34/05/11


تحمیل
 الموضوع:- التمسك بالسيرة / أدلة الاستصحاب / الاستصحـاب / الأصول العملية.
 وأما بالنسبة إلى جواب السؤال الثاني:- فقد ذكر الشيخ الخراساني(قده) في الكفاية أن الآيات الناهية عن اتباع الظن وهكذا روايات البراءة صالحة للردع عن هذه السيرة ، أما الآيات الناهية عن الظن فباعتبار أن الاستصحاب غاية ما يفيده هو الظن ببقاء الحالة السابقة لا القطع فيكون ذلك - أي العمل بالحالة السابقة - شيئاً منهياً عنه بمقتضى الآيات الناهية عنه ، وأما روايات البراءة فلأنها تدل على أن كل تكليف مشكوك يحكم بعدمه سواء فرض أن الحالة السابقة كانت هي القطع بثبوت التكليف أم لا فمقتضى إطلاق أدلة البراءة أن التكليف حتى لو كان مقطوع الثبوت سابقاً فهو الآن مادام مشكوك الثبوت فهو مرفوع بـ( رفع عن أمتي ما لا يعملون ) فإنه بإطلاقه يشمل حتى حالة ثبوت التكليف سابقاً . إذن الآيات الناهية عن اتباع الظن والروايات الدالة على البراءة ورفع التكليف عند الشك في ثبوته هما بإطلاقهما يشملان مورد الاستصحاب إذ يتحقق الردع عن السيرة ، هكذا ذكر الشيخ الخراساني(قده) حيث قال ما نصّه:- ( ويكفي في الردع عن مثله ما دلّ من الكتاب والسنة على النهي عن اتباع غير العلم وما دلّ على البراءة أو الاحتياط في الشبهات ) [1] .
 ولكن هو في مبحث حجيّة الخبر استدل على الحجيّة الخبر بأدلة أحدها السيرة والبناء العقلائي حيث ذكر أن السيرة منعقدة على العمل بخبر الثقة وحينما أشكل على نفسه بأن هذه السيرة مردوع عنها بالآيات الناهية عن العمل بالظن وبروايات البراءة أجاب بأنها ليست صالحة للردع وذكر في هذا المجال عدة بيانات لإثبات عدم صلاحية الردع أحدها لزوم الدور فقال إن رادعية الآيات للسيرة قضية غير ممكنة ومستحيلة لأنه يلزم الدور إذ رادعية الآيات عن السيرة الجارية على العمل بخبر الثقة فرع أن لا تكون السيرة مقيّدة لعموم الآيات إذ لو كانت مخصصة أو مقيّدة لعمومها فلا تكون الآيات حينئذ رادعة عن السيرة لأنها سيرة خارجة بالتحصيص آنذاك ، إذن رادعية الآيات فرع أن لا تكون السيرة مقيّدة لعموم الآيات .
 ثم قال:- وعدم كون السيرة مقيدة للآيات فرع رادعية الآيات عن السيرة ، فصارت الرادعية موقوفة على الرادعية . إذن أصل الرادعية غير ممكنة ومستحيلة لأنه يلزم الدور على تقديرها ونص عبارته:- ( لأن الردع بها يتوقف على عدم تخصيص عمومها أو تقييد إطلاقها بالسيرة على اعتبار خبر الثقة وهو يتوقف على الردع عنها بها وإلا لكانت مخصصة أو مقيدة لها ) [2] .
 باتضاح هذا وقع الكلام في أن هذا هل هو تناقض من صاحب الكفاية أو لا ؟ فالشيخ النائيني ووافقه السيد الخوئي على ذلك فقال إن هذا تناقض من صاحب الكفاية فإن الرادعية إذا كانت دورية فذاك يأتي في كلا الموردين وإذا لم تكن دورية فذلك يأتي في كلا الموردين أيضاً فلماذا فرّقت بينهما ففي مبحث الاستصحاب قلت لو انعقدت السيرة على العمل بالاستصحاب فالآيات رادعة أما في مبحث حجيَّة الخبر قلت إن الآيات ليست رادعة عن السيرة - أي السيرة على حجيّة الخبر - لأن الرادعية دورية فهذا تناقض منك ؟! قال في فوئد الأصول:- ( .... فما أفاده المحقق الخراساني من أن الآيات ...... تصلح لكونها رادعة ..... ينافي ما تقدم منه في حجيّة الخبر ) [3] ، وقريب من ذلك ذكر في أجود التقريرات [4] والسيد الخوئي في مصباح الاصول [5] .
 بيد أن الشيخ العراقي(قده) في نهاية الافكار [6] ذكر أنه لا تهافت بين الموردين واستغرب من بعض الأعاظم حيث ذكر أنه توجد منافاة بين الموردين ، ثم أخذ(قده) يبين كيف أنه لا منافاة . إذن يوجد رأيان أحدهما يقول إن المنافاة ثابتة والآخر يقول إن المنافاة ليست ثابتة.
 والمناسب أن يقال:- إن صاحب الكفاية في مبحث حجيّة الخبر ذكر أربعة وجوه لعدم رادعية الآيات عن السيرة على الأخذ بالخبر وبعض هذه الأربعة يجري في المقام كما يجري في السيرة على العمل بالخبر وبعضها لا يأتي بل يختص بالخبر . إذن بلحاظ بعض الوجوه تتحقق المنافاة وبلحاظ بعض الوجوه الأخرى لا تتحقق المنافاة لاختصاصها بمبحث حجّة الخبر ، ولعله بذلك يقع الصلح بين العلمين - أي النائيني والعراقي - فالنائيني ناظر إلى تلك البعض التي تعمّ المقام والعراقي ناظر إلى البعض الذي يختص بمبحث حجيّة الخبر .
 أما ما هي تلك الوجوه ؟
 ذكر صاحب الكفاية في مبحث حجيّة الخبر أربعة وجوه لعدم صلاحية رادعية الآيات عن السيرة:-
 الوجه الأول:- إن الآيات منصرفة إلى النهي عن العمل بالظن في خصوص مسائل أصول الدين ، أما في غير أصول الدين كما في مقامنا - أعني العمل بالخبر في إثبات الأحكام الشرعية فإنه ليس من العقائد بل هو من الفروع والعمل - فهي ليست شاملة لذلك ؟ ولماذا ؟ لم يوضح(قده) ذلك ، ولعل النكتة هي أن الآيات بعضها يقول هكذا:- ( وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون ) [7] فإن النهي عن اتباع الظن قد ورد في سياق قضية عقائدية وهي أن الله ليس بموجود بل الدهر هو الذي يُهلك ... الخ . إذن الآيات مختصّة.
 الوجه الثاني:- إن الآيات الناهية عن الظن هي منصرفة إلى الظن الذي لم تقم عليه حجّة أما ما قامت عليه حجّة فلا تشمله ، والظن في مقامنا - أي الخبر قد قامت عليه الحجّة - وهي السيرة العقلائية - فهي لا تشمله ونصّ عبارته:- ( فإنه مضافاً أنها وردت إرشاداً إلى عدم كفاية الظن في أصول الدين ، ولو سلم فإنما المتيقن لولا أنه المنصرف إليه إطلاقها هو خصوص الظن الذي لم يقم على اعتباره حجّة ) . إذن المتيقن أو المنصرف منها هو خصوص الظن الذي لم تقم عليه حجّة أما ما قامت عليه حجّة فهي لا تشمله.
 قد يخطر إلى الذهن هذا الإشكال:- وهو أنه في مقامنا لا يمكن أن نقول إن هذا الظن الحاصل من الخبر قد قامت عليه حجّة - أعني بها السيرة - إذ كون السيرة حجّة هو أول الكلام لأننا نحتمل ردع الآيات الكريمة عنها فكيف تقول قامت عليه الحجة ؟ وهو إشكال وارد ، اللهم إلا أن يكون مقصوده هو الإشارة إلى قضية أعمق وهي بأن يقصد أنه بناءً على مسلك جعل العلمية - وبعض كلمات صاحب الكفاية قد يلوح منها أنه يبني على مسلك جعل العلمية في تفسير الحجّية يكون عمل العقلاء بالخبر يعني أنهم قد جعلوه علماً فهو علم بظرهم وإذا صار علماً بنظرهم فلا يكون مشمولاً للآيات الكريمة فإنها تنهى عن الظن والعمل بالظن وهذا بنظرهم ليس بظن وإنما هو علم وتتميم للكشف . إذن على هذا الأساس تكون الآيات منصرفة عن هذا المورد ، فإذا بيّنا المطلب بهذا الشكل فسوف يصير مطلباً دقيقاً ويرتفع الاشكال عن صاحب الكفاية(قده) ، وهذه قضية جانبية.
 الوجه الثالث:- قضية الدور حيث قال إن الرادعية دوريَّة بالبيان المتقدم الذي أشرنا إليه وأشار إليه في عبارته السابقة ولا نكرر.
 الوجه الرابع:- وهو مركب من مقدمتين:-
 الأولى:- إن السيرة قد جرت على جعل الخبر منجزاً أو معذراً فهم يرونه ينجّز الأحكام التي يقوم عليها أو يعذّر .
 الثانية:- إن العقل يحكم بأن ما يراه العقلاء منجّزاً أو معذّراً يلزم اتباعه في الشرعيات إلا أن يرد ردع جزميّ عنه ولا يكفي احتمال ورود الردع عنه.
 والنتيجة:- هي أن احتمال رادعية الآيات عن السيرة لا يكفي بل لابد من الجزم وحيث لا جزم في الرادعية فتكون حجّة . وقد أشار(قده) إليها بقوله:- ( ضرورة أن ما جرت عليه السيرة المستمرة في مقام الإطاعة والمعصية ..... يكون عقلاً في الشرع متبعاً يلزم عقلاً اتباعه في الشرع ما لم ينهض دليل على المنع عن اتباعه في الشرعيات ) ، هذه أربعة وجوه ذكرها(قده) في مبحث حجيّة الخبر.


[1] الكفاية 387 ط أل البيت.
[2] الكفاية ص303.
[3] فوائد الاصول ج4 ص33.
[4] اجود التقريرات ج2 ص358 ط قديمة
[5] مصباح الاصول ج3 ص12.
[6] نهاية الافكار ج4 ص46.
[7] الجاثية الآية 24.