34/05/13


تحمیل
 الموضوع: الدليل الثاني للاستصحاب ( التمسك بالسيرة ) / أدلة الاستصحاب / الاستصحـاب / الأصول العملية.
 وفيه:- إنه يمكن أن نرفض ما أفاده الشيخ الخراساني(قده) من الأساس ، وإذا سلمناه فما ذكره السيد الخوئي(قده) هو محل للإشكال أيضاً:-
 أما ما ذكره الشيخ الخراساني(قده):- فباعتبار أن عدم الردع وإن كان يدلّ على الإمضاء إلا أنه يختص بحالة كمال الشريعة - يعني لو كملت وتمّت فآنذاك يقال إن عدم الردع يدل على الإمضاء - أما إذا لم تتم الشريعة بَعدُ - وهذه نكتة ظريفة وواضحة - فعدم الردع لا يدلّ على الإمضاء إذ لعله سوف يأتي الردع بعد فترةٍ لفرض أن الشريعة لم تتم بَعدُ ، وعليه فلا معنى لما ذكره الشيخ الخراساني(قده) من أنه قبل نزول الآيتين حيث لا ردع فيثبت الإمضاء ثم إذا شككنا في الردع نستصحب ذلك الإمضاء فإن هذا شيء قابل للمناقشة باعتبار أن عدم الردع في تلك الفترة هو عدم ردعٍ قبل أن تتمّ الشريعة فلا يمكن أن يستفاد منه الإمضاء حتى يستصحب هذا الإمضاء حالة الشك.
 وأما ما ذكره السيد الخوئي(قده) فيرد عليه:-
 أولاً:- إنه ذكر أن إشكال الدور يأتي في باب الاستصحاب فقط ولا يأتي في باب حجيّة الخبر والحال أنه لو تمّ في باب الاستصحاب لتمّ في باب حجيّة الخبر أيضاً وذلك باعتبار أن إمضاء حجية الخبر إذا أردنا استصحابه فنسأل عن هذا الاستصحاب بأنه ما الدليل على حجيتّه ؟ والدليل ليس إلا حديث ( لا تنقض اليقين بالشك ) حسب مبناه(قده) - أي أن المستند هو الخبر - فعاد الدور من جديد ، يعني أثبتنا حجيّة الخبر من خلال الاستصحاب الموقوف حجيّته على حجيّة الخبر فصارت حجيّة الخبر موقوفة على نفسها وهذا شيء جديد فالتفت إليه.
 وثانياً:- إن ما ذكره في باب الاستصحاب هو مرفوضٌ في نفس هذا الباب ، والوجه في ذلك هو أن استصحاب بقاء الإمضاء والحجيّة عبارة أخرى عن أصالة عدم النسخ فإنا نقول هكذا:- كان الإمضاء ثابتاً سابقاً وكانت الحجيّة ثابتة سابقاً جزماً - أي قبل نزول الآيتين - والآن نشك في رفع ذلك الإمضاء وتلك الحجيّة والرفع عبارة أخرى عن النسخ ، ومن الواضح أن أصالة عدم النسخ من الأصول المسلّمة بين الجميع فكل شيءٍ شُكّ في نسخه يبنى على عدم تحقق النسخ إلا أن يحصل علم بالنسخ.
 يعني بكلمة أخرى:- إن هذا النحو من الاستصحاب - أي استصحاب الإمضاء الذي مرجعه إلى أصالة عدم النسخ - له ميزة من بين أفراد حجيّة الاستصحاب فحتى لو أنكرنا حجيّة الاستصحاب إلا أن هذا الفرد بخصوصه هو مسلّم ولا ينكره أحد ولا تتوقف حجيتّه على صحيحة زرارة فإنه من الأصول المسلّمة والمجمع عليها . إذن لأجل الميزة الموجودة في هذا الاستصحاب بالخصوص حيث يرجع إلى أصالة عدم النسخ فلا يلزم محذور الدور. هذا كله بالنسبة إلى الحوار بين العلمين.
 ونريد الآن التعرض إلى الفوارق بين السيرة في باب حجيّة الخبر وبين السيرة في باب الاستصحاب ونريد أن ندعي أن الردع إذا سلّمناه في باب الاستصحاب عن السيرة فلا نسلّمه في باب الخبر لميزة لمسألة حجيّة الخبر فالرادعية فيها ليست ثابتة بينما هي ثابتة في باب الاستصحاب ، أما ما هي تلك الفوارق ؟
 الفوارق بين السيرتين:-
 توجد هنا مجموعة من الفوارق وقد أشار الشيخ الخراساني(قده) إلى فردين منها في كلامه الذي نقلناه فيما سبق فإنه ذكر فيما سبق أربعة وجوه لعدم صلاحيّة رادعية العمومات عن السيرة في باب حجيّة الخبر وكان الثاني والرابع يختصان بمسألة حجيّة الخبر ويثبتان في خصوص مسألة حجيّة الخبر عدم صلاحية الآيات للردع فهي صالحة للردع في باب الاستصحاب وليست بصالحة للردع في باب حجيّة الخبر والفارقان هما:-
 الأول:- إنه في باب حجيّة الخبر يتمسك العقلاء بالخبر من باب أنه علمٌ ولازم ذلك أنه بنظرهم سوف لا يكون الخبر مشمولاً للعمومات إذ هي تختص بالظن وبالشك والمفروض أن الخبر يفيد العلم بنظرهم.
 الثاني:- إن العقلاء يتمسكون بالخبر كمنجِّزٍ للأحكام ومعذّرٍ وكلّ ما كان كذلك فالعقل يقول ويحكم بأنه يجوز تطبيقه في الشرعيات إلا أن يثبت الردع الجزمي عنه ولا يكفي الردع الاحتمالي وهذا كما ترى يختص بباب الخبر لأن العقلاء يتمسكون بالخبر من باب أنه منجِّز ولا يأتي في باب الاستصحاب إذ لا يتمسّكون به كمنجِّز وكمعذّر وإنما هم يأخذون بالحالة السابقة بقطع النظر عن حالة التنجيز والتعذير.
 ونحن نذكر ثلاثة فوارق إضافية فيصير المجموع خمسة فوارق:-
 الثالث:- إن السيرة في باب الخبر سيرة مترسّخة في نفوس العقلاء وهي سيرة مستحكمة بحيث يختل نظامهم الاجتماعي إذا لم يبنوا على حجيّة الخبر ومعه فتحتاج إلى ردع قويّ كقوَّة السّيرة بأن تأتي نصوص وتقول ( الخبر ليس بحجّة ) أو ( لا يجوز لكم أن تعملوا به ) بحيث ينصّ عليه بخصوصه وبعنوانه لا أن تأتي آية تنهى عن الظن وغير العلم التي دائرتها ومساحتها كبيرة ، إن هذا لا يكفي في الردع مادامت السيرة مستحكمة بخلافه في باب الاستصحاب فإنه ليس مستحكماً في نفوس العقلاء كاستحكام العمل بالخبر ومعه فالرادع لا يلزم أن يكون قويّاً - أي يكفي مثل الآيات الناهية عن الظن - إذن الآيات الناهية عن الظن تكفي للرادعية في باب الاستصحاب لأن الاستصحاب ليس مترسّخاً في النفوس العقلائية كترسّخ العمل بالخبر ولا تكفي للردع عن العمل بالخبر . هذا هو الفارق المهم بين السيرتين.