33/04/11


تحمیل
 الموضوع / التنبيه السادس ( الانحلال الحقيقي والحكمي )/ تنبيهات / العلم الإجمالي / أصالة الاشتغال / الأصول العملية.
 الانحلال التعبدي:-
 ذكرنا سابقاً أن الانحلال قد يكون حقيقياً وقد يكون حكمياً وأوضحنا الفارق بينهما ، والآن نريد أن نذكر انحلالاً ثالثاً وهو ( الانحلال التعبدي ) ، فمصطلح الانحلال التعبدي يغاير مصطلح الانحلال الحكمي ، وماذا يراد منه ؟ يراد منه أنه لو كان لدينا علم إجمالي بنجاسة أحد إناءين ثم جاء خبر الثقة وقال إن النجس هو الإناء الأول مثلاً ففي مثل هذه الحالة قد يقال إن دليل حجية الأمارة يعبدنا بانحلال العلم الإجمالي وكأنه يقول ( حينما تقوم الأمارة فكأنه حصل لك علم وجداني بمدلولها ) ومن الواضح أنه لو حصل علم إجمالي بكون النجس هو الإناء الأول فيحصل انحلال حقيقي وليس حكمياً فيزول العلم الإجمالي من النفس حقيقةً لا أنه موجود ولكن لا تتعارض الأصول ولا يكون منجزاً لجريان الأصل في طرف بلا معارض ، كلا بل العلم الإجمالي زال من الأساس غايته إذا قامت الأمارة فانه يزول زوالاً تعبدياً لا زوالاً حقيقياً ، إذن انحل العلم الإجمالي وكأنه لم يكن غايته بتعبدٍ من الشرع لا أنه زال زوالاً حقيقياً فان الزوال الحقيقي فرع العلم الوجداني ، هكذا قد يدعى.
 وإذا سألتني:- هل تترتب ثمرة على كون الانحلال تعبدياً أو أنه انحلال حكمي ؟
 والجواب:- كلا لا تترتب ثمرة عملية على ذلك ، بيد أن ذلك قضية علمية ظريفة فيدعى الانحلال من خلال التعبّد بالبيان المذكور ، هكذا قد يقال.
 وفيه:- إن هذا يتم بشرطين:-
 الأول:- أن يبنى على مسلك جعل العلمية في باب الأمارات - كما ذهب إليه الشيخ النائيني(قده) ويلوح ذلك أيضاً من كلمات الشيخ الأعظم(قده) في الرسائل - فبناء عليه قد يتم هذا المطلب فيقال إن الشارع - حينما قامت الأمارة على أن النجس هو الإناء الأول - قد جعلني عالماً بنجاسته كالعالم تكويناً ، ولازم ذلك قهراً هو الانحلال التعبدي - أي يعبدني بالانحلال - فلازم التعبّد بالعلمية في باب الأمارات هو التعبّد بالانحلال إذ أن بينهما ملازمة قهرية ، وهذا جيد على مسلك جعل العلمية ، أما من لا يبني على ذلك فلا يتم ما ذكر على رأيه . والقضية مبنائية من هذه الناحية ولا نريد أن نسجل هذا كإشكالٍ وإنما هو بيان لواقع.
 والثاني:- أن يبنى على أن الآثار التكوينية تثبت من خلال جعل العلمية ، بمعنى أنه هناك آثار اعتبارية وشرعية للعلم من قبيل جواز الشهادة فانه جُعل أثراً شرعياً للعلم ، وهناك أثر تكويني من قبيل الانحلال فانه أثر تكويني للعلم التكويني ، فمن علم إجمالاً بنجاسة أحد الإناءين ثم علم تفصيلاً بأن النجس هو الأوَّل فقد انحل علمه الإجمالي ، وهذا الانحلال ليس بجعل جاعلٍ واعتبار معتبرٍ وإنما هو أمرٌ قهريٌ تكويني.
 فإذا اتضح هذا نقول:- إن غاية ما يترتب على جعل العلمية للأمارة هو ثبوت الآثار الشرعية والتعبّد بها ، وأما الآثار التكوينية فهي ليست بيد الشارع بما هو شارع وإنما هي بيده بما هو خالق ومكوِّن والمفروض أنه حينما جعل الأمارة علماً جعلها كذلك بما هو شارع فلا تثبت إلا الآثار الشرعية الاعتبارية دون الآثار التكوينية ، ولذلك لو اعتبرنا شخصاً أسداً مثلاً فلا يترتب على ذلك بخر الفم فان بخر الفم أثر تكويني لا يمكن جعله بالاعتبار ، وهذه قضية ينبغي أن تكون واضحة . وعليه فلا يمكن أن نثبت الانحلال التعبّدي حتى لو كنا بانين على مسلك جعل العلمية لما أشرنا إليه من النكتة.
 ومن خلال هذا اتضح أن تقسيم الانحلال إلى ثلاثة أقسام ليس وجيهاً بل المناسب تقسيمه إلى قسمين هما الانحلال الحقيقي والحكمي دون التعبدي.
 
  مصاديق أخرى للانحلال الحقيقي:-
 ذكرنا فيما سبق أن الانحلال الحقيقي له مصاديق واضحة وله مصاديق قد وقعت محلاً للاختلاف ، ويمكن أن نذكر في هذا المجال ثلاثة:-
 المصداق الأول:- وهو المتفق عليه بين الجميع وهو ما أشرنا إليه سابقاً ، وهو أن نعلم إجمالاً بنجاسة أحد الإناءين ثم حصل علم تفصيلي بكون تلك النجاسة ثابتة في الإناء الأوَّل فانه يحصل انحلال حقيقي قهري.
 المصداق الثاني:- وهو أيضاً يمكن إلحاقه بالمتفق عليه ولكن من حيث عدم الانحلال ، فالأوّل متفق على الانحلال فيه وهذا متفق عليه من حيث عدم الانحلال ، وذلك كما لو فرض أن علمنا الإجمالي كان معلّماً بعلامة خاصة بأن كنت أعلم بنجاسة أحد إناءين بسبب ملاقاة قطرة الدم لأحدهما ، فالمعلوم بالإجمال هو نجاسة دمّيَّة - أي بسبب قطرة الدم - ثم بعد ذلك علمت تفصيلاً بنجاسة الإناء الأوّل ولكن علمت تفصيلاً بأصل النجاسة أما أنها دمّيّة فلا بل لعلها نجاسة بسبب الدم ولعلها بسبب قطرة البول أو بسبب آخر ، فانا علمت بأصل النجاسة دون النجاسة المعلّمة بكونها بسبب الدم بينما المعلوم بالإجمال هو النجاسة الدمّيّة ، فهنا لا إشكال في حصول الانحلال الحكمي إذ الأصل لا يجري في هذا الإناء للعلم بكونه نجساً فيجري في ذلك الإناء بلا معارض ، إن هذا شيء واضح وليس هو محل الكلام وكلامنا هو في أنه هل يمكن أن ندعي الانحلال الحقيقي بحيث أن العلم الإجمالي زال من الأساس في مقابل دعوى أنه موجود غايته قد انحل حكماً ؟
 المناسب أن يقال بالعدم ، فان الانحلال الحقيقي يتحقق لو جزم بانطباق المعلوم بالإجمال على المعلوم بالتفصيل ، وفي مقامنا لا يُجزَم بذلك فان المعلوم بالإجمال هو النجاسة بسبب الدم وهذا لا نجزم بانطباقه على الإناء الأوّل فانا نعلم بنجاسته جزماً أما أنه نجس بالدم فلا نجزم بذلك فلا يحصل الانحلال الحقيقي بل علمنا الإجمالي باقٍ على حاله ، نعم يحصل انحلالٌ حكميٌ ولكن كلامنا في الانحلال الحقيقي.
 إن قلت:- لِمَ لا نكتفي بمجرد الاحتمال بأن يقال:- إن احتمال انطباق المعلوم بالإجمال - وهو النجاسة الدمّيَّة - على المعلوم بالتفصيل يكفي لزوال العلم الإجمالي ، فما دمنا نحتمل الانطباق فلا علم إجمالي في البين.
 قلت:- إن جوابه واضح فان الاحتمال موجود دائماً ، فكما يحتمل انطباق المعلوم بالإجمال على هذا المعلوم التفصيلي فأيضاً هذا الاحتمال موجود في الطرف الثاني ، فمن هذه الزاوية كلاهما متساويان ولا رجحان للمعلوم بالتفصيل على الطرف الثاني ، فمجرد احتمال الانطباق لا يكفي في الانحلال الحقيقي بل هو موقوف على الجزم بالانطباق وأنا لا أجزم بأن هذا الأوَّل هو الذي نجاسته نجاسة دمّيّة فالعلم الإجمالي باقٍ من حيث الحقيقة.
 وقد تسأل:- هل هناك سبب دعى الاصوليين إلى أن يتعرضوا لهذا النحو من الانحلال ؟
 والجواب:- نعم إن السبب هو باب الانسداد فانه قد ادعي في بعض صيغ انسداد باب العلم بأنا نعلم إجمالاً بوجود أحكام شرعية صادرة من الشارع ضمن أخبار الكتب الأربعة ، وبذلك يثبت أن أخبار الكتب الأربعة حجّة ويلزم الأخذ بها من باب العلم بمطابقة بعضها للشرع ، وهنا أجيب عن هذه الصيغة وقيل نحن عثرنا على مقدار المعلوم بالإجمال كوجوب الصلاة ووجوب الصوم ...... وما شاكلهما فانحل بذلك العلم الإجمالي بهذا العلم التفصيلي.
 فهنا يأتي الكلام ويقال:- إن ذلك المعلوم بالإجمال معلّم بعلامة وهي كون الأخبار في الكتب الأربعة ، فهناك أخبار وأحكام في الكتب الأربعة أي بقيد وبعلامة ( في الكتب الأربعة ) بينما الذي عثر عليه بالعلم التفصيلي هو مجموعة أحكام بقدر المعلوم بالإجمال ولكن ليس معلّما بهذه العلامة بنحو الجزم فيبقى العلم الإجمالي من حيث الحقيقة على حاله ولا ينحل انحلالاً حقيقياً ، نعم قد يدعى الانحلال الحكمي وهذه قضية أخرى.