33/02/02


تحمیل
 الموضوع / التنبيه الثالث / تنبيهات / العلم الإجمالي / أصالة الاشتغال / الأصول العملية.
 ثم لو قطعنا النظر عن كل ما ذكرناه سابقاً وقلنا ان التكليف لا يمكن ثبوته في حق غير القادر ولو بنحو العموم والإطلاق وسلمنا بهذا - إما لمحذور الاستهجان أو لغيره من الموانع التقدمة - فبإمكاننا أن نسلك طريقاً آخر وذلك بأن يقال:- ان التكليف وان لم يمكن توجيهه إلى غير القادر بيد أن الملاك - أعني المبغوضية - هو فعليٌّ في حقه ، فالزنا مثلاً هو مبغوض للمولى من دون فرق بين أن يكون الشخص قادراً كما في حق الشاب أو يكون غير قادر كالشيخ الكبير فان كون الشخص شيخاً كبيراً لا يسلب عنه مبغوضية الزنا . نعم توجيه التكليف إليه بحرمة الزنا غير ممكن أما أصل المبغوضية فهي ثابتة ، وهكذا الحال بالنسبة إلى الإناء الخمري الموجود في مكان لا يمكن الوصول إليه فان شربه مبغوض لا أن المبغوضية تزول ما دام لا يمكن ارتكابه ، وإذا سلمنا بثبوت المبغوضية - أعني بثبوت الملاك - بلحاظ الشيء غير المقدور فنضم إلى ذلك مقدمة جديدة وهي أن المنجز ليس خصوص العلم بالتكليف بل هو العلم بالتكليف أو العلم بالملاك - يعني العلم بالمبغوضية - فانا إذا علمت بأن المولى يبغض مني هذا وهو لم يُصدِر الخطاب لا لشيء سوى محذور الاستهجان أو غير ذلك فيكون هذا العلم منجزاً وبالتالي يصير المكلف في مقامنا - أي إذا فرض أن أحد الطرفين ليس بمقدور - عالماً بثبوت المبغوضية أما في هذا الطرف أو ذاك فيثبت التنجيز في حقه.
 إذن إذا لم يمكن أن نحصل على العلم بالتكليف فيمكن أن نحصل العلم بالمبغوضية - أعني بالملاك - فيثبت التنجيز من هذا الطريق ، وهذا طريق جيد آخر لإثبات التنجيز فيما إذا رفضنا البيان والطريق الاول.
 ان قلت:- إنا لو سلمنا كلا الوجهين يعني سلمنا أن التكليف يمكن توجيهه حتى بلحاظ الطرف غير المقدور أو سلمنا أن العلم بالمبغوضية يكفي ولكن رغم هذا يوجد مفرٌّ نتخلص به من التنجيز ويكون هذا العلم بالتكليف أو هذا العلم بالمبغوضية ليس منجزاً رغم ثبوته وذلك لوجود أصل مؤمِّنٍ يجري في الطرف المقدور من دون أن يُعارَض بالأصل في الطرف غير المقدور وشرط تنجيز العلم الإجمالي هو عدم وجود مؤمِّن في خصوص أحد الطرفين ، وهنا كذلك بالنسبة إلى الطرف المقدور من قبيل أصل الطهارة إذا كنّا نشك في الطهارة والنجاسة أو غير ذلك من الأصول ، وأما الطرف غير المقدور فلا معنى لأن يعبدنا الشرع بجريان الأصل فيه إذ التعبد بالرخصة فيه بعد فرض أن المكلف مقيَّد وممنوع تكويناً من الفعل شيء لا محصل له إذ الترخيص يكون ترخيصاً في الفعل - أي في شرب الإناء مثلاً - والمفروض أن شرب الإناء ممنوعٌ منه المكلف تكويناً لأن الإناء موجود في مكان لا يمكن الوصول إليه فما معنى هذا الترخيص - أي الترخيص في الفعل - بعد فرض كون المكلف مقيداً تكويناً وممنوعاً تكويناً من الفعل !! إذن يجري أصل الطهارة أو الحليّة أو أي أصل آخر في الطرف الآخر من دون معارضة.
 قلت:- نسلّم أن الرخصة في المورد المذكور لا محصّل لها ولكن ذلك ليس إلا من باب الاستهجان وعدم الحاجة واللغوية وعدم الفائدة والعبثية لا أنه شيء مستحيل في حد نفسه إذ لا محذور في الترخيص في فعلٍ لا يقدر عليه المكلف إذ المولى يريد أن يرخّص ولا يريد أن يوجب حتى يقال كيف يُوجب المولى الفعل والمكلف غير قادر عليه ؟!! بل يريد أن يُرخِّص ، فأقصى ما في البين هو أن المحذور اللازم هو محذور اللغوية والاستهجان والعبثية وهذا يتم فيما إذا كان خطاب الأصل العملي خطاباً شخصياً - أي كان ناظراً إلى هذا المورد بالخصوص - لا ما إذا كان خطاباً عاماً بنحو الإطلاق والشمول من دون تخصيص بهذا المورد فانه لا يلزم آنذاك محذور العبثية إذ لم يُصدِر المولى ترخيصاً خاصّاً بلحاظ هذا المورد حتى يلزم العبث ، والمفروض أيضاً أنا نبني على أن الإطلاق هو عبارة عن رفض القيود - أي عدم النظر إلى القيود والحالات الخاصة - لا أنه عبارة عن الجمع بين القيود - أي النظر إلى الحالات الخاصة - فانه بناءاً على هذا لا يلزم محذور الاستهجان.
 ان قلت:- انه بناءاً على مسلك التزاحم الحفظي في باب الأصل العملي يلزم المحذور آنذاك ، فلو فسَّرنا الأصل العملي بأنه خطابُ حكمٍ ظاهريٍ هو وليد التزاحم الحفظي بين ملاكين كما بنى على ذلك السيد الشهيد(قده) وكما يقتضيه الواقع والحالة العقلائية ، فالمولى شرَّع جملةً من الأمور المحرَّمة وفي نفس الوقت شرَّع جملة من الأمور المباحة فإذا فرض أن المكلف قد عرف أن هذا من الأمور المحرَّمة فلا مشكلة آنذاك في لزوم تركه ، وإذا عرف أنه من الأمور المباحة فلا مشكلة أيضاً إذ يجوز ارتكابه من دون محذور ، ولكن ماذا يصنع فيما لو فرض أنه شك في شيء ولا يدري هل هو من جملة المباحات أو من جملة المحرمات ؟ انه توجد طريقة قد تكون صعبة وليست طبيعية وذلك بأن يُنزِّل الله عز وجل ملكاً على كل مكلفٍ حين الشك يبين له أن هذا من الأشياء المباحة أو أنه طاهر أو أنه نجس ...... وهذه طريقةٌ ، أو عن طريق الوحي والإلهام ، ولكن المفروض أن الله عز وجل لا يريد أن يسلك هذا الطريق ، أو نفترض أن المولى مولىً عقلائي ولا يوجد عنده مثل هذا الطريق فماذا يصنع ؟ كما لو قال الأب لأولاده استمعوا إلى الأناشيد ولا تستمعوا إلى الغناء وجاء أحد الأولاد وقال لأبيه إذا شككت في أن هذا نشيد أو أغنية فماذا أصنع ؟ انه في هذه الحالة يقارن المولى بين ملاكات أحكامه اللزومية وبين ملاكات أحكامه الترخيصية ويجعل الحكم الظاهري على طبق الملاك الأقوى ، فلو فرضنا أن الملاك الأقوى هو الحرمة فيصدر حكماً عاماً ويقول ( عند الشك يلزمكم الترك ) وأما إذا الملاك الأهم هو الترخيص فيقول ( يجوز لكم الاستماع حالة الشك ) فالأصل هو وليد التزاحم الحفظي بين الملاكات ، وفي مقامنا حيث أن ملاك الحكم اللزومي - أي ملاك حرمة شرب النجاسة - هو مضمون بنفس عدم قدرة المكلف على ارتكاب الإناء إذ شربه غير ممكن فملاك الحرمة مؤمَّن بشكلٍ قهريٍ فلا تزاحم إذن بين الملاكات وآنذاك لا معنى لجعل أصل الإباحة في هذا الطرف غير المقدور إذ لا تزاحم حفظي بلحاظه لأن ملاك الحرمة مضمون عدم الارتكاب بنفس عدم القدرة على ارتكاب الإناء فلا معنى لجعل أصل الطهارة أو الحلّيّة في الطرف غير المقدور فيبقى الأصل جارياً في ذلك الإناء بلا معارض.
 قلت:- ان هذا شيء وجيه لو فرض أن المولى يعالج كل شبهةٍ شبهة بخصوصها فينظر إلى هذه بخصوصها ويلحظ التزاحم الحفظي وَيشرِّع الأصل ، ويلحظ تلك بخصوصها ........ وهكذا ، فلو كانت له ملاحظات متعددة بعدد أفراد الشبهات فما ذُكِر شيءٌ وجيهٌ إذ لا يوجد تزاحم حفظي في هذه الشبهة ، ولكن الأمر ليس كذلك فان المولى يلحظ الشبهات بشكل كلّيٍّ ويقول ( كلما دار الأمر بين التحريم والإباحة - أي بين الغرض اللزومي وبين الغرض الترخيصي - فانا أرجِّح الغرض الترخيصي - مثلاً - ) انه في مثل هذه الحالة لا يُشكل عليه بأنه إذا كان أحد الطرفين ليس مقدوراً فلا معنى لتشريع الترخيص فيه بعد فرض عدم التزاحم فيه ، ان هذا لا معنى له لأنه ينظر إلى الشبهة بشكلٍ عامٍ ويشِّرع الأصل العملي بشكلٍ عامٍ فلا محذور آنذاك.
 وبهذا قد اتضح أن المناسب هو تنجيز العلم الإجمالي إما العلم الإجمالي بالتكليف وهذا على البيان الاول ، أو العلم الإجمالي بالمبغوضية كما هو الحال على البيان الثاني.