34/08/19


تحمیل
 الموضوع:- تنبيهات ( التنبيه الثاني:- وحدة القضية المتيقنة والمشكوكة ) / الاستصحـاب / الأصول العملية.
 وفيه:-
 أوّلاً:- إن ما ذكره لو تمّ فهو يتم في خصوص باب الأعراض - يعني إذا كان المستصحب من الأعراض من قبيل عدالة زيد وعالميته وما شاكل ذلك - أما إذا فرض أن المستصحب لم يكن كذلك بأن كان من الأمور العدميّة والأعدام كما نعرف لا تحتاج إلى محلٍّ تتقوم به كما إذا فرض أنا كنا نعلم أن الوقت لم يدخل والماء لم يكن كرّاً فنستصحب العدم وهذا العدم ليس عرضاً يتقوّم بموضوعه ، وهكذا لو فرض أن المستصحب من الأمور الاعتبارية كالملكيّة والزوجيّة فإنها مجرد اعتبار وليست عرضاً حقيقياً وما ذكره الشيخ الأعظم لو تمّ فهو بيتم في الأعراض الحقيقة أما في الأمور الاعتبارية التي ليس لها وجود حقيقي فهي ليست متقوّمة بالمحلّ حتى يأتي ما ذكره الشيخ(قده) . وهكذا لو فرض أن المستصحب كان من الجواهر - إن تصورنا ذلك - فإن المستصحب لو كان من الجواهر فلا يتمّ ما أفاده أيضاً.
 إذن ما أفاده(قده) لو تمّ فهو يتمّ في باب الأعراض الحقيقيّة ولا يتم في العدميّات ولا في الأمور الاعتبارية ولا فيما إذا كان من قبيل الجواهر.
 وثانياً:- إن ما ذكره يتمّ لو كان الإبقاء في باب الاستصحاب إبقاءً حقيقياً أما بعد فرض أنه إبقاءٌ تعبّدي وليس حقيقياً - وهذا من الواضحات - فلا معنى لما ذكره(قده).
 وثالثاً:- إن ما ذكره لا حاجة إليه بل هو لو تمّ فهو تطويلٌ للمسافة من دون طائلٍ حيث كان بإمكانه أن يقول إن المدار هو على صدق عنوان النقض فإن الروايات قد أخذت العنوان المذكور وقالت ( لا تنقض اليقين بالشك ) والنقض إنما يصدق إذا كانت هناك وحدة بين القضيّة المتيقنة والمشكوكة وهذا طريقٌ سهلٌ - وهذا ليس إشكالاً كالأول والثاني بل هو قضيّة فنيّة فهو من الجنبة الفنيّة ليس بصحيح -.
 ورابعاً:- إنه بعد أن ذكر المطلب السابق قال ما نصّه:- ( وبعبارة أخرى بقاء المستصحب لا في موضوعٍ محال ، وكذا في موضوعٍ آخر ) يعني أنه محالٌ أيضاٌ ، ولم هذا محالٌ ؟ علّله بتعليلين فقال:- ( إما لاستحالة انتقال العرض وإما لأن المتيقن سابقاً وجوده في الموضوع السابق والحكم بعدم ثبوته لهذا الموضوع الجديد ليس نقضاً للمتيقن السابق ) ، إنه في هذه العبارة ذكر في وجه الاستحالة أنه يلزم أحد محذورين هما إما بقاء العَرَض من دون موضوع وهو لا يمكن أو قيام العرض بموضوعٍ آخر ، ثم قال:- وهذا باطل لوجهين الوجه الأوّل أن كلّ عرض قائم بموضوعه والوجه الثاني أنه لا يصدق نقض اليقين أو المتيقن مع تغيّر الموضوع . ونحن نقول له:- إن هذا الذي ذكرته في آخر العبارة - وهو أنه مع اختلاف الموضوع سوف لا يصدق عنوان النقض - كان بإمكانك أن تتمسك به كوجهٍ مستقل لا أن يُجعَل كذيلٍ ومتمّمٍ لأحد الشقين بل يذكر بنفسه فيقال إنه يشترط وحدة الموضوع وإلا فمن دون ذلك لا يصدق عنوان نقض اليقين أو المتيقن ، وعلى هذا الأساس ما أفاده قابل للتأمل كما هو واضح.
 وقد يخطر إلى الذهن التمسك لاعتبار وحدة الموضوع ببيانٍ آخر:- وهو أن الشك في البقاء لا يصدق إلا بوحدة الموضوع إذ لو تغيّر الموضوع صار الشك شكاً في الحدوث وليس في البقاء ، هكذا قد يخطر إلى الذهن بل إن ذلك يلوح من بعض الكلمات.
 وجوابه:- إن هذا البيان وجيهٌ لو فرض أن الروايات قد أخذت عنوان الشك في البقاء ولكنها لم تأخذ ذلك وإنما أخذت عنوان النقض وقالت ( لا تنقض اليقين بالشك ) فنحن لابد إذن إن ندور مدار هذا العنوان - أي عنوان النقض - فمتى ما صدق جرى الاستصحاب ومتى لا يصدق فلا يجري أما أن ندور مدار عنوان الشك في البقاء فليس فنيّاً.
 إذن الوجه الصحيح في ذلك ليس هو ما أفاده الشيخ الأعظم(قده) ولا هذا الوجه بل هو ما أشرنا إليه من أن الروايات قد اعتبرت عنوان النقض ومع عدم وحدة القضيّتين المتيقنة والمشكوكة لا يصدق عنوان النقض ، وهذا مطلب واضح.
 ثم إنه لابد من الالتفات إلى شيء آخر:- وهو أنه لابد في جريان الاستصحاب من إحراز وحدة الموضوع - أي لابد وأن نجزم بأن الموضوع واحد - وأما إذا احتملنا تغيّره فلا يجري الاستصحاب والوجه في ذلك واضح فإنه يكون المورد من التمسك بالعام في الشبهة المصداقيّة وهو ليس بحجّة فإن الدليل العام يثبت الحكم لموضوعه أما أن هذا من مصاديق موضوعه أو لا فهذا لا يتكفّله فلو فرض أن النجاسة كانت منصبّة على عنوان الخمر وشككنا أن هذا الخمر تبدّل إلى عنوان الخلّ أو لا فهل يمكن أن نجري استصحاب بقاء النجاسة السابقة ؟ كلا فإنها كانت ثابتة لعنوان الخمر والمفروض أنّا لا نحرز الآن صدق عنوان الخمر بل لعلّ الصادق هو عنوان الخلّ فإذا لم نحكم ببقاء النجاسة فلا يصدق عنوان النقض وإنما يصدق لو كان الخمر باقياً جزماً ورغم ذلك لم نحكم بنجاسته فهنا يصدق النقض أما إذا فرض أنه تغيّر جزماً إلى عنوان الخلّ فعدم الحكم بالنحاسة لا يصدق عليه النقض وإذا احتملنا التغيّر كما المفروض فذلك يعني أننا لا نجزم بصدق عنوان النقض فيكون التمسك بالعام - أعني ( لا تنقض اليقين بالشك ) - تمسكاً بالعام في الشبهة المصداقيّة إذ نشك في أن هذا المورد هو من مصاديق النقض أو لا والعام لا يجوز التمسك به في الشبهة المصداقيّة لأن الحكم لا يثبت موضوع نفسه .
 والخلاصة:- ما استفدناه من هذا الكلام الثاني هو أنه لا بد من إحراز وحدة الموضوع إذ لو لم نحرز وحدة الموضوع صار المورد من موارد التمسك بالعام في الشبهة المصداقيّة وهو لا يجوز.
 ثم إن الشك في بقاء الموضوع له صور ثلاث:-
 الصورة الأولى:- أن نشك في بقاء المستصحب بشكٍّ ليس هو مسبباً عن الشك في بقاء الموضوع وإنما نشك في بقاء المستصحب بشكٍّ مستقلٍّ ونشك في بقاء الموضوع بشكٍّ مستقلٍّ كما إذا فرض أن المستصحب كان هو عدالة زيد فنشك هل هو عادلٌ الآن أو ليس بعادل فإذا كان عادلاً فلا تجوز غيبته وإذا هو ليس بعادلٍ فتتجوز غيبته مثلاً وفي نفس الوقت نشكّ هل هو باقٍ على قيد الحياة أو لا ، وشكنا في عدالته ليس ناشئاً من شكنا في موته كلا بل ذاك شك مستقل وهذا شك مستقل وأحدهما ليس ناشئاً من الآخر فهنا هل يجري استصحاب العدالة أو لا يجري - مع فرض أنا نشك في موته - ؟
 الصورة الثانية:- أن نشك في بقاء المستصحب بشكٍّ ناشئ من الشكِّ في بقاء الموضوع ولكن يفترض أن الموضوع محدّدٌ ومعلومٌ ولكن ذلك الموضوع المعلوم نشك في بقائه رغم كونه معلوماً كنجاسة الماء المتغيّر فيما لو علمنا أن نجاسة الكرّ مدار تغيّره والمقصود هو التغيّر الفعلي فإذا زال التغيّر الفعلي فلا نجاسة - فكل هذا نعلم به - ولكن نشك نتيجة عدم وجود الضياء ولا ندري هل التغيّر الفعلي باقٍ أو لا فإذا كان باقياً فالنجاسة باقية أو ليس بباقٍ فهنا الشك في بقاء النجاسة ناشئ من الشك في بقاء الموضوع والموضوع محدّدٌ - وهو التغيّر الفعلي - فهنا ما هو الحكم فهل يجري استصحاب النجاسة أو لا يجري ؟
 الصورة الثالثة:- نفس الصورة الثانية مع فارقٍ وهو أن نفترض أن الموضوع ليس بمحدَّدٍ كما إذا فرضنا أن النجاسة كانت حكماً للماء المتغيّر ولكن لا ندري هل للمتغيّر بالتغيّر الفعلي أو للمتغيّر ولو آناً ما والمفروض أننا نعلم الآن أن التغيّر الفعلي ليس بموجودٍ ولكن حيث نحتمل أن التغيّر آناً ما هو الموضع للنجاسة فنشك في بقاء النجاسة لا من جهة عدم وجود الضياء كلا وإنما هي موجودة ونحن نراه أمامنا ليس متغيّراً بالفعل ولكنّه مع ذلك نشك في بقاء النجاسة لأننا لا نحرز بنحو التحديد موضوع النجاسة وأنه التغيّر الفعلي المستمر أو هو التغيّر ولو آنـاً مـا ؟
 هذه صور ثلاث نتحدث عنها.