32/10/15


تحمیل

توجيه الاحتمال الثالث:- وأما الاحتمال الثالث الذي اختاره الشيخ الخراساني والذي كان حاصله ان الاستحباب ثابت لنفس العمل وليس على حيثية البلوغ فاستدل له بان ظاهر الروايات هو ان الثواب الثابت هو ثواب على ذات العمل ولازم كون الثواب على ذات العمل ان يكون المستحب هو ذات العمل ، ولكن كيف نثبت أن الثواب على ذات العمل ؟ وذلك ببيان أن الروايات قالت ( من بلغه ثواب على عمل ) والمقصود هنا الثواب على ذات العمل وهذا شيء مسلم فان الثواب يبلغنا على ذات العمل ، ثم قالت ( كان له ذلك الثواب ) يعني الذي بلغه على ذات العمل ، إذن الثواب الذي بلغنا هو قد بلغنا على ذات العمل والله عز وجل حينما يعطي الثواب يعطي نفس ذلك الثواب الذي بلغ - يعني على ذات العمل - حيث قالت الروايات كان له ذلك - أي ذلك الثواب الذي بلغ على ذات العمل - وإذا كان الله عز وجل يمنح الثواب على ذات العمل فلازم ذلك أن يكون المستحب هو ذات العمل.

 ثم قال:- وأما ما ذكره الشيخ الأعظم من وجود قرينتين تمنعان من كون الثواب مترتباً على ذات العمل فهما قابلتان للمناقشة:-

القرينة الاولى :- ان بعض الروايات قالت ( من بلغه ثواب على عمل فعمله طلب قول النبي كان له ذلك الثواب ) والتقييد بقوله ( طلب قول النبي ) يفهم منه أن الثواب يثبت لو كانت الغاية للفاعل هي تحصيل امتثال طلب النبي صلى الله عليه واله ، يعني إذا كانت العلة والغاية هي البلوغ هي البلوغ فيستفاد من هذه الرواية أن الثواب لا يثبت لذات العمل وإنما يثبت إذا كانت الغاية هي طلب قول النبي ، فالثواب إذن ليس على ذات العمل بل على العمل بقيد الطلب والبلوغ . هذه القرينة الاولى التي ذكرها الشيخ الأعظم.

وردها الشيخ الخراساني:- بأن رواية محمد بن حمران نسلم بأنها مقيدة بذلك - أي مقيدة بطلب قول النبي - ولكن بقية الروايات ليس فيها هذا القيد ومقتضى إطلاق هذه الروايات أن الثواب يثبت على ذات العمل ، وتقييد هذه لا ينافي إطلاق تلك فتلك أثبتت الثواب على ذات العمل فيؤخذ بظاهرها ولا موجب للتقييد.

وأما القرينة الثانية:- فهي انه ذكر في بعض الروايات - كصحيحة هشام بن سالم - الفاء فقيل ( من بلغه ثواب على عمل فعمله ) وهذه الفاء فاء التفريع يعني من باب تفريع المعلول على العلة - أي فعمله لأجل بلوغ الثواب - فبلوغ الثواب علة للعمل والعمل معلول لبلوغ الثواب فيصير الثواب ثابتاً للعمل المقيد بتلك العلة - أي المقيد بالبلوغ - وليس مترتباً على ذات العمل بل هو ثابت للعمل الناشئ من البلوغ والمقيد به.

 وأجاب الشيخ الخراساني بجواب عن هذه القرينة الثانية ، كما أجاب تلميذه الشيخ الأصفهاني بجواب آخر . إذن يوجد جوابان في رد هذه القرينة الثانية:-

الجواب الأول وهو للشيخ الخراساني (قده):- قال صحيح ان هذه الفاء للتفريع أي من باب تفريع المعلول على علته أي على علته الغائية ولكن نقول العلة الغائية التي تسمى بالداعي أيضاً لا توجب تقيد العمل فان داعي الشيء لا يكون عنواناً مقيداً للشيء ، ولم يزد على هذا المقدار شيئاً ، أما لماذا لم يذكر دليلاً على ذلك ؟

ويمكن أن يوجه ما أفاده هكذا:- ان مرحلة الداعي متأخرة عن مرحلة الفعل ومرحلة الفعل متقدمة فلابد وان يفترض أن الشخص يتصور الفعل في المرحلة الاولى فيحصل له الداعي في المرحلة الثانية فتكون مرحلة الداعي متأخرة عن مرحلة الفعل ومع اختلاف الرتبة كيف يكون الداعي وجهاً وعنواناً للشيء ؟!! ان لازمه صيرورة المختلفين رتبة متحدين في الرتبة ، يعني أن لازمه صيرورة المتقدم متأخراً والمتأخر متقدماً.

وأما جواب الثاني وهو للشيخ الأصفهاني (قده):- هو أنه قال ان الفاء وان كانت للتفريع ولكن التفريع ذو شكلين ، فتارة يكون التفريع من باب تفريع المعلول على علته الغائية وهذا هو الذي ينفعنا في المقام من قبيل قولك ( أوقدت النار فحصل الحريق ) فان الحريق معلول لحصول إيقاد النار ، وأخرى يكون التفريع لا من هذا الباب بل من باب تفريع أحد الوجودين على الوجود الآخر من دون أن تكون بينهما علية ومعلولية بل مجرد تقدم وتأخر في الوجود ، فيصح أن يؤتى بالمتأخر وجوداً بالفاء كقولك ( سمعت الأذان فبادرت الى المسجد ) فان سماع الأذان ليس هو العلة الى المبادرة وإنما العلة الحقيقية هي تحصيل الثواب والأجر وامتثال الأمر الإلهي وما شاكل ذلك وإنما سماع الأذان متقدم وجوداً على المبادرة الى المسجد والمبادرة تصير عادة بعد سماع الأذان والبعدية بعدية وجودية لا أكثر ، وفي المقام وان ذكرت الفاء في صحيحة هشام بن سالم ولكن يحتمل أن تكون هذه الفاء من هذا القبيل يعني فاء من باب التأخر الوجودي فان بلوغ الثواب متقدم بالوجود والإنسان يعمل العمل في مرحلة متأخرة عن بلوغ الثواب فيصح الإتيان بالفاء من هذا الباب ، أي من باب أن تحقيق العمل متأخر هو وجوداً عن بلوغ الثواب.

والخلاصة:- ان الشيخ الخراساني سلم أن الفاء من تفريع المعلول على العلة ولكن قال العلة لا توجب تقييداً في المعلول ولا تكون عنواناً له وإلا يلزم أن يصير المختلفان رتبة متحدين من حيث الرتبة ، وأما الشيخ الأصفهاني فأنكر كون الفاء من باب تفريع العلة على المعلول بل قال يحتمل أنها من باب تفريع المتأخر وجوداً على المتقدم وجوداً.

وكل ما أفيد قابل للمناقشة:-

أما أصل الدعوى التي ذكرها الشيخ الخراساني فيرد عليها:- ان منح نفس ذلك الثواب لا معنى له فانه قد لا يكون ثواب على ذات العمل إذ الرواية قالت أنا أمنح الثواب وان كان البلوغ كاذباً وغير مطابق - أي وان لم يكن هناك ثواب على ذات العمل - فالمنوح لا يمكن أن نقول هو نفس ذلك الثواب وإنما الممنوح هو مقداره ، فالروايات عندما تقول ( كان له ذلك الثواب ) يعني من حيث المقدار لا أنه له نفس ذاك حتى تقول نفس ذاك هو على ذات العمل فيلزم الآن أن يمنح على ذات العمل ، كلا ، ان هذا لا وجه له وإنما المقصود منح مقدار ذلك الثواب ، وعليه كيف نستفيد أن الثواب على ذات العمل؟!

 وأما القرينة الاولى التي ردها وهي أن بعض الروايات ذكرت قيد ( طلب قول النبي ) وهذا لا يصلح أن يكون قرينة إذ غاية الأمر هذا يصير مقيدا ونحن نتمسك بإطلاق بقية الروايات.

فجوابه:- ان المورد ليس من المطلق والمقيد وإنما المقام من باب تعدد الخطاب مع وحدة المفاد ، فجميع الروايات تريد أن تفرغ عن مفاد واحد وجعلٍ واحد ولا تريد بيان مطلبين حتى يقال ان التقييد هنا لا ينافي إطلاق تلك بل كلها تريد أن تبين مفاداً واحداً ومعلوم أن المفاد الواحد لا يمكن أن يكون مطلقاً ومقيداً بل هو اما مطلق أو مقيد ، فإذا افترضنا أنه مقيد في رواية فيلزم أن يكون هذا التقييد مقصوداً في الروايات الأخرى ولا معنى للتمسك بإطلاق تلك الروايات المطلقة وما ذكر إنما يكون وجيهاً إذا فرض أن كل رواية تبين مفاداً خاصاً بها أما إذا كانت تقصد بيان مفاد واحد فلا يتم ما ذكر.