34/05/04


تحمیل
 الموضوع:- الفارق بين الاستصحاب وقاعدة المقتضي والمانع / الفارق بين الاستصحاب وبقية القواعد / الاستصحـاب / الأصول العملية.
 هل الاستصحاب أصل أو أمارة ؟
 ذكرنا فيما سبق - أي في محله المناسب - أن الحكم الظاهري ينقسم إلى نوعين فتارة ينشأ من قوَّة الاحتمال وأخرى ينشأ من قوَّة المحتمل ، فعلى الأوّل هو أمارةٌ وعلى الثاني هو أصلٌ ، ففي باب خبر الثقة يلزم الأخذ بمضمون الخبر مهما كان سواء كان وجوباً أو تحريماً أو إباحةً أو ثبوت جزئيةٍ أو ثبوت مانعيةٍ أو غير ذلك فإنه يلزم الأخذ بالخبر في كل هذه الحالات لأجل قوَّة الكاشفية الثابتة في الخبر فإن احتمال إصابته للواقع هي بدرجة 70% مثلاً والعقلاء يبنون على حجيّة خبر الثقة والشارع قد أمضى ذلك لأجل قوَّة الكاشفية هذه ، إذن حجيّة الخبر حكم ظاهري ناشئة من قوَّة الاحتمال . وهذا بخلافه في أصل البراءة مثلاً فإنه لا توجد قوَّة في الاحتمال إذ لا يوجد شيءٌ تكون له كاشفية حتى يقال إنه لأجل تلك القوّة في الكاشفية - أو بالأحرى قوَّة الاحتمال - جُعل أصل البراءة حجَّة ، كلا ثم كلا وإنما العاقل وهكذا الشارع حينما تُفقَد جميع الأمارات ويبقى المكلف في حَيرة ولا يدري هل يحكم بالبراءة أو يحكم بالاشتغال فإن المولى قد يرجّح البراءة في مقابل الاشتغال - أعني ثبوت التكليف - لأجل مصلحة التسهيل أو لأجل قضية أخرى وهذا - كما قلنا سابقاً - قضية عقلائية فلو فرضنا أن صاحب البيت قد سئل وقيل له ( هل نطبخ في هذا اليوم طعاماً للضيوف ؟ ) فإنه تارة يقول ( إذا حصلتم على اتصال هاتفي أو غير ذلك وفهمتم أنهم يجيئون فاطبخوا ) فهنا قد اعتمد على قوَّة الكشف والاحتمال فإن الهاتف أو الخبر بوسيلةٍ أخرى له قوَّة في الكاشفية فحَكَم على طبقه ، وإذا قيل له ( وإذا لم يصلنا خبر أو غير ذلك ولكن يحتمل أنهم يأتون فجأة إلى البيت وقت الظهر فماذا نصنع حينئذ ؟ ) فهنا لا توجد قوَّة في الاحتمال بل يوجد تساوٍ ولم يحصل مرجّح على مجيئهم أو عدمه ففي مثل هذه الحالة ماذا يصنع العاقل ؟ إنه يلاحظ حينئذ أن حفظ ماء وجهه أهم فيحكم ويقول ( وإن لم يجئكم خبر فاطبخوا ) وهذا ليس لقوَّة الاحتمال بل لأهمية المحتمل بمعنى أن احتمال مجيئهم موجود واحترامهم شيء مهم له والحفاظ على ماء الوجه مهم فيحكم بلزوم الطبخ ، وأما إذا فرض أن الشخص المذكور احتياطياً فيقول ( لا تطبخوا ) وذلك لقوَّة المحتمل الثاني وأهميته وهو حرمة الإسراف والتبذير ، فالمقصود هنا هو أنه في البداية أوّلاً يأخذ بقوَّة الاحتمال والكشف فإن لم يكن فيذهب إلى قوَّة المحتمل.
 وبالجملة:- حجيّة الأمارة هي حكم ظاهري ناشئ من قوَّة الكشف - أي الاحتمال - بينما حجيّة الأصل هي حكم ظاهري لم ينشأ من قوَّة الاحتمال إذ لا يوجد ما يكشف ويقوّي الاحتمال بل لأجل أهمية المحتمل في حدِّ نفسه بقطع النظر عن الاحتمال ، وهذا كله عرفناه مما سبق.
 ونريد الآن أن نظيف شيئاً جديداً:- وهو أنه يوجد موردان للأصل أحدهما توجد فيه قوَّة في الاحتمال لا في المحتمل ورغم ذلك يكون أصلاً ، وثانيهما لا توجد فيه قوَّة في الاحتمال ولا قوَّة في المحتمل ومع ذلك يكون أصلاً ، إذن الشيء الجديد عندنا الآن هو أن الأصل حسب ما عرفناه سابقاً هو ما ينشأ من قوَّة المحتمل لا من قوَّة الاحتمال بينا الآن نذكر في المورد الأول مورداً للأصل ينشأ من قوَّة الاحتمال وفي المورد الثاني يثبت الأصل لا من قوَّة الاحتمال ولا من قوَّة المحتمل ومع ذلك يكون أصلاً .
 أما المورد الأول:- فكما لو فرض أن المولى لاحظ الشبهات البدوية مثلاً وثبت لديه أنه في الغالب - أي 70% - من الشبهات البدوية لا يوجد فيها تكليف وإذا كان موجوداً فهو بقدر 30% فإنه هنا قد يحكم بأصل البراءة في الشبهة البدوية لأجل قوَّة الاحتمال ، ولكن ليس المقصود هو قوَّة الاحتمال في نفس المورد بل هو قوَّة الاحتمال بلحاظ مجموع الشبهات فإن مجموع الشبهات مائة حسب الفرض وحيث أن 70% منها لا يوجد فيه تكليف حسب اطلاع المولى فكل شبهةٍ سوف يواجهها المكلف فسوف يكون احتمال عدم ثبوت التكليف فيها هو بدرجة 70% ولأجل ذلك يحكم المولى بحجيّة أصل البراءة.
 وبكلمة أخرى:- إن قوَّة الاحتمال تارةً تنشأ من ملاحظة المورد الخاص كما إذا جاء الثقة وأخبر بأن هذا الماء كرّ أو هذا الماء قد تنجس بإصابة النجاسة له أو غير لك فهنا يحكم بحجيَّة الخبر لقوَّة الاحتمال أي في المورد الخاص هذا فإن احتمال الإصابة هو بدرجة 70% - أي للواقع الموجود هنا - وهذا ما ذكرنا سابقاً أنه أمارة ، وأخرى تثبت قوَّة الاحتمال لا في المورد الخاص بل بلحاظ مجموع الموارد وهذا كما مثلنا له في المثال السابق - يعني لو لاحظ المولى مجموع الشبهات البدوية ورأى أن 70% منها لا يوجد فيها تكليف - فكل شبهة سوف يواجهها المكلف سوف يكون احتمال عدم التكليف فيها أقوى وبدرجة 70% بيد أن هذه القوَّة ليست قوَّة في نفس المورد وإنما هي بلحاظ مجموع الوقائع.
 وقد تسأل وتقول:- لماذا لا نعدُّ هذا المورد أمارة لا أصلاً باعتبار أنه ينطبق عليه ضابط الأمارة وهو أن تكون الحجيّة ناشئة من قوَّة الاحتمال وهنا كذلك فإن حجيّة هذا الأصل أي أصل البراءة نشأ من قوَّة الاحتمال غايته بلحاظ مجموع الوقائع فماذا عددته أصلاً وليس أمارة ؟
 والجواب:- إن الأصل مصطلح أصولي يطلقونه عادةً على ما لا يكون حجَّة في لوازمه غير الشرعية بينما الأمارة يطلقونها على ما يكون حجَّة في لوازمه غير الشرعية ، فإذا قبلنا بهذا فمن المناسب أن لا نعدَّ المورد المذكور أمارة بل تنحصر الأمارة بالمورد السابق - أعني ما كانت قوَّة الاحتمال فيه ثابتة في نفس المورد وليس بلحاظ مجموع الوقائع - والوجه في ذلك هو أن قوَّة الكشف لو كانت بلحاظ نفس المورد يعني أن نفس الخبر يكشف حينما يخبر المخبر بأن هذا كرّ فإن قوَّة كاشفيته عن هذا المضمون وأنه كرّ واقعاً إذا كانت 70% كما هو المفروض فكاشفيته عن اللوازم غير الشرعية هي بنفس الدرجة - أي بدرجة 70% - فإن كاشفية الشيء عن مداليله الالتزامية تساوي درجة كاشفيته عن مدلوله المطابقي وهذه قضية تكوينية وليست تعبديّة والمولى العاقل إذا فرض أنه جعل الحجيّة للأمارة لأجل الكاشفية 70% فيلزم أن يجعلها حجّة بلحاظ المدلول المطابقي والمدلول التزامي معاً لا خصوص المدلول المطابقي إذ تمام النكتة هي الكاشفية بدرجة 70% وهي كما هي ثابتة في المدلول المطابقي كذلك هي ثابتة في المدلول الالتزامي ، هذا إذا كانت قوَّة الكاشفية بلحاظ نفس المورد . وأما إذا كانت الكاشفية بلحاظ مجموع الوقائع كما مثلنا بأصل البراءة ففي مثلة لا يمكن أن نطبّق هذا الذي ذكرناه ونسحبه إلى هذا المورد فإن التساوي في درجة الكاشفيّة بين المدلول المطابقي وبين الالتزامي تتم فيما إذا كانت الكاشفية بلحاظ المورد الخاص وأما إذا كانت بلحاظ مجموع الوقائع فتلك المساوات لا تأتي هنا وإنما تختصّ قوَّة الكشف هذه بلحاظ ذلك الشيء الغالب - وهو عدم ثبوت التكليف الذي هو ثابت في غالب الشبهات الذي هو بدرجة 70% - ولا توجد قوَّة في الاحتمال بلحاظ المداليل الالتزامية غير الشرعية . إذن تلك الملازمة والمساواة بين درجة الكشف بلحاظ المدلول المطابقي ودرجة الكشف بلحاظ المدلول الالتزامي تختص بحالة كون قوَّة الكشف بلحاظ المدلول الخاص في المورد الخاص دون ما إذا كانت بلحاظ مجموع الوقائع والأمر وجداني كما هو واضح ، وعليه فالمناسب أن نصطلح على أصل البراءة لو نشأ من قوَّة الكشف بالشكل المذكور بالأصل دون الأمارة لما أوضحناه ، وهذا شيء واضح . والمهم هو هذا الذي نذكره في المورد الثاني فإن الذي يرتبط بباب الاستصحاب هو هذا المورد الثاني دون الأول وإنما ذكرنا المورد الأول من باب استكمال شقوق المسألة لا أكثر.
 وأما المورد الثاني:- فمثاله الاستصحاب الذي هو محلّ كلامنا فإن حجيّته حكم ظاهري بلا إشكال ولكن هل نشأت من قوَّة الاحتمال ؟ كلا ، وهل نشأت من قوَّة المحتمل ؟ كلا . أما أنها لم تنشأ من قوَّة الاحتمال فلأن ثبوت الحالة السابقة في الزمن السابق لا يلازم بدرجة 70% ثبوتها في حالة الشك وقاعدة ( إن الغالب فيما حدث أن يدوم ويستمر ) مجرد ألفاظ ما أنزل الله بها من سلطان ، نعم من سلّم هذه الغلبة وأن الغالب فيما حدث أنه يدوم فتتم قوَّة الكشف أي قوة الاحتمال أما بعد إنكارنا لهذه الغلبة فحينئذ لا تكون هناك قوَّة في الكاشفية . وأما أنه لا توجد قوَّة في المحتمل فباعتبار أن المحتمل لا يمكن تحديده في باب الاستصحاب بخلافة في مثل أصل البراءة فإنه في أصل البراءة يدور المحتمل بين كونه حرمة أو إباحة فيدور الأمر بين احتمالين فيمكن أن نقول إن المولى يرجّح الإباحة عند الدوران بين هذين الاحتمالين من باب مصلحة التسهيل أو غير ذلك ويقول ( كل شيء لك حلال حتى تعرف أنه حرام ) وهذا وجيه ، وأما في الاستصحاب فلا يوجد شيءٌ معينٌ إذ الاستصحاب تارةً يجري في الوجوب وأخرى في الحرمة وثالثة في الإباحة ورابعة في استصحاب الزوجية وخامسة في الكرّيّة .... وهكذا فإن الاستصحاب سيّال في جميع الموارد فلا يوجد تحدّد لمورده حتى يمكن للمولى أن يرجِّح أحد المحتملين على الآخر ويقول هذا أقوى من ذاك وهذه قضية وجدانية فراجع نفسك فهل يمكنك في موارد الاستصحاب كعاقلٍ أن تقول هذا المحتمل أقوى من ذلك المحتمل ؟ كلا لعدم تعيّن موارد جريان الاستصحاب . إذن حجيّة الاستصحاب لم تنشأ من قوّة الاحتمال والكشف بعد إنكار ما قيل من أن الغالب فيما حدث أنه يدوم وليس هو ناشئاً من قوَّة المحتمل لعدم تعيَّن مورد جريانه ، فماذا يصنع المولى في مثل هذا المورد ؟ وكيف يرجِّح احتمال البقاء على عدم البقاء بعد فرض انعدام قوَّة الاحتمال وقوَّة المحتمل ؟