشك في وجوب الزائد، يشك في وجوب ما زاد على الأقل، فإذن: هو لم يتنجّز بالعلم حتّى يحكم العقل بلزوم الإتيان به، ما تنجّز بالعلم هو عبارة عن الأقل بعد فرض انحلال العلم الإجمالي بالعلم التفصيلي، العلم التفصيلي يتعلّق بالأقل. إذن: اصبح الأقل ممّا يعلم المكلّف بتعلّق التكليف به، العقل يحكم بلزوم الإتيان به، فراراً عن محذور المخالفة، هذا صحيح، ما زاد على الأقل لا يعلم المكلّف بتعلّق التكليف به، لم يتنجّز على المكلّف بعلم بحسب الفرض، فإذا لم يتنجّز بعلم تجري فيه أصالة البراءة ولا يكون من موارد الاشتغال، ما اشتغلت به الذمّة حتماً وجزماً هو عبارة عن الأقل، هذا هو الذي تنجّز على المكلّف بالعلم، والعقل يحكم بلزوم الإتيان به، ما زاد عليه ليس مورداً لحكم العقل بلزوم مراعاته ولزوم أن يكون هناك امتثال يُراعى فيه احتمال أن يكون الواجب هو الأقل، العقل لا يحكم بذلك؛ بل العقل في هذه الحالة يحكم بالبراءة، يحكم العقل في هذه الحالة بقبح العقاب بلا بيان، باعتبار أنّ العقاب على مخالفة هذا الزائد المحتمل هو عقاب بلا بيان؛ لأنّه لم يصل البيان للمكلّف على وجوب الزائد، وإنّما الذي وصل إليه هو بيان على وجوب الأقل، على وجوب تسعة أجزاء، فالعقاب على مخالفة التكليف بالزائد لو كان ثابتاً في الواقع هو عقاب بلا بيان تؤمّن منه قاعدة البراءة؛ بل حتّى البراءة الشرعية أيضاً تؤمّن من ناحيته.
وبعبارةٍ أخرى: الشك في تحقق الامتثال بالإتيان بالأقل، لا يمكن إنكار أنّ المكلّف في محل الكلام إذا اقتصر على الأقل يبقى شاكّاً في تحقق الامتثال للتكليف الواقعي بلا إشكال؛ لأنّه لا يعلم التكليف الواقعي ما دام يحتمل الأكثر؛ فحينئذٍ لا يستطيع أن يقول أنّ ما جئت به هو امتثال للتكليف الواقعي، فيبقى الشكّ في تحقق الامتثال على حاله عند الإتيان بالأكثر، لكن بعد الإتيان بالأقل هذا الشك في تحقق الامتثال يكون ناشئاً من أنّ الشارع هل جعل التكيف بالزائد بعد أن جعل التكليف بالأقل ووصل التكليف بالأقل إلى المكلّف هل هو أيضاً حكم بوجوب الأقل ؟ هل حكم بارتباط هذا الأقل الذي هو التسعة بالجزء العاشر وبوجوبه ؟ هذا نشك فيه، فتجري البراءة لنفيه، فتكون القضية شرعية، أنّ الشارع تارة يحكم بوجوب التسعة فقط، وأخرى يحكم بوجوب التسعة بالإضافة إلى الجزء العاشر، إضافة الجزء العاشر وصيرورة الواجب هو الأكثر هذا حكم شرعي ينشأ من جعل الشارع وهو مشكوك، المكلّف يشك في أنّ الشارع هل قيّد الأجزاء التسعة بالجزء العاشر ؟ هل حكم بوجوب الجزء العاشر ؟ هذا جعلٌ مشكوك؛ فحينئذٍ تجري البراءة لنفيه، ليس هناك يقين باشتغال الذمّة بما زاد على الأقل، وإنّما ما يتيقن المكلّف باشتغال ذمّته فيه هو الأقل؛ لأنّ العلم التفصيلي تعلّق بالأقل. صحيح أنّ الأقل المعلوم وجوبه تفصيلاً مردد بين الضمني وبين الاستقلالي، لكن ما يتنجّز على المكلّف وما تجري فيه قاعدة الاشتغال وما يحكم العقل بلزوم الإتيان به ولزوم تفريغ الذمّة منه هو التكليف المنجّز على المكلّف بالعلم وأمثاله، وما يعلم المكلّف به في محل الكلام هو تعلّق التكليف بالأقل، أي بالتسعة، هذا هو الذي يعلمه بحسب الفرض تفصيلاً، ما زاد عليه ليس معلوماً للمكلّف، احتمال عدم تحقق الامتثال وعدم فراغ الذمّة واقعاً موجود، لكنّ هذا الاحتمال ينشأ من جعل الشارع، احتمال أنّ الشارع جعل التكليف بالجزء العاشر زائداً التكليف بالأقل، وهذا غير واصل ولم يتم عليه البيان، يشك المكلّف فيه، فتجري البراءة لنفيه، ويقتصر في مقام الامتثال على الإتيان بالأقل، والحاصل أنّ المكلّف ليس مطالباً عقلاً بأن يأتي بأزيد من الأقل، فيمكنه أن يكتفي بالأقل، ويجري البراءة لنفي ما زاد على الأقل، فهذا لا يمنع من جريان البراءة في محل الكلام؛ لأنه كما يقول السيد الخوئي(قدّس سرّه) فيه خلط بين إسقاط التكليف الواقعي على ما هو عليه في الواقع وبين إسقاط التكليف بفعلٍ يعلم التكليف، الواجب على المكلّف عقلاً هو الثاني، وأن يسقط التكليف المنجّز، كل تكليف علم بتعلّقه بشيء العقل يحكم بوجوب إسقاطه وتفريغ الذمّة منه، لكن لا يحكم العقل بوجوب إسقاط التكليف الواقعي على ما هو عليه في الواقع، وذاك وإن كان يتوقّف على الإتيان بالأكثر، لكن العقل لا يحكم بلزوم مراعاته وبوجوب الاحتياط من ناحيته.
المانع الثالث: ما أشار إليه الشيخ الأنصاري(قدّس سرّه) في الرسائل، وذكره صاحب الكفاية(قدّس سرّه) في الكفاية، [2]وحاصله: إذا سلّمنا الانحلال من ناحية الوجوب، باعتبار أنّ الوجوب المردد بين الأقل والأكثر ينحل بالعلم التفصيلي بوجوب الأقل، لو سلّمنا هذا الانحلال من ناحية الوجوب، فلا نسلّم الانحلال من ناحية الغرض، وذكر صاحب الكفاية(قدّس سرّه) أنّه بناءً على ما بنا عليه مشهور العدلية من تبعية الأحكام من أوامر ونواهي للمصالح والمفاسد وأنّ هذه المصالح والمفاسد موجودة في المأمور به والمنهي عنه بحيث يكون الداعي إلى الأمر الشرعي هو وجود مصلحة تترتب على لإتيان بالفعل، والداعي على النهي الشرعي هو وجود مفسدة تترتب على الفعل، فتكون الأوامر والنواهي تابعة للمصالح والمفاسد في متعلّقاتها. إذن: الأمر بشيء هو لأجل المصلحة التي تترتب على فعل ذلك الشيء كما أنّ النهي عن شيء هو لأجل المفسدة التي تترتب على ذلك الشيء. وحيث أنّه يجب تحصيل غرض المولى الذي لأجله صدر منه الأمر، أو صدر منه النهي، يجب على المكلّف تحصيل غرض المولى وهذا ممّا يحكم به العقل، فالعقل يحكم بلزوم تحصيل أغراض المولى، ففي هذه الحالة لا محيص عن الاحتياط في محل الكلام، والاحتياط يكون بالإتيان بالأكثر وعدم الاقتصار على الأقل؛ وذلك لأنّه لا يُعلم بحصول الغرض الذي جعل الشارع الوجوب لأجله إلاّ بالإتيان بالأكثر؛ لأنّ المكلّف إذا لم يأتِ بالأكثر واقتصر على الأقل؛ حينئذٍ لا يعلم بحصول وترتّب الغرض؛ لاحتمال أن يكون الجزء الزائد الذي لم يأتِ به المكلّف دخيلاً في تحقق غرض المولى؛ لأنّ هذا الاحتمال موجود بلا إشكال، مادام المكلّف يحتمل وجوب الأكثر، فهذا يعني أنّه يحتمل أنّ الزائد على الأقل دخيل في تحقق غرض المولى. إذن: هو لا يعلم بتحصيل الغرض إلاّ إذا جاء بالأكثر، وإلاّ ليس له علم بتحقق غرض المولى من التكليف، وحيث أنّ تحصيل غرض المولى واجب بحكم العقل، فيجب على المكلّف الإتيان بالأكثر حتّى يقطع بتحقق غرض المولى، فالانحلال مسلّم بلحاظ الوجوب، الوجوب ينحل إلى علم بوجوب تفصيلي وشك بدوي في ما زاد، لكن الغرض الذي من أجله جُعل التكليف أساساً المردد عندنا بين الأقل وبين الأكثر، هذا التكليف باعتبار أنّه تابع للمصلحة بالنتيجة له غرض يترتب على الفعل، هذا الغرض أنا لا أعلم بتحققه إلاّ إذا جئت بالأكثر، وأمّا إذا اقتصرت على الأقل؛ حينئذٍ لا علم بتحقق هذا الغرض. نعم، احتمال أن يتحقق هذا الغرض لكن لا علم بتحققه، وحيث أنّ تحصيل غرض المولى واجب بحكم العقل مثلاً، ففي هذه الحالة لابدّ من الاحتياط والإتيان بالأكثر من باب الاحتياط.
والذي يبدو أنّ هذا المانع الذي ذُكر مرجعه إلى دعوى الشك في المحصل الذي يحكم العقل فيه بالاشتغال، غاية الأمر أنّ هذا الشك في المحصل ليس من ناحية التكليف والوجوب، وإنّما من ناحية الغرض؛ لأنّ نفس الفكرة التي تُطبق على التكليف عندما يكون هناك شك في المحصل، نفسها تطبق على الغرض، كان هناك تكليف يشك المكلّف في أنّه هل امتثله أو لا ؟ يجب عليه امتثاله، نفس هذا يُطبق على الغرض، هناك غرض من التكليف والمكلّف مسئول تجاه هذا الغرض، فيجب عليه تحصيله وتحصيله لا يكون إلاّ بالإتيان بالأقل، لو فرضنا أنّ المكلف كان يعلم بوجوب الأكثر علماً تفصيلياً وشك في الإتيان به، يجب عليه الإتيان به؛ لأنّه لا يعلم هل امتثل هذا التكليف، أو ؟ فيجب عليه الإتيان به، والعقل هنا يحكم بوجوب الاحتياط ووجوب الإتيان به، الغرض هو من هذا القبيل، يشك في حصوله إذا اقتصر على الأقل، فيجب عليه تحصيله بالإتيان بالأكثر وعدم الاكتفاء بالإتيان بالأقل.