34/07/30


تحمیل
 الموضوع:- تتمة الأقوال في المسألة ( هل يجري الاستصحاب في الشبهات الموضوعية والحكمية أو لا ؟ ) ، التفصيل الثاني ( التفصيل بين الشك في المقتضي والرافع ) / الاستصحـاب / الأصول العملية.
  إشكال آخر في باب استصحاب الأحكام:- إن في استصحاب الأحكام اشكالين أحدهما ما تقدم عن الشيخ النراقي(قده) وشيّده السيد الخوئي(قده) وقد فرغنا منه ومن التعليق عليه ، والإشكال الثاني الذي هو ليس بمهم وإنما هو قضيّة فنيّة ينبغي ملاحظتها لا أكثر وحاصله هو أن الشك في بقاء الحكم لا يتصوّر إلا بزوال بعض القيود المأخوذة في موضوع الحكم إذ لو كانت القيود باقية أجمع فلا يمكن أن يحصل الشك في البقاء إلا إذا فرض احتمال النسخ فإنه في باب النسخ تكون كامل القيود موجودة ومع ذلك يرفع الشرع ذلك الحكم ، فإذا فرض أن احتمال الرفع كان من ناحية النسخ فيمكن أن نفترض أن تمام القيود بعدُ موجودة ولكن الشك من جهة احتمال النسخ وإنما نشك في بقاء الحكم بنجاسة الماء المتغيّر من ناحية اختلال بعض القيود - وهو قيد التغير الفعلي فإنه قد زال ولأجل زواله نشك في بقاء الحكم - فليس الشك إذن لأجل احتمال النسخ ومادام الشك ناشئاً من زوال بعض القيود فلابد وأن يكون الشك في البقاء من زوال بعض القيود أو الشك في الزوال وبناءً على هذا يأتي الإشكال - وهو أن جريان الاستصحاب فرع إحراز بقاء الموضوع - وهنا لا نحرز بقاء الموضوع لاحتمال أن ذلك القيد دخيل في الموضوع فيحصل التغيّر في الموضوع إما بنحو الجزم أو بنحو الاحتمال والاحتمال كافٍ - أي احتمال زوال الموضوع وتغيّره - لعدم جريان الاستصحاب ، إن هذا إشكال يتسجّل في باب استصحاب الأحكام.
 ويمكن أن نصوغ هذا الاشكال بصياغة علمية وفنيّة أكثر وذلك بأن نقول:- إن المولى لا يأخذ شيئاً كقيدٍ في الحكم إلا إذا كانت له مدخليّة في المصلحة إذ لو لم يكن له تأثير في المصلحة فأخذه قيداً في الحكم يكون لغواً وعبثاً ، ومادام دخيلاً في المصلحة وهكذا الحال بالنسبة إلى بقيّة القيود فسوف يصير مجموع القيود هو موضوع المصلحة فالمصلحة تتحقق وتثبت بمجموع هذه القيود ، وإذا سلمنا بهذا فنضّم إليه مقدمة أخرى وهي أن موضوع الحكم الشرعي لابد وأن يتطابق مع موضوع المصلحة إذ لا معنى لأن يكون موضوع المصلحة شيئاً معيناً ويكون موضوع الحكم الشرعي شيئاً آخر إن هذا ليس شيئاً عقلائياً أيضاً وبهذا تصير مجموع القيود - التي هي موضوع المصلحة - موضوعاً للحكم الشرعي ومعه فأي واحدٍ منها إذا اختل جزماً أو احتمل اختلاله فسوف لا نحرز بقاء موضوع الحكم الشرعي فلا يجري الاستصحاب ، وبناءً عليه فسوف لا يجري الاستصحاب في باب الأحكام حتى لو فرض أنه لم يكن له معارض - أعني استصحاب عدم الجعل بالمقدار الزائد - فإنه في حدِّ نفسه لا يبقل الجريان لعدم إحراز وحدة الموضوع.
 وفيه:- إنه يمكن أن نجيب بجوابٍ بسيط لا يشتمل على تعقيدات علميّة كما ويمكن أن نجيب بصيغة علميّة:-
 أما الجواب الأول البسيط فحاصله أن يقال:- إن خطاب ( لا تنقض اليقين بالشك ) هو خطاب عرفيّ وقد صدر من إنسان عرفيّ - أي الامام عليه السلام فإنه حينما يتحدث مع الناس بهذا الكلام وما شاكله فإنه يتكلم بما هو عرفيّ ولا يتجاوز الحدود العرفيّة فهو يتكلم كأحدنا وعلى وفق الأسلوب المتداول بيننا - لإنسان عرفيٍّ وهو زرارة أو أنا وأنت فلابد وأن نفهمه فهماً عرفيّاً ونطبّقه في الحدود العرفيّة ، وعلى هذا الأساس نقول إن الماء المتغيّر مثلاً إذا زال تغيّره من قبل نفسه فالعرف لا يرى دخالة التغيّر في موضوع النجاسة فإنه يرى الموضوع لها هو ذات الماء فذات الماء هو نجس فالنجاسة عَرَضٌ موضوعها الماء وليس موضوعها التغيّر فالتغير ليس هو موضوعاً للنجاسة ولا يتحمّل عرفاً أن يكون موضوعاً لها . نعم هو حيثية تعليليّة في نظر العرف ، يعني إنما صار الماء نجساً وحدثت فيه النجاسة لأجل التغيّر فالتغيّر علّة لا أنه هو الموضوع فإذا شككنا أنه علّة بمجرد حدوثه بحيث أن حدوثه يُحدِث النجاسة ويبقيها إلى الأبد وإن زال التغيّر من قِبَلِ نفسه أو أنه يلزم أن يكون باقياً فإنه آنذاك تبقى النجاسة تبعاً لبقاء التغيّر فالموضوع هو الماء والشك في كيفية عليّة العلّة فإذن يشير العرف إلى الماء ويقول أنا أتيقن أنه كان نجساً والآن أشك في بقائه على النجاسة وإذا رفعت اليد عن النجاسة صار ذلك نقضاً لليقين بالشك فيجري الاستصحاب من زاوية النظرة العرفيّة. وهذا جواب سيال يأتي في جميع الموارد التي لا تكون للقيود مدخليّة بالنظرة العرفيّة بالموضوع.
 وأما الجواب الثاني الدقّي هو أن يقال:- إن البيان السابق الدقّي والمشتمل على بعض المصطلحات العلميّة كان مركّباً من مقدمتين:-
 الأولى:- إن كل قيد لابد أن يكون دخيلاً في المصلحة وبالتالي تكون مجموع القيود موضوعاً للمصلحة.
 والثانية:- إن موضوع الحكم الشرعي لابد وأن يتطابق مع موضوع المصلحة.
 ونحن نريد أن نناقش في المقدمة الأولى فنقول نحن لا نسلّم أن القيود التي لها تأثير في المصلحة تكون موضوعاً للمصلحة ، وحاصل المناقشة هي أن القيد الذي له تأثير في المصلحة هو علّة لاتصاف الشيء بالمصلحة فدخول وقت الزوال علّة لاتصاف صلاة الظهر بكونها ذات مصلحة - يعني في فعلها - يعني أن فعل صلاة الظهر يتصف بأنه ذو مصلحة عند دخول الوقت فدخول الوقت علّة لاتصاف فعل صلاة الظهر بالمصلحة ومادام هو علّة فلا يكون جزء الموضوع إذ لو كان جزءاً من موضوع المصلحة فكيف اتصف هذا الموضوع بأنه ذو مصلحة ؟! إن لازمه أن الموضوع نفسه علّة لطروّ المصلحة عليه وهذا معناه أن المصلحة ذاتيّة لهذا الموضوع وليست عرضيّة والحال أن المصالح عادةً هي عارضة لموضوعاتها لا أنها ذاتية لموضوعاتها فهي تعرض على موضوعاتها لعلّةٍ فإذا كانت تلك العلّة وتلك الحيثية جزءاً من الموضوع لزم من ذلك أن يكون الموضوع هو السبب لاتصافه بالمصلحة ، يعني يصير اتصافه بالمصلحة ذاتياً له ففعل صلاة الظهر في ذاتها هو يشتمل على المصلحة عند دخول الوقت وهكذا بقية الأفعال وهذا شيءٌ مرفوضٌ وإنما المصلحة عارضة وإذا كانت عارضة فتحتاج إلى علّةٍ هي السبب لاتصاف ذلك الموضوع بالمصلحة ، وعليه فلا يكون موضوع المصلحة مركّباً من مجموع تلك القيود حتى تتم المقدمة الأولى وبالتالي حتى نضم إليها المقدمة الثانية ، كلا نسلّم أن مجموع القيود هي عبارة عن موضوع المصلحة بل ندّعي أن القيود هي علّة لعروض المصلحة على موضوعها فيكون خارجاً عن موضوع المصلحة ، ومعه تبطل تلك الصياغة الدقيّة التي أشرنا إليها.
 والخلاصة من كل هذا:- إن الإشكال المذكور مندفع أيضاً لما أشرنا إليه.
 وبهذا نختم كلامنا عن التفصيل الذي ذكره الشيخ النراقي والسيد الخوئي ونتحدث من الآن عن التفصيل الثاني فإنا ذكرنا فيما سبق أنه يوجد تفصيلان مهمّان.
 التفصيل الثاني:- التفصيل بين الشك في المقتضي والرافع:-
 وهذا التفصيل قد تبناه الشيخ الأعظم(قده) في الرسائل وذكره بعنوان القول التاسع من مجموع الأقوال التي ذكرها وقد تبناه وقال إن أول من أثار هذا الإشكال وفصَّل هذا التفصيل والتفت إليه هو المحقق الخوانساري(قده) صاحب شرح الدروس حيث قال:-( إن أوّل من فتح باب الاشكال في استفادة العموم من الاخبار هو ) [1] - يعني المحقق الخوانساري - ولكنه بعد ذلك [2] عند ذكر الحجّة والدليل على القول المذكور ذكر أن المحقق في معارجه يظهر منه تبنّي هذا التفصيل حيث قال:- ( والذي نختاره أن ننظر في دليل ذلك الحكم فإن كان يقتضيه مطلقاً وجب الحكم باستمرار الحكم كقعد النكاح فإنه يوجب حِلّ الوطئ مطلقاً .... ).
 ما ذكره الشيخ الأعظم(قده) هنا وهناك لعله يشتمل على نحوٍ من التنافي إذ كيف يقول في البداية إن أوّل من أثار وفتح باب الإشكال هو الخوانساري ثم بعد ذلك يقول إنه يظهر من عبارة المحقق الحليّ - الذي هو أسبق من الخوانساري بكثر - هذا التفصيل ؟!
 والمهم هو أن هذا التفصيل قد اختاره الشيخ الأعظم(قده) ومن بعده الشيخ النائيني(قده) حيث أعطاه قوّة أكثر ولكن الحجّة التي تمسك بها الشيخ النائيني تغاير الحجة التي تمسك بها الشيح الأعظم.
 وفي البداية لابد وأن نعرف المقصود من هذا التفصيل ثم بعد ذلك معرفة الحجّة.


[1] تراث الشيخ الأنصاري، الأنصاري، تسلسل26، ص78، ط جديدة.
[2] تراث الشيخ الأنصاري، الأنصاري، تسلسل26، ص159، ط جديدة.