34/07/24


تحمیل
 الموضوع:- الأقوال في المسألة ( هل يجري الاستصحاب في الشبهات الموضوعية والحكمية أو لا ؟ ) / الاستصحـاب / الأصول العملية.
 وثانياً:- إنه(قده) ذكر أن كلا الاستصحابين صالح للجريان فتحصل المعارضة ، ونحن نقول:- إن أحدهما صالح للجريان دون الآخر فإما أن يجري استصحاب بقاء الحكم الفعلي فقط من دون جريان ذاك أو بالعكس أما أن الاثنين يصلح جريانهما فلا ، والوجه في ذلك هو أن الحكم - من قبيل وجوب صلاة الجمعة - إما أن ننظر إليه بما هو تشريع وجعل وإنشاء أو ننظر إليه بما هو صفة قابلة للبقاء خارجاً ، فإن نظرنا ليه بالشكل الأوّل فالذي يصلح جريانه هو الأصل الأوّل - يعني أصالة عدم الجعل الزائد - فإنه بهذا اللحاظ توجد حصّتان حصّة متيقّنة وهي جعل الوجوب زمن الحضور وحصّة مشكوكة وهي جعل الوجوب زمن الغيبة ونشك في ثبوت الوجوب للحصّة الثانية فنجري أصالة عدم جعل الوجوب وعدم تشريعه ، وبناءً على هذه النظرة لا معنى لاستصحاب بقاء الحكم الفعلي لأننا نظرنا إليه - يعني إلى الوجوب - بما هو جعلٌ وتشريعٌ فيجري إذن الاستصحاب الأوّل دون الاستصحاب الثاني ، وأما إذا نظرنا إليه بما هو صفة للصلاة بحيث نقول:- إن صلاة الجمعة كانت متّصفة بالوجوب والآن نشك في ذلك الوجوب - أي بقاء ذلك الوجوب - فكأن الوجوب يصير شيئاً له امتداد وحدوث وبقاء ، إنه بهذا اللحاظ يجري استصحاب بقاء الوجوب الفعلي ولا معنى لأصالة عدم الجعل الزائد.
 إذن أنت بين أمرين بين أن تنظر للوجوب الشرعي هكذا - يعني بما هو جعل - فيجري الاستصحاب الأوّل - يعني استصحاب عدم الجعل الزائد - وبين أن تنظر إليه هكذا فيجري استصحاب بقاء الوجوب الفعلي وهاتان النظرتان نظرتان متنافيتان لا يمكن الجمع بينهما فإذا نظرت إلى الحكم بما هو تشريع آنيٌّ يحصل في آنٍ واحدٍ وليس له استطراد لا يمكن أن أنظر إليه في نفس الوقت بما هو صفة للصلاة وله حدوثٌ وبقاء ، إنهما نظرتان متنافيتان فإما أن تأخذ بالنظرة الأولى فيجري استصحاب عدم الجعل الزائد وإما أن تأخذ بالنظرة الثانية فيجري استصحاب بقاء الحكم الفعلي وكلتا النظرتين حيث لا يمكن اجتماعهما فلا معنى لتطبيق دليل الاستصحاب على الحكم الواحد مرَّة بهذا الشكل وأخرى بهذا الشكل لكي تحصل المعارضة.
 وبناءً على هذا يتّضح التمسك بإطلاق دليل الاستصحاب لا معنى له لتطبيقه بلحاظ الجعل وتطبيقه بلحاظ المجعول ووجه عدم الإمكان هو إن التمسك بالإطلاق فرع وجود الجامع وإمكان اجتماع كلتا النظرتين والمفروض أن اجتماعهما ليس ممكناً في حدِّ نفسه فلا يمكن إذن تطبيق الاستصحاب على الحكم الواحد بكلتا النظرتين معاً بل بإحداهما لا غير.
 إن قلت:- أوَليس يوجد عندنا مرتبتان للحكم مرتبة إنشاءٍ ومرتبة فعليةٍ ومادام يوجد مرتبتان فيمكن تطبيق دليل الاستصحاب مرَّة على هذه المرتبة وأخرى على تلك المرتبة - أي مرَّة بلحاظ مرتبة الجعل وأخرى بلحاظ مرتبة المجعول - فيتم ما أراده السيد الخوئي(قده).
 قلت:- إن تلك الفعليّة هي غير الفعلية التي هي محلّ كلامنا فالفعليّة التي ذكرت أنها مرتبة من مراتب الحكم تتوقف على وجود الموضوع خارجاً فإذا وجد المكلف خارجاً بكامل الشروط صار الحكم فعليّاً أما إذا لم يكن الموضوع متحققاً بشرائطه فلا فعليّة للحكم إن تلك الفعليّة هي بهذا المعنى وهذا المعنى لا نريده في المقام ولا يمكن أن يقصده السيد الخوئي(قده) لأن لازم ارادة هذه الفعليّة بهذا المعنى هو أن الفقيه لا يمكنه إجراء الاستصحاب إلا إذا فرض أنه تحقق الموضوع في الخارج بكامل شرائطه فإذا شككنا في استمرار الحكم الفعلي له نستصحبه ففي مثال الماء المتغيّر يلزم أن يوجد الماء في الخارج وقد تغيّر بالفعل ثم زال تغيّره حتى نفترض أنه كان فعليّاً سابقاً ثم شككنا عند زوال التغيّر وقبل أن يوجد هذا الماء خارجاً لا يمكن أن يجري استصحاب الحكم الفعلي ، وهكذا يلزم أن تكون المرأة موجودة خارجاً وقد حاضت ثم انقطع الدم عنها بعد ذلك حتى يجري الفقيه استصحاب الحكم الفعلي فإن الفعلي الذي يُقصّد كرتبةٍ من مراتب الحكم هي الفعليّة بها المعنى أي بمعنى وجود الموضوع الخارجي ثم يشك في استمرار الحكم بأن انقطع دم المرأة مثلاً فيشك في استمرار بقاء المنع الفعلي ، ومن الواضح أن هذا المعنى ليس مقصوداً للسيد الخوئي(قده) جزماً إذ هو يجري استصحاب الحكم الفعلي حتى لو لم يكن في الخارج ماء قد تغيّر ثم زال تغيّره أو امرأة من القبيل الذي أشرنا إليه وإنما يلزم أن يقصد من الفعليّة هو أنه يُنظَر للحكم بما هو صفة للشيء الخارجي حتى يكون له استمرار فالنجاسة تُلحَظ كصفةٍ للماء رغم أنه لا يوجد ماء في الخارج بل فقط وفقط الفقيه يلحظ النجاسة وصفاً للماء فيكون للنجاسة حدوثٌ وبقاءٌ ويُجرِي الاستصحاب حينئذ . إذن المقصود من الفعليّة في كلامنا الآن هو هذا المعنى - يعني ملاحظة الحكم بما هو وصف للموضوع الخارجي رغم أن الموضوع ليس موجوداً في الخارج بالفعل - فهذا ينبغي أن يقصده السيد الخوئي(قده) من الحكم الفعلي.
 فإذا قبلنا هذا المعنى فالفقيه إذن إما أن ينظر إلى الحكم بما هو تشريع بحيث ليس له حدوث وبقاء بل جميع حصصه تكون متقارنة وفي رتبة واحدةٍ وبناءً على هذه النظرة لا يمكن استصحاب الحكم الفعلي ، أو ينظر إليه بالنظرة الثانية فيجري استصحاب الحكم الفعلي ولا يجري آنذاك استصحاب عدم الجعل الزائد لأنه بهذه النظرة لا يرى جعلاً وتشريعاً بل يرى حكماً مستمراً وكلتا النظرتين لا يمكن أن ينظر اليهما - أي يلاحظ الحكم بما هو جعل آني وبما هو صفة للخارج وله استمرارية وبقاء - إنه تناقض بين النظرتين لا يمكن اجتماعهما ن وعلى هذا الأساس لا يمكن أن يقول عن هذا الاستصحاب بأنه يعارض ذاك الاستصحاب بعد عدم امكان الجمع بين النظرتين ، أرجو الالتفات إلى ما أشرت إليه إذ لعل فيه شيء من الدقة .
 نعم قد تسأل وتقول:- صحيح أنه لابد من تحكيم إحدى النظرين ولكن المناسب تحكيم أي نظرة ؟ فهل ننظر إلى الحكم بما هو وصف للشيء الخارجي حتى يكون له حدوث وبقاء أو ننظر إليه بالنظرة الأولى ؟
 والجواب:- بما أن الأصوليين اتفقت كلمتهم على جواز وصحّة ووجاهة استصحاب الحكم الفعلي في حدِّ نفسة - أي بقطع النظر عن المعارضة التي ذكرها السيد الخوئي(قده) - فهذا معناه أنه يُنظَر إلى الحكم بما هو صفة للشيء الخارجي ، وبناءً عليه فلا يجري إلا استصحاب بقاء الحكم الفعلي بلا معارضة بأصالة عدم الجعل الزائد [1] .


[1] وهذا الذي ذكرته أخيراً ليس بمهم وإنما المهم هو الذي بينته أولاً وهو أن النظرتين لا يمكن تحكيمهما والنظر إلى الحكم في آنٍ واحدٍ بهذه النظرة وبتلك النظرة حتى يجري الاستصحاب من هذه الجهة ومن تلك الجهة فإنه لا يمكن للتنافي بين النظرتين ، أما أنه أي النظرتين أرجح ؟ فهذه قضيّة ثانية ليست مهمة وإن أشرت إليها في ذيل الكلام.