32/11/26


تحمیل
 هذا مضافاً إلى أن بإمكان الشيخ العراقي الإجابة بجواب آخر فيقول:- ما ذكر من الإشكال وان كان يرد على ما ذكرته ولكنه ليس إشكالاً على روح المطلب وأصله وإنما هو إشكال على هذه الصيغة الخاصة من التخيير المشروط ، يعني أن بالإمكان إجراء بعض التعديلات والإضافات عليها بحيث يبقى روح التخيير المشروط من دون لزوم المحذور الذي أشير إليه.
 أما كيف نجري التعديل بحيث لا يلزم الإشكال ؟
 وذلك بأن يقال:- يمكن مثلاً - وأنا لا أذكر ذلك من باب الحصر بل من باب المثال أن يخيّر المولى بهذا الشكل إذ يقول ( أنت مرخَّص في ترك الظهر وطبَّق الترخيص عليه عند فعل الجمعة بخصوصها ) ، فانه لو كانت الصيغة هكذا فلا يلزم آنذاك محذور اجتماع ترخيصين في المخالفة عند فعل الجمعة وحدها لأن الشرط في الترخيص بترك الظهر هو الإتيان بالجمعة وحدها في المستقبل ، أما عند الإتيان بها مع الظهر فلا ترخيص ، فأين اجتماع الترخيصين ؟!!
 ان قلت:- إذا فرض أن المكلف يفعل كلا الطرفين في المستقبل فهو أجدر بالترخيص ممن يأتي بأحدهما ، فان من يأتي بأحد الطرفين إذا كان مرخصاً بترك الثاني فمن يأتي بهما يكون أجدر بالترخيص بالترك ، بينما لازم التعديل الذي ذكرته هو أن من فعل الطرفين سوف لا يكون مرخصاً بالترك وهذا شيء بعيد.
 قلت:- ان دليل الأصل جاء وشُرِّع للتخفيف على المكلف ، يعني إذا أراد أن لا يأتي بالواجب المحتمل أو المشكوك فيجعل في حقه الترخيص تخفيفاً عليه ، أما من أراد أن يأتي بالواجب فلا محذور في عدم جعل الترخيص في حقه لأنه هو الذي أراد أن يُثقّل على نفسه والتخفيف تخفيف في الترك ولكنه أراد أن يفعل.
 إذن لا محذور في اختصاص الترخيص بحالة فعل أحد الطرفين وحده من دون فعل الآخر بعد إدخال القيد والتعديل المذكور ، وربما يكون ذلك أوضح فيما لو فرضنا أن الأطراف كانت ثلاثية لا ثنائية كما لو فرض أن الأمر كان يدور بين وجوب الظهر أو الجمعة أو العصر فيمكن حينئذ الترخيص في ترك أحد الأطراف الثلاثة شريطة الإتيان بأحد الطرفين الآخرين مع عدم الإتيان بالطرف الثالث فانه حينئذ لا يلزم اجتماع ترخيصات فعلية ثلاث بعد إدخال التعديل المذكور.
 إذن بإمكان الشيخ العراقي(قده) أن يصلح صيغته كي لا يرد عليه الإشكال ، فالإشكال المذكور هو أشبه بما يقال من أنه اعتراض ومناقشة بلحاظ المثال وإلا فليست المناقشة في روح المطلب.
 الجواب الخامس:- ما ذكره السيد الخوئي(قده) [1] وحاصله:- ان شرط قبول الحكم الظاهري أن يكون محتمل المطابقة مع الحكم الواقعي أما إذا كان مخالفاً ومبايناً له فيكون أصل تشريعه آنذاك مرفوضاً وباطلاً.
 ولذا ترى أن شيخنا النائيني(قده) ذكر في مورد دوران الأمر بين المحذورين الذي ذكرت فيه احتمالات متعددة من حيث الموقف الأصولي وأحد تلك المواقف ما قيل من أنه نجري أصالة التخيير فالمكلف يكون مخيراً بين الفعل والترك فلو فرض أن المكلف لا يدري هل نذر أن يشرب ماء البرتقال أو نذر أن لا يشربه فهو من الدوران بين المحذورين ، وأحد الآراء قال لِنجري أصالة التخيير ونقول انه مخير بين الفعل والترك ، وواضح أنه ليس المقصود هو التخيير العقلي بل الشرعي ، أي يكون مخيراً بين الفعل والترك ، وأشكِل على ذلك ومنهم شيخنا النائيني(قده) بأن التخيير يجزم ببطلانه ومخالفته للواقع لأنه ان كان الثابت واقعاً هو الحرمة فهو ملزم بالترك ، وان كان الثابت هو الوجوب فهو ملزم بالفعل ، والتخيير الشرعي بينهما يجزم بمخالفته للواقع الثابت إذ الواقع هو إما الحرمة أو الوجوب ، وأما التخيير فليس بثابتٍ ، فلا يمكن مثل الحكم الظاهري المذكور.
 وفي المقام نقول ذلك أيضاً حيث نقول إذا كانت الظهر ليست واجبة واقعاً وإنما الواجب هو الجمعة فجعل الإباحة المشروطة للظهر مخالف للواقع لأن الثابت واقعاً هو الإباحة المطلقة ، أي سواء فعل الجمعة أم لم يفعلها لا أن إباحة الترك مشروط بترك الجمعة ، هذا إذا كانت ليست واجبة ، وأما إذا كانت الظهر واجبة فجعل الإباحة لها من الأساس يكون باطلاً في حالة فعل الجمعة وفي حالة تركها.
 إذن الإباحة المشروطة يجزم بمخالفتها للحكم الثابت في اللوح المحفوظ ، فجعل الترخيص المشروط في حد نفسه مرفوض للجزم بمخالفته للحكم الواقعي.


[1] الدراسات 3 361 ، المصباح 2 355.