33/03/27


تحمیل
 الموضوع / التنبيه الخامس ( حكم ملاقي أحد أطراف الشبهة المحصورة ) / تنبيهات / العلم الإجمالي / أصالة الاشتغال / الأصول العملية.
 وثانياً:- لو سلمنا بفكرة ( أن المنجَّز لا يمكن أن يتنجَّز ثانيةً ) فبإمكاننا أن نجيب ونقول ان المورد ليس من ذلك ببيان:- ان العلم الإجمالي الأوّل وان نجّز الإناء الثاني أي صاحب الملاقى ولكنه لا ينجزه إلى الأبد بل ينجزه في هذه اللحظة - أي في اللحظة الأولى - من حصول العلم الإجمالي فيكون العلم الإجمالي منجّزاً بمقدار تلك اللحظة لا أكثر ، ثم في اللحظة الثانية ينجّز بمقدارها وفي اللحظة الثالثة ينجز بمقدارها ...... وهكذا ، فهو ينجّز في كل لحظة بمقدارها لا أكثر ، ومعه نقول:- إذا وصلنا إلى اللحظة التي حصل فيها العلم الثاني فسوف يتلقى الإناء الثاني التنجيز من كلا العلمين في لحظة واحدة لا أنه كان منجّزاً بسبب العلم الأوّل إلى الأبد حتى إذا أراد العلم الثاني أن ينجّزه صار من مصاديق تنجيز ما تنجز ويقال أنه مستحيل !! بل التنجيز يثبت في تلك اللحظة لا أكثر ، ففي لحظة اجتماع العلمين لا يوجد تنجيز سابق بسبب العلم الأوّل حتى يستحيل أن يصير العلم الثاني منجّزاً بل ان التنجيز يحصل من كلا العلمين في لحظة الاجتماع وإسناده إلى الأوّل ليس بأرجح من إسناده إلى الثاني وإسناده إلى الثاني ليس بأرجح من إسناده إلى الأوّل فيتلقى التنجيز من كليهما وبذلك يحصل التأكّد إذ لو رفضت فكرة التأكد للزم إما أن ننكر التنجُّز من الأساس فلا يتنجز من ناحية العلم الأوّل كما لا يتنجز من ناحية العلم الثاني وهو باطل جزماً ، أو أنه يُسند إلى أحدهما دون الآخر وهو ترجيح بلا مرجح ، فيتعين إسناده إلى كليهما بنحو التأكّد.
 وبالجملة:- ما أفاده مبني على أن العلم الإجمالي حينما يحصل فانه ينجِّز إلى الأبد ، أما بعدما التفتنا إلى أنه ينجِّز بمقدار اللحظة التي هو فيها فلا يكون المقام من موارد تنجيز ما تنجز.
 وقد يدافع الشيخ العراقي عن نفسه ويقول:- هذا وجيه وتام إذا فرض أن الأسبقية كانت زمانية حيث يقال ان الأسبق زماناً يؤثر في اللحظة التي هو فيها وليس إلى الأبد فلا يلزم إشكال تنجيز ما تنجَّز ، ولكني أقصد من الأسبقية هي الأسبقية الرتبيَّة دون الزمانيَّة ، بمعنى أن العلم الثاني هو معلول للعلم الأوّل وحصل بسببه فيكون العلم الثاني متأخراً من حيث الرتبة عن العلم الأوّل حتى في حالة تقارنهما الزماني فانه سوف يبقى العلم الأوّل أسبق من العلم الثاني من حيث الرتبة ، فإذا قبلنا بهذا فحينئذ نقول:- ان الإناء الثاني يتلقى التنجُّز من الأسبق رتبةً وهو العلم الأّوّل ولا يمكن أن يتلقّاه من العلم الثاني أيضاً وإلا لزم محذور تنجيز ما تنجَّز فان الفرض أن الإناء الثاني قد تنجَّز بالأسبق رتبةً فلا يمكن أن يتنجّز بالمتأخر رتبةً.
 ولكن نقول له:- ان من حق الإخباري إذن أن يتحامل على الأصوليين ويقول أنتم قد أدخلتم بصناعتكم أشياء غريبة وجديدة في مجال علم الأصول وبالتالي في مجال الشرع ، باعتبار أن مسألة التنجّز - كما قلنا - هي مسألة عقلائية والعقلاء ان قبلوا حصول التنجُّز بالأسبق فالمدار عندهم على الأسبق زماناً لا على الأسبق رتبةً فان الأسبقية من حيث الرتبة لا مدخلية لها في نظرهم وإنما هي قضية دقّيَّة فلسفية تختص بمجال الفلسفة ، وهكذا لو قلنا ان التنجيز حكم عقلي لا عقلائي فان ربط التنجيز بالأسبق رتبة ربط في غير محلّه وذلك كلام يليق أن يذكر في الفلسفة لا في علم الأصول.
 إذن المناسب هو ما ذكرناه وخلاصته:- ان كان المقصود من الأسبقية هي الأسبقية الزمانية فلا نسلّم وجود أسبقية زمانية للتنجيز في حق العلم الأوّل بالبيان الذي أوضحناه ، وان كان المقصود هو الأسبقية من حيث الرتبة فالعقل والعقلاء لا يرون دوراً فعالاً في إسناد التنجيز إلا الأسبق من حيث الرتبة.
 التوجيه الثالث:- وهو للسيد الخوئي(قده) [1] وحاصله:- انه حينما حصل العلم الأوّل تساقط أصلا الطهارة في الطرفين ، أي سقط الأصل في الإناء الثاني بسبب هذه المعارضة وبعد أن سقط بالمعارضة نضم قاعدة ثانية وهي ( أن الساقط لا يعود ) وحينئذ حينما يتشكل العلم الثاني بين الشيء الثالث والإناء الثاني فلا يتعارض الأصلان في الطرفين إذ الأصل في الإناء الثاني قد سقط في المعارضة الأولى والساقط لا يعود فيبقى الأصل الثالث حينئذ بلا معارض.
 وما الفرق بين هذا وبين ما أفاده الشيخ الأعظم في التوجيه الأوّل:- فان الشيخ الأعظم ذكر ذلك أيضاً وقال انه يدخل الأصل الأول والثاني من دون أن يدخل الأصل الثالث في المعارضة ولكنه لم يعبّر بتعبير ( الساقط لا يعود ) ولكن روحاً هما واحد ، قد يقال هكذا.
 ولكن الفارق هو:- ان الشيخ الأعظم نظر إلى مسألة وحدة الرتبة وقال ان رتبة الأصلين الأوَّلين واحدة فلا يدخل معهما الأصل الثالث لأن رتبته متأخرة فحتى لو كان زمان حصول العلمين واحداً وفي لحظة واحدة مع ذلك لا يدخل في المعارضة إلا الأصلان الأوَّلان لوحدة رتبتهما ، بينما السيد الخوئي لم يأخذ مسالة وحدة الرتبة بعين الاعتبار وإنما قال:- حيث أن العلم الأوّل قد حصل أمس مثلاً فيتساقط الأصلان الأوَّلان من دون أن يدخل معهما الأصل الثالث لفرض أن زمانه لم يأتِ ولم يتحقق العلم الثاني بَعدُ ، فبلحاظ أمس لا يوجد إلا الإناء الأوّل والثاني فيتساقط الأصلان فيهما وبعد أن تساقطا وجاء هذا اليوم وحصل الإناء الثاني فنقول للإناء الثاني ان أصلك قد سقط أمس وبالتالي يبقى الأصل في الثالث بلا معارض.
 إذن السيد الخوئي(قده) ناظر إلى حالة اختلاف الزمانين ، أما إذا اتحد الزمانان أي حصل العلمان في لحظة واحدة - لو تصورنا ذلك فتوجيه الشيخ الأنصاري(قده) يأتي هنا ويقول انه رغم وحدة الزمانين لا يدخل في المعارضة إلا الأصول ذوات الرتبة الواحدة ، بينما السيد الخوئي(قده) يقول يدخل الجميع في المعارضة إذ لا توجد قاعدة ( الساقط لا يعود ) هنا إذ هو لم يسقط أمس وإنما حصل الآن مع العلم الثاني فلا مجال لتطبيق القاعدة المذكورة.


[1] مصباح الأصول 2- 415.