33/02/06


تحمیل
 الموضوع / التنبيه الثالث / تنبيهات / العلم الإجمالي / أصالة الاشتغال / الأصول العملية.
 وفيه:- ان هذا تام لو كان التكليف مجعولاً بداعي التحريك الفعلي ، أما إذا اكتفينا بالداعي الشأني الذي يمكن أن نعبر عنه بـ( ما يمكن أن يكون داعياً ، ويصلح أن يكون كذلك ) فلا يتم ما ذكر آنذاك ، والصحيح هو الثاني دون الاول - يعني أنه مجعول بالداعي الشأني لا الداعي الفعلي - والوجه في ذلك أمران:-
 الأول:- انه لو كان مجعولاً بداعي التحريك الفعلي لزم أن لا يكون هناك عصيان وعقاب في حق العصاة والمردة إذ لا تكليف في حقهم فان التكليف لم يحرّكهم بالفعل والمفروض أن التكليف قد جُعِل بداعي التكليف الفعلي فكل مورد لا يكون فيه تحريك فعلي يلزم أن لا يكون فيه تكليف ، وبالتالي يلزم أن يكون التكليف ثابتاً في حق المطيعين فقط دون العصاة ، أي سوف يكون العاصي أحسن حالاً من المطيع وهذا مخالف للوجدان بلا إشكال.ومن هنا نستكشف أن التكليف لم يُجعَل بداعي التحريك الفعلي إنما جعل بداعي التحريك الشأني - أي من شأنه ويصلح ان يكون محركاً - والمؤمن يتحرك عنه والعاصي لا يتحرك عنه وهذا لا ينافي التكليف الشأني بل لازمه ذلك ، أي أن لازمه اختلاف الناس فبعضٌ يتحرك وبعضٌ لا يتحرك.
 الأمر الثاني:- التمسك بفكرة القصور في المقتضي ، بمعنى أن الدليل على اعتبار الداعي في التكليف ليس الا اللغوية إذ جعل التكليف من دون أن يكون بداعي التحريك لغوٌ وبلا فائدة أو هو خلاف ظاهر حال المولى المشرِّع فان ظاهر حالة هو أنه يريد أن يحرِّك المكلف وليس مجرد اعتبار فقط بل هو اعتبار بداعي التحريك ومعلوم أن رفع اللغوية لا يتوقف على التحريك الفعلي بل يكفي التحريك الشأني ، وهكذا ظاهر الحال لا يقتضي أكثر من التحريك الشأني.
 والخلاصة:- ان التكليف لم يجعل بداعي التحريك الفعلي وذلك لأجل هذين الوجهين ، والثاني منهما بمثابة القصور في المقتضي والأول بمثابة المانع . هذا بالنسبة إلى ان التكليف لم يجعل بداعي التحريك الفعلي.
 وأما أنه ثابت بنحو الداعي الشأني:- فلأن المقصود من الداعي الشأني هو أن في التكليف شأنية التحريك ولو على تقدير الابتلاء كما يقال ذلك بالنسبة إلى الجاهل فان الجاهل بالتكليف يقال انه يوجد في حقه تكليف واقعي ، وإذا أشكل بأن الجاهل لا يمكن أن يتحرك لفرض جهله أجيب بأن التحريك الشأني ممكن في حقه والتكليف مجعول بداعي التحريك الشأني أي يكون محركاً ولو على تقدير الالتفات والعلم ، فانه كما قيل في مسألة الجهل انه يمكن للتكليف أن يكون محركاً ولو على تقدير العلم وهذا يكفي في تحقق الداعي الشأني كذلك نقول في المقام فان الداعي الشأني يتحقق بكون التكليف قابلاً للتحريك ولو على تقدير فرض الابتلاء.
 المانع الثالث:- محذور تحصيل الحاصل وذلك بأن يقال:- ان الترك حاصلٌ فطلبه - أي طلب الترك - يكون طلباً لتحصيل ما هو حاصل فيكون مستحيلاً.
 وفرق هذا عن سابقه هو أنه لم تسلط الأضواء على فكرة طلب تحصيل الحاصل في السابق وإنما سُلِّط الضوء على مسالة الداعي وأن التكليف مجعول بداعي التحريك ومع فرض كون الشيء خارجاً عن محل الابتلاء فالترك يكون ثابتاً بقطع النظر عن التكليف وبالتالي لا يكون التكليف داعياً إلى الترك بعد فرض أن الشيء ينترك ولو في المستقبل بشكلٍ قهريٍ فلا يكون التكليف داعياً إلى التحرك ، أما هنا فلا يُنظَر إلى مسالة الداعي بل يقال ان الترك حاصلٌ فطلبه يكون تحصيلاً للحاصل وهو مستحيل.
 وفيه:- ان المطلوب بالنهي هو الترك المستقبلي - كما قلنا سابقاً - والترك المستقبلي ليس حاصلاَ الآن فطلب الترك لا يكون طلباً لتحصيل ما هو حاصل.
 المانع الرابع:- ان الشيء إذا كان خارجاً عن محل الابتلاء كيف تنشغل به الذمة ؟ ان ذلك يتنافى مع كونه خارجاً عن محل الابتلاء ؟
 وفيه ما أشرنا إليه سابقاً:- من أن المطلوب ليس هو الفعل حتى يقال انه ليس بمقدورٍ أو خارجٍ عن محل الابتلاء وإنما المطلوب هو الترك والترك مقدورٌ حتى مع فرض خروج الشيء عن محل الابتلاء . نعم غاية ما يلزم هو محذور الاستهجان أو طلب تحصيل الحاصل وهذا عودة إلى المحاذير السابقة وليس محذوراً جديداً ، وعليه فلا مانع من توجه التكليف بالترك على مستوى القضية العامة لا الشخصية في موارد عدم الابتلاء.
 ولو تنزلنا فيكفينا إثبات التنجُّز من خلال طريق آخر قد تقدمت الإشارة إليه سابقاً وهو التنجُّز من خلال الملاك ، فان المبغوضية معلومة لدى المكلف حتى مع فرض كون الطرف خارجاً عن محل الابتلاء ، فالزنا مثلاً كما هو مبغوضٌ بالفعل من طريق المرأة التي هي محل الابتلاء كذلك هو مبغوض بالفعل ببنت السلطان التي هي خارجة عن محل الابتلاء ، فالمبغوضية ثابتةٌ ، وإذا كان هناك تأمُّلٌ فهو في التكليف والخطاب ، ومع العلم بالمبغوضية يثبت التنجز من خلال ذلك.إذن المنجِّز في موارد عدم الابتلاء بلحاظ أحد الطرفين هو إما العلم بالتكليف ، وإذا شككنا في ذلك كفانا العلم بالملاك.
 ان قلت:- قد نبني على أن العلم بالمبغوضية وحده لا يكفي للتنجُّز إذ لماذا لم يُصدِر المولى خطاباً ويشرِّع تكليفاً ومن حق العقل أن يقول ( ما دام المولى لم يُشرِّع تكليفاً فالملاك وحده لا يكفي للتنجُّز في حق العبد ).
 قلت:- هذا وجيه إذا كان بإمكان المولى أن يكلف ولم يكلف فسوف يقال له آنذاك ان العلم بالمبغوضية لا يكفي للتنجُّز إذ لماذا لم تُصدِر خطاباً وتكليفاً ؟ أما إذا فرض أن المولى قد سُدَّ فوه ولم يتمكن من أن يتكلم فالعلم بالملاك يكفي وحده للتنجُّز ، ومقامنا من هذا القبيل إذ قد فرضنا وجود مانعٍ للمولى من إصدار التكليف وهو محذور اللغوية أو الاستهجان وهذا بمثابة سدِّ فم المولى ، فهو لم يُكلّف لوجود المانع لا أنه يمكنه أن يُصدِر التكليف ولم يُكلّف حتى يُشَكَّك في كفاية العلم بالمبغوضية للتنجُّز.