33/08/03


تحمیل
 الموضوع / قاعدة لا ضرر / العلم الإجمالي / أصالة الاشتغال / الأصول العملية.
 الوجه الرابع:- ان الراوي الذي حصلت منه الزيادة ينحصر منشؤها في حقه لو لم تكن تلك الزيادة مطابقة للواقع بالغفلة فهو قد زاد هذه الكلمة لا لشيء سوى الغفلة إذ لا يتصور منشأ آخر يكون هو السبب لتحقق الزيادة منه اللهم إلا أن يكون هو الكذب ولكن المفروض أنه ثقة لا يكذب ولا يفتري ، فإذا فرضنا أنه لا يكذب فينحصر إذن المنشأ في الزيادة بالغفلة ولا يوجد منشأ آخر.
 وأما الراوي الذي أنقص فالمنشأ للنقيصة ما هو ؟ يحتمل أن يكون هو الغفلة - أي انه غفل فانقص كلمة - ويحتمل وجود منشأ آخر وهو طلب الاختصار فان من أراد أن يختصر في النقل قد يحذف بعض الكلمات ، أو يفترض أن في نظره يوجد تساوٍ من حيث وجود هذه الكلمة وعدم وجودها فما دام وجودها وعدمها سيّان فلا ينقلها تلك ، وربما لا ينقلها لمنشأ ثالثٍ أو رابع والمهم أن منشأ النقيصة لا ينحصر بالغفلة لأن له أسباباً أخرى.
 واذا قبلنا بهذا فحينئذ نقول:- أما احتمال الزيادة فحيث أن منشأه الغفلة فينفى بأصالة عدم الغفلة فيثبت من خلال هذا الأصل أنه لا توجد زيادة ، أي ان هذه الكلمة قد وقعت في موقعها المناسب لا أنه غفل فذكرها غفلةً بل ذكرها عن قصدٍ ووعيٍ فيكون وجودها مناسباً وحقاً ومطابقا للواقع.
 وهذا بخلاف احتمال النقيصة فانه لا يوجد أصل يثبت أن المناسب هو النقيصة - أي عدم وجود هذه الكلمة حقا وواقعاً - لأن سبب النقيصة كما قلنا إما هو الغفلة أو شيء هو آخر والغفلة إن أمكن نفيها بأصالة عدم الغفلة فالأسباب الأخرى مثل طلب الاختصار كيف يمكن نفيها ؟! فانه لا يوجد أصل ننفي به المناشئ الأخرى للنقيصة.
 وعلى هذا الأساس سوف يثبت أن منشأ الزيادة - الذي هو الغفلة - يمكن نفيه بالأصل فتكون الزيادة واقعة في موقعها المناسب بينما النقيصة لا يوجد أصل ينفيها لأن المنشأ الآخر - غير الغفلة - لا يوجد أصل ينفيه فيثبت بذلك أن المناسب هو أن الراوي الآخر الذي أنقص هو الذي حصل منه الخلل بخلاف الناقل لتلك الكلمة فانه لم يحصل منه خلل إذ الخلل من ناحية الذي ذكر الزيادة ليس إلا الغفلة وهي يمكن نفيها بأصالة عدم الغفلة ، أما منشأ الحذف في الذي أنقص حيث لا يمكن نفيه حيث يحتمل أن المنشأ هو غير الغفلة كطلب الاختصار وهو لا يمكن نفيه وبالتالي يكون المناسب هو أن الخلل قد حصل من ناحية من أنقص لا من ناحية من ذكر تلك الكلمة.
 وخلاصة هذا الوجه:- إن الامر لا يدور بين غفلتين كما كنّا نفترض ذلك في الوجه السابق فانه في الوجه السابق كنّا نفترض وجود غفلتين فإما أن صاحب الزيادة غفل فزاد أو أن صاحب النقيصة غفل فأنقص وحيث أن الإنسان عادةً يغفل فينقص لا أنه يغفل فيزيد فالمناسب إذن هو الحكم بأصالة عدم الزيادة ، هذا ما ذكرناه في الوجه الثالث.
 أما في هذا الوجه فلا يدور الأمر بين غفلتين بل بين غفلة وعدمها ، يعني إما أن صاحب الزيادة غفل فأزاد - وهذا هو الطرف الأول - أو أن صاحب النقيصة أنقص لسبب آخر غير الغفلة - وهذا هو الطرف الثاني - وربما يكون هو الغفلة ، فالأمر إذن لا يدور بين غفلتين بل بين غفلة وعدمها ، وحيث أن الغفلة التي هي منشأ الزيادة يمكن نفيها بأصالة عدم الزيادة بخلاف منشأ النقيصة فانه لا يمكن نفيه بالأصل لأنه قد يكون غير الغفلة ، إذن يكون الأرجح ثبوت الزيادة لأصالة عدم الغفلة من ناحية ذكر الزيادة.
 ويظهر هذا الوجه من السيد الخميني(قده) فانه ذكره في مقام الردّ على الشيخ النائيني(قده) الذي ذكر أن احتمال النقيصة حيث أنه أقوى وذلك من ناحية وجود روايات أخرى لا توجد فيها زيادة ( في الإسلام ) أو ( على مؤمن ) مثل روايتي عقبة بن خالد فيصير احتمال النقيصة هو الأقوى لكونه مدعوماً بهذه الروايات الأخرى وبالتالي لا تجري أصالة عدم الزيادة باعتبار أن احتمال النقيصة هو الأقوى.
 والسيد الخميني(قده) في ردّه عليه قال:- إن ما ذكرته يتم فيما لو كان الأمر يدور بين غفلتين - يعني إما أن يكون الذي ذكر هذه الكلمة هو الذي غفل فأزاد أو أن الذي حذفها هو قد غفل فأنقص - فلو كان الأمر يدور كذلك فالحق معك أذ أن احتمال الغفلة في النقيصة هو الأجدر والأقوى لفرض وجود روايات أخرى ترجّح عدم وجود هذه الكلمة ، ولكن هنا لا يدور الأمر بين غفلتين بل يدور بين غفلة وعدمها - كما اوضحنا - وحيث أن الغفلة من ناحية الزيادة يمكن نفيها بأصالة عدم الغفلة بخلاف منشأ النقيصة فانه لا يمكن نفيه بها إذ لعل المنشأ للنقيصة ليس هو الغفلة بل طلب الاختصار فلا يوجد ما ننفي به احتمال النقيصة ، هكذا ذكر(قده) ونص عبارته ( فان تقديم أصالة عدم الزيادة على أصالة عدم النقيصة ليس من جهة الدوران بين الغفلتين فقط وأبعدية أحداهما [1] حتى ينعكس الأمر في صورة تعدد طرف النقيصة [2] بل لأن الزيادة لا تقع غفلة أو كذباً وافتراءً [3] وأما النقيصة فهي مشاركة لها في ذلك [4] وتختص بدواعٍ أخر من قبيل الاختصار أو عدم كونه في مقام بيان تمام القضية [5] أو توهِمِه [6] أن وجود الكلمة وعدمها سواء في إفادة المقصود ولا اشكال في تقديم أصالة عدم لزيادة في الدوران [7] ) [8] .
 وفيه:-
 أولاً:- ذكرنا سابقاً أن الزيادة هي أيضاً كالنقيصة لا ينحصر منشؤها بالغفلة ولا بالكذب بل يوجد منشأ آخر وهو أن يفترض أن زيادة القيد مما يقتضيه الطبع من قبيل قيد ( في الإسلام ) فان الشخص حينما يسمع ( لا ضرر ولا ضرار ) فقد يزيد قيد ( في الإسلام ) من باب أن الطبع يقتضي ذلك فمن الواضح أن لا ضرر ولا ضرر هو في الإسلام وهذا شيء واضح وحذفه النبي صلى الله عليه وآله لوضوحه ، فأنا الناقل أذكره من باب أني أحتمل أن هذا هو المقصود والطبع يقتضي ذكر هذا القيد ، ان هذا منشأ من مناشئ الزيادة .
 إذن منشأ الزيادة لا ينحصر بالغفلة حتى تقول يمكن نفيها بالأصل والكذب منفي بافتراض الوثاقة بل هناك منشأ ثالث وهو اقتضاء الطبع ولا يوجد أصل ينفيه ، فإذن المناشئ للزيادة لا تنحصر في اثنين - أي بالغفلة أو الكذب - حتى تنفى بما تقدم بل هناك منشأ ثالث كما أوضحنا.
 وثانياً:- انه ذكر أن النقيصة قد تحصل من مناشئ أخرى غير الغفلة كطلب الاختصار مثلاً ، ونحن نقول:- إن النقيصة ما دامت مؤثرة على المعنى كما هو مفروض بحثنا فان مفروض البحث هو فيما إذا كانت النقيصة لها تأثير والزيادة كذلك إذ لو لم يكن هناك أثر لهما فلا مجال لتطبيق الأصل فانه تطبيقه في مورد لا ثمرة فيه ويكون لغواً . إذن النقيصة لابد وأن نفترض أن لها تأثيراً ومادام لها تأثير وهو لم ينقلها واختصر فقد خان الأمانة فننفي هذا الاحتمال بأصالة الأمانة.
 إذن نحن نسلم وجود مناشئ أخرى للنقيصة غير الغفلة كما ذكر(قده) وهو قد قال إن تلك المناشئ الأخرى لا يمكن نفيها بأصلٍ لأنه لا يوجد عندنا أصل عدم طلب الاختصار مثلاً ، ونحن نقول له:- بل يوجد أصل لأن هذه النقيصة حيث أنها تؤثر على المعنى كما هو المفروض فاذا لم ينقلها الراوي طلباً للاختصار فقد خان الأمانة فننفي هذا المنشأ بأصالة عدم الخيانة ، وهو شيء ظريف.
 وثالثاً:- لو سلمنا كل ما ذكره(قده) ولكن نقول:- إن مجرد هذا لا يكفي لتقديم أصالة عدم الزيادة إذ أن مجرد هذا لا يكفي للوصول إلى ما أراد إلا أن نفترض انعقاد سيرة عقلائية حتى نقول هذه السيرة حيث لم يردع عنها الشارع فتكون حجّة ، أما إذا أردنا أن نقطع النظر عنها كما حاول هو ذلك وأراد أن يبقى هو ومناشئ الغفلة والزيادة ويقول هذا المنشأ للزيادة يمكن نفية - وهو الغفلة - وذاك المنشأ للنقيصة لا يمكن نفيه فهذا المقدار لا يكفي لترجيح هذا الاحتمال على ذاك وليس له سند علميّ بل لابد من إضافة السيرة فتكون هي السند العلمي.
 وإذا قال قائل:- فلنتمسك بالسيرة.
 أجبته:- بالتالي صار المستند هو السيرة وليس هذه الصيغة التي ذكرها(قد) ولا نحتاج إلى كل هذا الكلام بل نقول إن المنشأ هو السيرة وهي تقدّم طرف أصالة عدم الزيادة بلا حاجة إلى هذا الكلام .
 مضافاً إلى أن السيرة هي دليل لبّي فيقتصر على القدر المتيقن وهو فيما إذا لم يكن في جانب النقيصة مؤيدات أخرى فرجعنا إلى كلام الشيخ النائيني(قده) وتمّ ما أراده والمفروض أنه يريد أن يريد الردّ على الشيخ النائيني(قده) . إذن هذا الدفاع من السيد الخميني ليس في محله.


[1] والمقصود من أبعديه احداهما يعني الغفلة في الزيادة لان العاقل عادة لا يغفل فيزيد بل يغفل فينقص.
[2] تعدد طرف النقيصة:- يقصد منه أن روايات النقيصة أكثر لأن روايات عقبة موجودة وهي تؤيد النقيصة.
[3] ولا بد أن تكمل وتقول:- والمفروض أنه ثقة ولا يوجد احتمال الكذب فينحصر الأمر بالغفلة فتجري أصالة عدم الغفلة.
[4] أي مشاركة مع الزيادة في كون منشؤها قد يكون هو الغفلة، لكن قد يكون المنشأ آخر كطلب الاختصار مثلاً ولا يوجد أصل ينفيه.
[5] يعني أنه لم يذكر الكلمة لا لأجل أنه يحب الاختصار كلا بل لأجل أنه ليس بصدد بيان كل الجوانب وكل ما قاله الامام بل يريد بيان موضع الشاهد لا أكثر.
[6] أو توهِمِه :- عطف على ( الاختصار ) فيكون الكلام :- من قبيل الاختصار ، ومن قبيل عدم كونه في مقام بيان تمام القضية ، ومن قبيل توهمه ان وجود الكلمة وعدمها سواء في افادة المقصود .. إلى غير ذلك.
[7] يعني عند الدوران بين احتمال الزيادة والنقيصة فاحتمال الزيادة له نافٍ وهو أصالة عدم الغفلة لأن المنشأ ينحصر بالغفلة وأما احتمال النقيصة فليس له أصل ينفيه لأنه قد ينشأ من عامل آخر غير الغفلة.
[8] كما جاء في رسالته ( لا ضرر ) 58.