33/04/03


تحمیل
 الموضوع / التنبيه الخامس ( حكم ملاقي أحد أطراف الشبهة المحصورة ) / تنبيهات / العلم الإجمالي / أصالة الاشتغال / الأصول العملية.
 وأما على رأي الشيخ النائيني(قده) فالمناسب هو ذلك أيضاً - أي طهارة الملاقي - كما ذهب إليه الشيخ الأعظم(قده) وذلك باعتبار أن التنجُّز يُتلقّى من الأسبق رتبةً والأسبق رتبة هو العلم الإجمالي بين الطرف الأوّل والثاني فيكون هو المنجّز وبالتالي تتساقط الأصول في أطرافه ، وأما العلم الإجمالي الآخر فلا يؤثر شيئاً في التنجيز ومعه يجري أصل الطهارة في الملاقي بلا مانع.
 الصورة الثانية:- أن تكون الملاقاة متقدمة على العلم الإجمالي الأوّل كما كنا نفترض ذلك في الصورة السابقة ولكن نفترض هنا أن الملاقاة قد تقدمت بيد أن المكلف لا يعلم بها وإنما علم بها بعد أن حصل العلم الإجمالي الأوَّل فهناك ملاقاة في اليوم الأوّل والمكلف لا يعلم بها ثم حصل له علم إجمالي في اليوم الثاني بنجاسة إما الأوَّل أو الثاني ثم في اليوم الثالث علم بوجود ملاقاة سابقة فهنا ما هو الحكم ؟ وهذا بخلافة في الصورة السابقة فانا كنّا نفترض أن الملاقاة متقدمة على العلم الإجمالي والمكلف يعلم بتحققها قبلاً فالملاقاة والعلم بها متقدمان معاً على العلم الإجمالي الأوَّل ، وأما هنا فالملاقاة هي المتقدمة دون العلم بها.
 والمناسب أن يكون حكم هذه الصورة حكم الصورة السابقة - أي ذكرت التي في صميم البحث - فان تلك الصورة هي أن نفترض أنه حصل العلم الإجمالي الأوَّل ثم بعد ذلك حصلت الملاقاة ، وحكم صورتنا هذه حكم تلك الصورة ، والوجه في وحدة حكم الصورتين هو أن تقدُّم الملاقاة وحدها من دون تقدُّم العلم لا يؤثر شيئاً فان المؤثر هو العلم دون ذات المعلوم بلا علم ، وحيث أن العلم بالملاقاة قد حصل بعد العلم الإجمالي الأوَّل فيلزم أن يكون الحكم واحداً ، أي على رأي الشيخ الأعظم والنائيني بل والخراساني يلزم ترك الإناءين الأوَّلين فقط لتعارض أصليهما إما لأن رتبتهما واحدة أو لأن المنجّز هو العلم الأوَّل وبالتالي يعود الرجوع إلى أصل الطهارة في الشيء الثالث بلا معارض.
 والخلاصة من كل هذا:- إن صور الملاقاة ثلاث وحكم الجميع واحد على رأي الشيخ الأنصاري والشيخ النائيني ، نعم خالف الشيخ الخراساني في الصورة الثانية وقال يجب الاجتناب عن الجميع.
 وأما على ما اخترناه فحكم الجميع واحد أيضاً لأننا لا ننظر إلى مسألة وحدة الرتبة أو غيرها وإنما نقول:- بعد أن اجتمع الثلاثة أمامي وجئت بقاعدة ( كل شي لك نظيف حتى تعلم انه قذر ) - أي موثقة عمار الساباطي - فلا يمكن أن أطبقها على الجميع لعلمي بكذب تطبيقها على بعض الأطراف وتطبيقها على بعض بلا مرجح فلا يمكن تطبيقها وبالتالي يجب الاجتناب عن الجميع.
 ولكن نستدرك ونلفت النظر إلى قضية نشير إليها تحت عنوان:-
 عدم الحكم بالطهارة دون النجاسة:-
 وتلك القضية هي أنا لا نقول بأن الملاقي نجس بحيث نرتّب عليه آثار النجاسة ، كلا فان النجاسة لم تثبت لاحتمال أن الملاقى ليس نجساً بل النجس هو طرفه وإنما آثار الطهارة لا تترتب لفرض أن أصل الطهارة لا يمكن تطبيقه فموثقة عمار الساباطي مثلاً تقول ( أنا لا يمكن تطبيقي على هذه الأطراف الثلاثة ) وبالتالي لا يمكن الحكم بطهارة الملاقي - الذي هو الشيء الثالث - ، إن أقصى ما يثبت هو هذا المقدار ، وأما النجاسة وآثارها فلا يثبتان إذ لا مثبت للنجاسة.
 ومن هنا نخرج بهذه النتيجة:- إذا كان الأثر مترتباً على ثبوت الطهارة فلا يثبت ذلك الأثر - كجواز شرب الماء أو جواز الوضوء أو جواز الغسل أو جواز التطهير مثلاً - لأن هذه الآثار إذا كانت ثابتة لعنوان الطاهر فلا يمكن الحكم بجواز الشرب ولا بجواز الوضوء .... ولا بغيرهما لأن موضوع هذه الأمور هو الطاهر حسب الفرض ولا مثبت للطهارة.
 إذن المثبت هو أصل الطهارة وقد قلنا أنه لا يمكن تطبيق موثقة عمار - التي هي مدرك أصل الطهارة - ، وأما إذا كانت هذه الآثار قد ثبتت لعنوان النجس ، يعني قد أخذت النجاسة مانعة من ثبوت هذه الآثار ، يعني أن النجس لا يجوز شربه لا أن الطاهر هو الذي يجوز شربه ، كلا بل النجس هو الذي لا يجوز شربه وهو الذي لا يجوز تطهير الملابس به ، انه إذا كان المدار على ذلك فحيث أن النجاسة ليست ثابتة فيكون الشرب آنذاك جائزاً.
 إذن ينبغي التفصيل بين الآثار التي موضوعها هو الطهارة فلا تثبت والآثار التي أخذت النجاسة فيها مانعة فلا محذور من ترتيب تلك الآثار.
 يبقى كيف نفهم أو نثبت أن الآثار المتقدمة أو غيرها هي ثابتة لعنوان الطاهر أو أن النجاسة هي المانعة ؟ إن هذه قضية تحتاج إلى مراجعة للأدلة واستظهار الفقيه من بعضها ، فرب فقيه يستظهر بعض الآثار من أدلتها بأن موضوعها هو الطاهر بينما يستظهر بعض الآثار الأخرى بأن النجاسة مانعة.
 والخلاصة:- نحن بما اخترناه لا نريد أن نحكم بالنجاسة وآثارها بل نقول إن الطهارة لا يمكن إثباتها لتعذُّر تطبيق أصل الطهارة.
 صورة لوجوب الاجتناب عن الملاقي بالاتفاق:-
 ذكرنا فيما سبق أن الملاقي للشيء الأوَّل قد وقع كلام في أنه هل يجب الاجتناب عنه أو لا ؟ وقد اختار الشيخ الأعظم والنائيني عدم وجوب الاجتناب عن الملاقي في جميع الصور الثلاث المتقدمة ، ولكن هناك صورة واحدة اتفق الجميع على وجوب الاجتناب عن الملاقي فيها وهي ما إذا فرض أن الشيء الثالث لاقى الأوَّل وافترضنا وجود شيءٍ رابعٍ لاقى الثاني ، فالأوَّل يوجد له ملاقي - وهو الثالث - والثاني يوجد له ملاقي - وهو الرابع - فهنا يجب الاجتناب عن هذا الملاقي وذاك الملاقي أيضاً ، والسبب هو أن العلم الإجمالي الثاني الذي يتشكل هكذا ( نعلم بنجاسة إما الثالث أو الرابع ) فأن هذا علم جديد يتشكل أيضاً مضافاً إلى العلم السابق وما دام هذا موجوداً فاصل الطهارة في هذا الثالث يعارَض بأصل الطهارة في الرابع لفرض وحدة رتبتهما فحتى على رأي الشيخ الأعظم الذي يرى اختصاص المعارضة بالأصول ذوات الرتبة الواحدة تتحقق المعارضة بين هذين فان رتبتهما واحدة كما هو واضح ، والأمر كذلك على رأي الشيخ النائيني إذ لا يوجد طرف مشترك بين العلمين حتى نقول إن التنجُّز يتلقاه من الأسبق رتبة فان هذا لا يأتي لفرض أن الطرفين في هذا العلم الجديد ليسا طرفين مشتركين ولا أن أحدهما مشتركاً بين هذا العلم وبين العلم السابق حتى يتلقّى التنجُّز من الأسبق رتبة فيتعارض الأصلان في طرفيه وبالتالي يجب الاجتناب عن الطرفين . إذن هذه الصورة يجب الاجتناب فيها عن الملاقي بالاتفاق بلا إشكال.