32/11/18


تحمیل

ان قلت:- انه يمكن أن يقال في مناقشة مسلك المنجزية بتعارض الأصول بأن الأصل تارة نجريه لنفي وجوب الظهر ونفي وجوب الجمعة فيأتي آنذاك القول بأن هذا خلف العلم الإجمالي إذ نحن نعلم بلزوم إحدى الخصوصيتين فنفي وجوب هذه ونفي وجوب تلك منافٍ للعلم الإجمالي ، وأما إذا أردنا إجراء الأصل بشكل آخر فلا يأتي ما ذكر وذلك بأن نجري الأصل عن تعين خصوصية الظهر وتعين خصوصية الجمعة وبالبراءة ننفي تعين الخصوصية ولا ننفي أصل وجوب الخصوصية ، أي لا ننفي وجوب عنوان الظهر ووجوب عنوان الجمعة حتى يقال هذا خلف العلم الإجمالي وتكون النتيجة آنذاك هي التخيير فانه إذا لم تتعين هذه الخصوصية ولا تلك فالنتيجة هي التخيير.

 انه بالإمكان إجراء الأصلين بهذا الشكل ، وبهذا لا يتم ما أراده العلمان - أعني السيد الخوئي والشيخ النائيني (قده) - فان ما ذكراه يتم لو أريد إجراء الأصل لنفي الوجوبين أما لو أريد إجراء الأصل عن تعين الوجوبين فلا تلزم مشكلة وتكون النتيجة هي التخيير . هكذا قد يقال في رد العلمين.

قلت:- ان التخيير يجزم ببطلانه ، فانا نعلم أن الجمعة لو كانت واجبة فوجوبها تعييني والظهر لو كانت واجبة فوجوبها تعييني أيضاً ولا يحتمل التخيير بين الأمرين ونحن نعلم إجمالاً بالوجوب التعييني لإحدى الصلاتين ولا نحتمل الوجوب التخييري.

 إذن إجراء الأصلين بهذا الشكل سوف ينتج مخالفة قطعية للعلم الإجمالي أيضاً.

ان قلت:- إذا تم هذا فما رأيك في الأصل العقلي فانك فيما سبق قبلت وقلت في رد العلمين انه بعد تعارض الأصلين الشرعيين يمكن أن تصل النوبة إلى الأصل العقلي - أي قاعدة قبح العقاب بلا بيان - والعقل يحكم بأن هذه الخصوصية بعينها حيث لا بيان عليها فأنت مؤمن بلحاظها وتلك أيضاً كذلك ولكن حيث أن واحدة هي لازمة جزماً فالعقل يحكم بكفاية الإتيان بواحدة بنحو التخيير من دون معارضة بين الأصلين فان المعارضة تتم في باب الألفاظ دون حكم العقل.

 انك فيما سبق هكذا ذكرت وانتهيت إلى ان نتيجة حكم العقل هي التخيير بين الإتيان بإحدى الخصوصيتين فكيف قبلت هنا هذه النتيجة - وهي التخيير - ورفضتها في الأصول الشرعية ، فما هو الفارق بين الموردين ، أي بين الأصول الشرعية وبين الأصل العقلي ؟

قلت:- ان الأصول الشرعية قابلة للتخصيص فيمكن أن يقال ان تطبيقها في المقام حيث تكون نتيجته التخيير وهي نتيجة مرفوضة فيلزم أن نقول بعدم جريانها في المقام - أي في مورد العلم الإجمالي - في وجوب إما الظهر وإما الجمعة ويختص جريانها بالشبهة البدوية فانه شيء وجيه إذ الأدلة اللفظية قابلة للتخصيص ، فمن الوجيه أن نبني على أن حديث الرفع يختص بالشبهة البدوية إذ شموله لمورد العلم الإجمالي يلزم منه المخالفة القطعية للعلم الإجمالي ، وهذا بخلافه في الأصل العقلي فان مدركه هو حكم العقل وأحكام العقل لا تقبل التخصيص ، فإذا فرض أن العقل حقاً وصدقاً يحكم بقبح العقاب بلا بيان يعني أن التنجز يثبت بمقدار البيان وأما بمقدار اللابيان فلا تنجز كما يدعيه أصحاب هذه القاعدة كالشيخ النائيني والسيد الخوئي فمثل هذا لا يقبل التخصيص.

 فإذا قبلنا بهذه القاعدة فيلزم أن نطبقها حتى في مورد العلم الإجمالي فنلاحظ مقدار البيان ويثبت التنجز بمقداره ومقدار البيان هو بلحاظ الجامع بين الخصوصيتين أعني إحداهما - فيكون المكلف ملزماً بإحداهما إما هذه بعينها أو تلك بعينها فلا بيان على ذلك فلا تنجز وبذلك تصير النتيجة هي التخيير ويكون أصحاب قاعدة قبح العقاب بلا بيان ملزمين بهذه النتيجة.

 وإذا قالوا ان وجداننا لا يقبل بهذه النتيجة - أي التخيير - فان كل متشرع يشعر بوجدانه أن التخيير نتيجة مرفوضة فنقول لهم هذا صحيح ولكن ليكن هذا الوجدان سبباً لرفع اليد عن أصل هذه القاعدة إذ لو قبلناها فإنها توصلنا إلى هذه النتيجة المرفوضة بالوجدان ، فنحن أما أن نقبل هذه القاعدة وعلينا آنذاك القبول بهذه النتيجة وهي التخيير أما أن نقبل تلك القاعدة ونرفض هذه النتيجة فذلك يعني تخصيص الحكم العقلي بموارد الشبهة البدوية وواضح أن الأحكام العقلية لا تقبل التخصيص فان العقل يقول كلما فرض اللابيان فلا تنجز من دون استثناء ومع البيان يوجد التنجز من دون استثناء أيضاً.

 إذن لا معنى لأن يقبل العلمان بقاعدة قح العقاب بلا بيان ولكن يرفضان تطبيقها على المقام لأنه ينتهي إلى التخيير ان هذا لا معنى له إذ أن نتيجته هو التخصيص للأحكام العقلية.

 إذن الشيء المهم الذي نريد قوله هو ان التخيير هي نتيجة مرفوضة بالوجدان ورفضها ينبغي ان يكون منبهاً وجدانياً على بطلان قاعدة قبح العقاب بلا بيان . هذا كله بالنسبة إلى مسلك الاقتضاء.

مسلك العلية:- وأما الشيخ العراقي(قده) فقد ذكر أن العلم الإجمالي يستلزم بذاته - أي من دون حاجة إلى المعارضة بين الأصلين وجوب الموافقة القطعية وبنحو العلية ، يعني يستحيل أن يرخص الشارع ترك أحد الفردين ثبوتاً واستدل على ذلك بوجهين:-

الوجه الاول:- ان كل علم ينجز معلومه بنحو العلية وليس بنحو الاقتضاء.

 ثم قال:- وعلمنا الإجمالي حيث أنه متعلق بالواقع فيتنجز الواقع بنحو العلية.

 إذن دليله مركب من مقدمتين ونتيجة:-

 المقدمة الأولى:- ان كل علم ينجز معلومه بنحو العلية ، والمقدمة الثانية ان المعلوم في علمنا هو الواقع ، والنتيجة هي أن علمنا الإجمالي ينجز الواقع بنحو العلية.

 أما بالنسبة إلى المقدمة الثانية فأمرها واضح لأنه يدعي أن العلم الإجمالي متعلق بالواقع ، وهذه قضية مبنائية وقد تقدم الحديث عنها.

 والمهم ملاحظة المقدمة الأولى التي ادعى فيها أن كل علم ينجز معلومه بنحو العلية فانه ربما يستظهر من كلماته الاستدلال عليها بأنه إذا لاحظنا العلم التفصيلي فهو ينجز معلومه بنحو العلية التامة ، فلو كان عندي إناء أعلم بالتفصيل أنه خمر فهل يمكن للمولى أن يرخصني في تناوله أو كنت أعلم بالتفصيل أن صلاة الظهر واجبة فهل يمكن أن يرخصني في تركها ؟ كلا . إذن العلم التفصيلي ينجز معلومه بنحو العلية التامة.

 وهكذا العلم الإجمالي بناءاً على تعلقه بالجامع فانه ينجز معلومه بنحو العلية التامة أيضاً ، فلو كنت أعلم بوجوب أما الظهر وإما الجمعة فبناءاً على تعلق العلم الإجمالي بالجامع فانا أعلم بأحد الوجوبين أما وجوب الظهر وإما الجمعة وهل يمكن ان يرخصني الشرع في المخالفة وذلك بترك كلتا الصلاتين لا بترك واحد إذ بترك الواحد يكون الجامع متحققاً وإنما تحصل المخالفة بترك الاثنين معا فهل يمكن ذلك ؟ كلا لا يمكن.

 إذن إذا قبلنا في العلم التفصيلي أنه لا يمكن الترخيص في المخالفة وفي العلم الإجمالي بناءاً على التعلق بالجامع لا يمكن أيضاً فيلزم أن يكون الأمر كذلك لو بنينا على أن العلم الإجمالي يتعلق بالواقع فكما في الأولين لا يمكن ففي هذا الثالث لا يمكن أيضاً.