33/04/25


تحمیل
 الموضوع / الدوران بين الأقل والأكثر / تنبيهات / العلم الإجمالي / أصالة الاشتغال / الأصول العملية.
 ان قلت:- ان البراءة الشرعية لا تجري باعتبار أنا حينما نشك في سقوط التكليف بالتسعة فقاعدة الاشتغال اليقيني لا تجري وقد سلمنا بذلك ، ولكن هناك استصحاب بقاء التكليف فان التكليف بالتسعة كان ثابتاً جزماً ونشك في سقوطه فيجري استصحاب بقاءه ، ومع وجود الاستصحاب لا تصل النوبة الى البراءة الشرعية . اذن البراءة الشرعية لا يمكن التمسك بها في المقام بعد وجود الاستصحاب المذكور لأنه مقدم عليها بالاتفاق.
 قلت:- هذا يمكن عدُّه دليلاً مستقلاً بنفسه لإثبات الاشتغال ووجوب الاحتياط وهو ما سنذكره بعنوان ( الدليل الرابع ) فانتظر.
 وثانياً:- لو سلمنا بالكبرى وأن الاشتغال اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني على الاطلاق وبالعرض العريض فيمكن أن نناقش من حيث الصغرى ، أي أن المورد ليس من موارد الشك في سقوط التكليف بل هو من موارد الجزم بسقوط التكليف - مثلاً - أو ببقائه - مثلاً - وذلك بناءً على مبنىً للشيخ العراقي(قده) في باب التكليف فان له مبنىً هناك وقد فرَّع عليه بعض الفروع حيث قال ( ان الامتثال ليس من مسقطات التكليف ) فاذا فرض أن المكلف قد امتثل وصلى صلاةً واجدةً لجميع الأجزاء والشرائط فالتكليف لا يسقط وانما تسقط فاعليته ومحركيته لا فعليته ، وبناءً على هذا نقول:- ان المكلف بعد أن أتى بالتسعة ففاعلية التكليف بالتسعة قد سقطت جزماً اذ قد أتى بمتعلقه ، وأما فعليته فهي باقية الى الأبد . اذن لا يوجد شك في السقوط اذ التكليف بمعنى الفاعلية قد سقط جزماً للإتيان بمتعلق التكليف بالتسعة ، والتكليف بمعنى الفعلية فهو لا يسقط بالامتثال فأين الشك ؟ اذن لا يوجد شك في سقوط التكليف حتى نطبّق قاعدة الاشتغال اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني . ولكن هذه المناقشة مبنية على هذا المبنى فمن يسلّم هذا المبنى تتم هذه المناقشة عنده.
 وقد تسأل:- كيف يقول الشيخ العراقي(قده) ان التكليف تسقط فاعليته بالامتثال لا فعليته ، فمن اين له هذا ؟ وما هي القاعدة العلمية لهذا المطلب ؟
 الجواب:- ان الركيزة العلمية لهذا المطلب هي أنه يفسر التكليف بالإرادة دون الجعل والاعتبار ، وقد ذكرنا في بعض الأبحاث أن من المناسب عقد بحثٍ في علم الاصول عن حقيقة التكليف وأنه ارادةٌ أو هو جعلٌ واعتبار ؟ فالشيخ النائيني(قده) بنى على أنه اعتبار غايته انه يمرّ بمرحلتين مرحلة الجعل ومرحلة الفعلية - أي مرحلة التشريع ومرحلة الفعلية - وأما الشيخ العراقي(قده) فقد ذكر أن حقيقة التكليف هي الارادة دون الاعتبار والجعل وانما ذلك مجرد مبرز ، وذكرنا أنه(قده) قد فرَّع على ذلك مطالب متعددة وأحدها هذا المطلب الذي أشرنا اليه فانه مادام التكليف عبارة عن الارادة فنقول:- من الواضح أن المراد لو تحقق فذلك لا يعني زوال الارادة بل هي باقية غايته تزول فاعليتها ومحركيتها ، فلو فرض أن انساناً كان جائعاً فتحدث له ارادة للأكل فاذا أكل وشبع - أي تحقق المراد - فهل تزول الارادة أو انها باقية غايته لا تكون محركة نحو اضافة لقمات اضافية ؟ انها باقية غايته ليست لها محركية اذ قد امتلأت معدته ، أما كيف هي باقية ؟ انها باقية بقرينة أنه بعد أن شبع يقول ( اتركوا هذا الطعام الى الليل - مثلاً - ) وهذا معناه أن الارادة موجودة والا فكيف قال ذلك.
 اذن ما دمنا قد فسرنا التكليف بالإرادة والمفروض أنها لا تزول بتحقق المراد وانما تزول فاعليتها دون وجودها الفعلي فاذا امتثل المكلف فالتكليف لا يزول ولا يسقط بمعنى الفعلية وانما يسقط بمعنى الفاعلية.
 والنتيجة النهائية:- هي أنه لا يوجد عندنا شك في بقاء التكليف اذ التكليف بمعنى الفاعلية قد سقط جزماً والتكليف بمعنى الفعلية هو باقٍ . ولكن كما قلت ان هذه المناقشة تتم على مبنى الشيخ العراقي(قده) ومن بنى على هذا المبنى وتكون وجيهة.
 الدليل الرابع:-
 التمسك بالاستصحاب ، وهو ما أشرنا اليه قبل قليل فيقال:- ان المكلف لو أتى بالتسعة فهو سوف يشك في سقوط التكليف المتعلق بها فنستصحب بقاء التكليف ، وانما نشك في بقاءه من ناحية احتمال أنه ضمني من دون أن نلتفت الى مسألة العلم الاجمالي - والا كان ذلك عبارة عن الدليل الاول - ولا الى مسألة الغرض - والا كان ذلك هو الدليل الثاني - ولا الى مسألة قاعدة الاشتغال اليقيني - والا كان ذلك عبارة عن الدليل الثالث - وانما نلتفت الى الاستصحاب بالبيان الذي أشرنا اليه.
 والجواب:- ان الاستصحاب المذكور لا ينفع شيئاً على تقديرٍ ولا يجري على تقديرٍ آخر.
 فان كان المقصود من خلال الاستصحاب المذكور هو اثبات أن الأمر بالتسعة موجود الآن من دون اضافة شيء آخر بل فقط وفقط نريد أن نثبت أن هناك في الآن الثاني أمراً بالتسعة لا أكثر ، فجوابه ان الأمر بالتسعة بوجوده الوجداني السابق لم يكن موجباً للاحتياط فكيف بوجوده التعبدي !!
 وان كان المقصود هو ضم ضميمة بأن تقول:- ما دام الأمر بالتسعة باقياً فوجوبه وجوب ضمني وبالتالي يلزم الاتيان بالعشرة ، فجوابه:- ان هذا لازم غير شرعي ولا يمكن اثباته من خلال الاستصحاب.
 اذن ان كان مقصودك هو الأول فهو لا ينفعك شيئاً ، وان كان هو الثاني فهو لا يجري في حدِّ نفسه لأنه أصل مثبت.