34/06/18


تحمیل
 
 الموضوع:- الدليل الثالث للاستصحاب ( التمسك بالأخبار ) / أدلة الاستصحاب / الاستصحـاب / الأصول العملية.
 وأما بالنسبة إلى السؤال السادس:- الذي هو المورد الثاني من موردي الاستشهاد في الصحيحة المذكورة فقد فرض فيه زرارة أنه رأى النجاسة في أثناء الصلاة لا أنه رآها بعد الفرغ منها فإنه في الفقرات السابقة كان المفروض في جميعها أن النجاسة لوحظت بعد الفراغ أما إذا شوهدت في الأثناء فلم يذكر هذا في الفقرات السابقة وإنما هو مذكور في هذه الفقرة السادسة . إذن في هذا السؤال السادس سأل زرارة عن رؤية النجاسة أثناء الصلاة ما هو الحكم ؟ وقد فصَّل له الإمام عليه السلام بين ما إذا حصل له الشك سابقاً في موضع من الثوب يعني أنه شك قبل الصلاة ثم رأى النجاسة في أثنائها فهنا يقطع صلاته بمعنى أنها تبطل ، وأما إذا فر ض أنه لم يطرأ له شك في إصابة النجاسة ثم رآها في الأثناء فهنا قطع الصلاة قطعاً مؤقتاً وطهّر ثوبه فيما إذا لم يلزم من ذلك الفعل الكثير الماحي لصورة الصلاة ثم يواصل صلاته ، وواضحٌ أنه شريطة أن يكون الدم رطباً لا يابساً وإلا فسوف يجزم بأنه من قبل الصلاة ، أما إذا لم يشك مسبقاً وكان رطباً الآن فهنا لا يحكم ببطلان صلاته بل يطهّر ويستمر في صلاته ونكتة ذلك ما قاله عليه السلام بقوله:- ( لأنك لا تدري لعلّه شيء أوقِع عليك فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين أبداً بالشك ) والفقهاء يفتون على طبق هذه الرواية ولذا يقولون إن من رأى النجاسة في أثناء الصلاة يطهّرها ويستمر في صلاته والمستند هو هذا ، وهذا مطلب واضح والرواية واضحة في أن الإمام عليه السلام قد طبّق الاستصحاب الموضوعي - يعني أنه يقول له إنك ما دمت تحتمل أنه قد طرأ عليك هذا الدم أثناء الصلاة فحينئذ لا ينبغي لك نقض اليقين بالشك أي انت لك يقين بطهارة الثوب قبل الصلاة وتشك في بقاء تلك الطهارة فلا تنقض ذلك اليقين بالطهارة بالشك - يعني في البقاء - بل تحكم ببقاء الطهارة إلى حين الرؤية فتكون نتيجة الاستصحاب هي أن النجاسة قد حدثت حين الرؤية فيطهّرها الآن ويواكب صلاته . إذن هي واضحة في إرادة الاستصحاب ولا شبهة فيها من هذه الناحية ولا تحتمل إرادة قاعدة اليقين فإنه برؤية النجاسة في الأثناء لا يتزلزل اليقين السابق بل أنا باقٍ على جزمي بكون ثوبي طاهر ولكن أحتمل أن هذا الدم قد طرأ إما قبيل الصلاة بقليلٍ أو في أثنائها - يعني الآن - فهو شك في البقاء ولا يتصوّر الشك في أصل الحدوث فلا معنى لاحتمال إرادة قاعدة اليقين.
 وهذا بخلافه في السؤال الثالث الذي هو المورد الأول للاستشهاد فإنه هناك قال زرارة:- ( فنظرت فلم أرَ ) فهنا قد يقال إنه يتولد يقين بسبب الفحص وعدم الرؤية وهذا اليقين يتزلزل عند رؤية النجاسة بعد الصلاة ، وهذا بخلافه في مقامنا فإنا لم نفترض وجود يقين من هذا القبيل يقبل التزلزل فكان في السؤال الثالث يقينان أحدهما يقبل التزلزل وثانيهما لا يقبل التزلزل والذي لا يقبل التزلزل هو اليقين قبل ظن الإصابة والذي يقبل التزلزل هو الذي حصل عند ظنّ الإصابة والفحص وعدم الرؤية أما هنا فلم نفترض إلا يقين واحد وهو اليقين الثابت قبل الصلاة فإن ثوبي قبل الصلاة كان طاهراً جزماً وبعد ذلك رأيت بقعةً في وسطه فأحتمل أن هذه البقعة أصابته قبيل الصلاة فتبطل أو في أثنائها فأستصحب لإثبات أنها في الأثناء فأطهرها وأواكب الصلاة . إذن الرواية بلحاظ هذا المقطع لا تحتمل إرادة قاعدة اليقين.
 نعم هناك قضيتان أحداهما جانبيّة ليست بمهمة وأخرى ربما يكون لها شيءٌ من الأهميّة:-
 أما القضية الأولى:- إن الإمام عليه السلام قال:- ( إن شككت في موضع منه ثم رأيت فلابد من إعادة الصلاة وإن لم تشك فلا حاجة إلى الاعادة بل تطهر أثناء الصلاة وتستمر في صلاتك ) وهنا نقول:- إن قول الإمام عليه السلام ( إن شككت ) وهكذا قوله ( إن لم تشك ) يحتمل أن يقصد به الشك البدوي كما هو ظاهر كلمة الشك فإننا نفهم من كلمة الشك هذا المعنى يعني مرَّة قبل الصلاة يحصل لك شك بدوي في إصابة النجاسة ثم تراها في الأثناء فهنا تعيد الصلاة ولماذا ؟ لأن نفس شكك القبلي يولّد اطمئناناً عادةً بأن هذه النجاسة التي رأيتها هي نفس تلك النجاسة المشكوكة سابقاً فصلاتك تكون في النجس فلابد من الإعادة ، وإذا لم يكن عندك شك أبداً فلا أمارة آنذاك على أن هذه النجاسة قبل الصلاة فيجري الاستصحاب فتثبت صحّة الصلاة بلا حاجة إلى الإعادة ، هذا ما فهمناه وهو شيءٌ وجيهٌ.
 ولكن رب قائل يقول:- إن الإمام عليه السلام يشير إلى حالة العلم الإجمالي وكأنه يريد أن يقول هكذا:- مرة تشك في الموضع - يعني بعد علمك بالإصابة جزماً ولكن تشك في موضع النجاسة هل هو هنا أو هناك بعد العلم الإجمالي بالإصابة - فقوله ( إن شككت في موضع منه ) يعني إن علمت بالإصابة وشككت في تشخيص الموضع وقوله ( إن لم تشك ) يعني إن لم يحصل لك هذا العلم الإجمالي ، والذي دعانا إلى إبراز هذا الاحتمال هو قوله عليه السلام ( تنقض الصلاة وتعيد إذا شككت في موضع منه ثم رأيته ) ، وأسلط الأضواء على كلمة ( في موضع منه ) فإنه لو كان المقصود هو الشك البدوي فلا حاجة إلى جملة ( في موضع منه ) فالتقييد بها يكون لغواً . إذن هذا التقييد يتناسب مع العلم الإجمالي فقوله ( إن شككت في موضع منه ) يعني ( إن علمت بالإصابة وشككت في تشخيص الموضع ) فهذا هو الذي دعانا إلى إبراز هذا الاحتمال.
 ولكن هذا المقدار لا يؤثر فإن الإمام عليه السلام قد أجرى الاستصحاب في حالة عدم الشك المسبق سواءً فُسِّر ذلك الشك المسبق بالشك البدوي أو فُسِّر بالعلم الإجمالي فإنه على كلا التقديرين قد أجرى الإمام الاستصحاب في حالة عدم الشك فقال ( وإن لم تشك فاستصحب ) والمقصود من ( إن لم تشك ) يعني إما أنك لم تشك بالشك البدوي أو أنك لم تشك بنحو العلم الإجمالي فإن هذا ليس بمهم . إذن هذه قضية جانبية ليست بمهمة كما أشرت إلى ذلك.
 وأما القضية الثانية:- فقد أشار إليها الشيخ الأعظم(قده) في الرسائل وحاصلها:- أنه يوجد تهافت بين ما دلّت عليه الفقرة الثالثة وبين ما دلت عليه الفقرة السادسة فإن الفقرة الثالثة دلّت على أن المكلف لو رأى النجاسة بعد الصلاة فلا إعادة وعلّل بقوله:- ( لأنك كنت على يقين من طهارتك ثم شككت فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين أبداً بالشك) فإنه عليه السلام حكم بعدم لزوم الإعادة لأجل الاستصحاب رغم أن المكلف يتيقن بأن صلاته قد وقعت في النجس ، بينما في الفقرة السادسة حكم الإمام عليه السلام بأنك إذا شككت قبل الصلاة ثم رأيت النجاسة في الأثناء بعد الشك السابق فبسبب الشك السابق والرؤية الآن يحصل لك اطمئنان [1] بأن صلاتك قد وقعت في النجس فلابد من الإعادة.
 والإشكال هو:- كيف حكم الإمام عليه السلام بعدم الإعادة في الفقرة الثالثة رغم أن كل الصلاة قد وقعت في النجس بينما في الفقرة السادسة إذا جزم المكلف في الأثناء بأن المقدار السابق قد وقع مع النجاسة حكم الإمام عليه السلام بلزوم الإعادة والحال إن هذا أولى بعدم الإعادة إذ أن كلّ الصلاة لو وقعت في النجس لا تلزم إعادتها - كما هو مقتضى الفقرة الثالثة -فجزء الصلاة إذا وقع في النجس فهو أولى بعدم الإعادة ؟!
 وأنا أضيف إضافة:- وهي أن هذا الإشكال يتم فيما لو فرضنا أنا بنينا في الفقرة الثالثة على أن النجاسة المرئية بعد الصلاة هي النجاسة السابقة حتماً أما إذا فرض أنّا أخذنا بالجواب الرابع من الأجوبة المتقدمة - يعني أن زرارة قال ( فرأيت ) من دون ضمير وهذا كما يلتئم مع كون النجاسة هي السابقة يلتئم مع كونها نجاسة جديدة - فهذا الإشكال لا يأتي ولكنّ الشيخ الأعظم(قده) في الرسائل استظهر أن النجاسة المرئية بعد الصلاة هي عين السابقة فإنه بناءً على هذا الاستظهار يأتي هذا الإشكال ، قال(قده):- ( مع أنه يوجب الفرق بين وقوع تمام الصلاة مع النجاسة فلا يعيد [2] وبين وقوع بعضها معها فيعيد [3] كما هو ظاهر قوله عليه السلام بعد ذلك " ويعيد إذا شككت في موضع منه ثم رأيته " ... ) [4] . إذن هذا اشكال يرد على هذه الرواية ولكنّه إشكال علميّ لا يؤثر.


[1] وواضح أن جملة ( يحصل لك اطمئنان ) هي مني وليس من الامام وإنما ذكرتها لتتميم المطلب.
[2] يعني بمقتضى الفقرة الثالثة من الرواية.
[3] يعني بمقتضى الفقرة السادسة من الرواية.
[4] تراث الشيخ الأنصاري، تسلسل26، ص61.