32/12/02


تحمیل
 قلنا لا يجوز التمسك بإطلاق ( رفع عن أمتي ما اضطروا إليه ) ولكن لماذا ؟ ذلك لوجيهين:-
 الوجه الاول:- القصور في المقتضي ، بمعنى أن المدرك لحجية الظهور الاطلاقي ليس إلا السيرة العقلائية - أو بإضافة المتشرعية - والقدر المتيقن منها هو التمسك بالإطلاق إذا لم يلزم منه مؤونة من هذا القبيل ، أما إذا لزم ذلك فلا نجزم بانعقاد سيرتهم على التمسك بالإطلاق ، وحيث أن السيرة دليل لبي فيلزم الاقتصار على القدر المتيقن ، أي ما إذا لم يلزم من تطبيق الإطلاق مؤونة من زاوية أخرى.
 الوجه الثاني:- ان الأمر يدور بين اطلاقين ، فنحن عندنا إطلاق دليل ( رفع عن أمتي ما اضطروا إليه ) وإطلاق دليل ( يحرم على الرجل أن ينظر إلى بدن المرأة من قبيل " وقل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم " ) والأمر يدور بين العمل بالإطلاق الاول - الذي لازمه تقييد الثاني - وبين العكس ، ولا مرجح للأول أعني التحفظ على إطلاق ( رفع عن أمتي ما اضطروا إليه ) وتقييد الثاني.
 والخلاصة:- إذا لزم من تطبيق الإطلاق مؤونة من زاوية أخرى فلا يجوز التمسك به.
 وهذا مثال ما يلزم من تطبيق الإطلاق مؤونة.
 وأما مثال ما لا يلزم منه مؤونة فهو :- ما لو أرادت المرأة المريضة أن تكشف عن يدها ، فمن ناحيتها لا محذور في التمسك بالإطلاق ما دامت لا تقصد بذلك إثبات جواز نظر الطبيب وإنما هي تكشف يدها ويجوز لها بمقتضى إطلاق ( رفع عن أمتي ما اضطروا إليه ) وأما الطبيب فليس لها شأن به والمهم أنها تريد أن تثبت جواز الكشف لنفسها وهذا لا يلزم منه مؤونة زائدة وهو تطبيق صحيح - إذا كانت تنتفع به كما لو فرض أن الطبيب كان غير متدين - فحينئذ هي تكشف عن يدها تمسكاً بإطلاق ( رفع عن أمتي ما اضطروا إليه ) وهذا لا محذور فيه ولا مؤونة.
 ولعلك تقول:- بل يلزم مؤونة وهي أنا رفعنا اليد عن إطلاق دليل ( أن المرأة لا يجوز لها أن تبدي بدنها للأجنبي ) إذ أن رفع اليد عن هذا الدليل وتقييده يكون مؤونة زائدة ، إذن لا يجوز حتى للمرأة نفسها - بقطع النظر عن الطبيب - جواز الكشف عن بدنها لأنه بالتالي يلزم تقييد دليل حرمة كشف المرأة لبدنها أمام الأجنبي.
 وجوابه واضح حيث يقال:- هذا هو شأن حديث رفع الاضطرار فانه ناظر إلى الأدلة الأوَّلية ويكون حاكماً عليها بمعنى أنه يقيدها جميعاً بحالة عدم الاضطرار ، وهذا ليس مؤونة زائدة بل ذلك هو وظيفته ، والمؤونة الزائدة هي فيما إذا أردنا أن نستفيد منه لخصوص لطبيب وأردنا أن نقيِّد الدليل الوارد في حقه والذي يقول ( لا يجوز للرجل الأجنبي أن ينظر إلى بدن الأجنبية ) ان ذلك تقييد ثانٍ لا تقتضيه طبيعة حديث نفي الاضطرار . وهذه قضية يلزم الالتفات إليها.
 والخلاصة من كل هذا:- ان التمسك بالإطلاق فرع عدم لزوم مؤونة من زاوية أخرى.
 وإذا قبلنا بهذه المقدمة نعود إلى شبهة التخيير المشروط ونقول للشيخ العراقي(قده):- انه يوجد عندنا اطلاقان في حديث الرفع - أي في مثل ( رفع عن أمتي ما لا يعلمون ) - وكلا الاطلاقين لا يمكن التمسك بهما وأنت تريد ترجيح أحدهما على الأخر ، والاطلاقان هما:-
 الأول:- ان مقتضى إطلاق ( رفع عن أمتي ما لا يعلمون ) انه لا يختص بالشبهة البدوية وان كانت هي القدر المتيقن بل يشمل حتى الشبهة المحصورة - أي المقرونة بالعلم الإجمالي - وهذا إطلاق أول لحديث الرفع.
 والثاني:- هو أن الترخيص الثابت في حديث الرفع ترخيص مطلق وليس مشروطاً ، ففي الشبهة البدوية حينما نشك في حرمة الشيء فحديث الرفع يقول لنا إني أرخصكم فيه والترخيص ترخيص مطلق ، أي ليس مشروطاً بالاجتناب عن شبهة ثانية وطرف آخر فانه يقول رفع عن أمتي ما لا يعلمون ولم يقل بشرط أن تجتنب عن الأطراف الأخرى.
 إذن حديث الرفع له اطلاقان ومقتضى إطلاقه الاول أنه لا يختص بالشبهات البدوية بل يعم الشبهات المقرونة بالعلم الإجمالي ، ومقتضى إطلاقه الثاني هو أن كل شبهة يثبت فيها الترخيص وثبوته يكون ثبوتاً مطلقاً وليس مشروطاً بترك الشبهات الأخرى ، والجمع بين هذين الاطلاقين غير ممكن - يعني أن نعمل الإطلاق الاول فنجعل الحديث شاملاً للشبهات المحصورة ونعمل الإطلاق الثاني ونجعل الحديث دالاً على الترخيص في كل من الطرفين - لأن لازمه الترخيص في المخالفة القطعية.
 وإعمال الإطلاق الاول يلزم منه تقييد الإطلاق الثاني أي يلزم منه مؤونة من زاوية أخرى حيث يلزم تقييد الإطلاق الثاني وقد قلنا ان شرط التمسك بالإطلاق أن لا يلزم منه مؤونة من زاوية أخرى وهنا يلزم منه ذلك حيث يلزم ثلم الإطلاق الثاني ، وقد قلنا سابقاً ان هذا ليس بأولى من المحافظة على الإطلاق الثاني وثلم الاول.
 وتكون النتيجة على هذا اختصاص حديث الرفع بالشبهات البدوية ولا يشمل أطراف الشبهة المحصورة.
 هذا ما يمكن أن نجيب به على ما أفاده الشيخ العراقي(قده).